تذكرني الزوبعة المثارة حول اللجان وشبهات الفساد هذه الأيام..بعبارة الكاتب المصري محمود السعدني الساخرة (الفيل فار حكومي رسمته لجنة)
لان الصراع المشتعل الداير حول إعادة إعمار انقاض الدولة يعود في الأساس الي ضعف التصورات والأفكار المتعلقة بمفهوم ونموذج الدولة وان ما يحدث من قصور ذاتي او موضوعي في ظل الفقر و تدهور الاوضاع الاقتصادية ليس عجزا عن الارتقاء الي مستوي التحدي الوجودي الذي يواجه الشعب السوداني بل يؤكد المثل الشعبي الذي يقول (ان الفقير راس التيس بملا بيتو لحم) ومعلوم ان الفساد والتجاوزات يتناسب انتشارهما عكسيا مع ضمور واضمحلال نظم الدولة في كل التجارب البشرية سواءا كانت اسلامية او حتي كمفهوم تطور في الفلسفات الغربية فجميعها ارتكزت علي مرجعيات اخلاقية او دينية و قانونية تمنع حدوث الفساد والظلم . واذا اعتبرنا مايحدث محاولة ظرفية لتجاوز واقع الحرب فليس من الحكمة تسويقه او تصديقه كتصور مكتمل تتوفر فيه كل اوجه الرقابة و اللوائح والقوانين لانه فقط معالجة مؤقته لا تعبر عن حقيقية ما يجب أن يكون عليه نموذج الدولة الحديثة وكان يجب أن يكون مع حسن التصرف والتدبير منصة انطلاق لاعادة البناء بمقاربات تاصيلية اقتباسا من المعارف والخبرات الانسانية حتي تقترب من النموذج الذي يتماشى مع الافكار العلمية الحديثة ويتسق مع المعهدات والقوانين والاتفاقيات الدولية التي وضعت معايير مثل الحوكمة الرشيدة والعدالة والشفافية كشروط ملزمة لدخول النادي الدولي .بعد أن تعولمت المعارف والخبرات كجهد بشري تراكمي بدا منذ ما قبل أفلاطون و الفلاسفة العرب حيث وضعت اللبنة الاولي لمفهوم الدولة الذي تطور في الفلسفات الغربية بالاقتباسات و تلاقح الافكار الانسانية مرورا بعصر ارسطو الذي صاغ تصور المدينة الفاضلة التي تجسد حكمة الوجود الانساني بالفضيلة والحياة الكاملة بمرجعية الاخلاق والمثل العليا الي مرحلة هوبز ولوك وروسو حيث تبلور مفهوم العقد الاجتماعي الذي وضع اسس جديدة تتمحور حول الفرد وحقوقه حيث تطور القانون الي اتفاق عقلاني يحكم العلاقات وينظمها الي أن جاء هيجل وطور مفهوم الدولة ليعبر عن بنية تاريخية عقلانية تجسد الاخلاق الموضوعية وليس الفردية ويكون القانون فيها صورة للعقل البشري في أعظم تجلياته لتعبر السلطة عن الحرية الواعية و تترجم المعني السياسي للعيش الإنساني المشترك . لذا فإن الأمر يتطلب رؤية فلسفية إطارية تنبثق منها مرتكزات فكرية غير متاحه حاليا مع طغيان رواية الحرب وسردياتها مما خلق فراغ كبير وفجوة ايدلوجية اضعفت البرنامج السياسي للدولة واتاحت الفرصة للاجتهادات الفردية وخلقت مراكز متعددة تدعم قرارتها بضحيج اعلامي مصحوبا بنوع من الارهاب الفكري والابتزاز السياسي والتنميط والتصنيف القايم علي الظن والتخمين وقراءة النوايا .
