ضل الحراز: علي منصور حسب الله
في خضم الحرب التي مزقت النسيج الاجتماعي السوداني وأفرزت خطاباً حاداً قائماً على الكراهية والعنصرية والجهوية تبدو أي خطوة تستهدف إعادة بناء الوعي الوطني واستعادة روح السودان الجامعة عملاً بالغ الأهمية لا سيما إذا جاءت عبر بوابة الثقافة والإعلام والفنون بإعتبارها أكثر الأدوات قدرة على مخاطبة وجدان الناس وصناعة الوعي الجمعي وفي هذا السياق يكتسب لقاء عضو مجلس السيادة الإنتقالي إبراهيم جابر بوفد مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام أهمية خاصة لكونه يتجاوز الطابع البروتوكولي إلى محاولة فتح نافذة جديدة نحو ترميم الشخصية السودانية التي أنهكتها الحرب والانقسامات فحديث جابر عن دعم كل ما يؤسس لخطاب وطني يعزز اللحمة الوطنية ويعالج إفرازات الحرب يعكس إدراكاً متزايداً بأن المعركة في السودان لم تعد عسكرية فقط بل أصبحت معركة وعي وهوية ومصير وطن كما أن الدعوة لأن يكون مركز الفضاء العالمي وعاءاً جامعاً للمبدعين والمهتمين بالإعلام والثقافة والآداب والفنون تمثل إتجاهاً صحيحاً إذا ما أُحسن البناء عليه وتحويله إلى مشروع وطني حقيقي لا مجرد شعارات عابرة لقد أثبت التاريخ السوداني أن المبدعين كانوا دائماً في مقدمة الصفوف حين يتعلق الأمر بحماية فكرة الوطن فالشعراء والمغنون والمسرحيون لم يكونوا مجرد صناع فن وترفيه بل كانوا صناع وجدان وطني ومؤسسين غير رسميين لوحدة السودان الثقافية والإجتماعية يكفي أن نستحضر الشاعر الكبير يوسف مصطفى التني حين كتب رائعته الخالدة (في الفؤاد ترعاه العناية) التي تغنى بها كروان الحقيبة الفنان بادي محمد الطيب فكانت بمثابة دستور وجداني للوطنية السودانية حيث يقول (في الفؤاد ترعاه العناية بين ضلوعي الوطن العزيز غير سلامتك ما عندي غاية لي عداه بسوي النكاية وإن هزمت بلملم قوايا إن شاء الله تسلم وطني العزيز) لم تكن تلك الكلمات مجرد أغنية يندد بها السودانيين بل كانت إعلاناً صريحاً لإنتماء يتجاوز القبيلة والجهة والعرق ويجعل الوطن القيمة الأعلى وفي موضع آخر يقول التني (نحن للقومية النبيلة ما بندور عصبية القبيلة تربي فينا ضغائن وبيلة تزيد مصائب الوطن العزيز) هذه الكلمات رغم مرور عقود طويلة على كتابتها تبدو اليوم وكأنها كتبت خصيصاً لواقع السودان الراهن بعدما تحولت بعض المنابر إلى أدوات لبث الأحقاد وإحياء العصبيات الضيقة التي هددت وحدة البلاد ومزقت نسيجها الإجتماعي كذلك شكلت أغنية (أنا سوداني) للشاعر محمد عثمان عبد الرحيم والتي لحنها وغناها الفنان الكبير حسن خليفة العطبراوي كواحدة من أعظم الأعمال الوطنية التي صنعت الوعي الجمعي السوداني حين قالت كلماتها (كل أجزائه لنا وطن إذ نباهي به ونفتتن نتغنى بحسنه أبداً دونه لا يروقنا حسن) فهذه الأعمال الفنية لم تكن ترفاً ثقافياً وإنما مشاريع وطنية متكاملة ساهمت في ترسيخ فكرة السودان الواحد وقدمت نموذجاً لوطن يتسع للجميع ولم يقتصر الدور الوطني على الشعر والغناء فقط بل لعب المسرح دوراً محورياً في تشكيل الوعي الجمعي الوطني منذ بدايات القرن العشرين فقد نشأ المسرح السوداني مرتبطاً بالحركة الوطنية ومقاومة الإستعمار متجاوزاً وظيفة الترفيه إلى صناعة الوعي السياسي والإجتماعي وأسهمت فرق مسرحية رائدة مثل فرقة نادي الخريجين بقيادة صديق فريد في نشر الوعي ومعنى الوطنية وتعزيز الهوية السودانية الجامعة لقد كان المسرح السوداني في تلك الفترة بمثابة منصة مقاومة ثقافية وفكرية واجه الإستعمار بالفكرة والوعي وساهم في تشكيل الشخصية الوطنية السودانية التي آمنت بالتنوع والتعايش ووحدة المصير غير أن إستدعاء هذا الإرث الثقافي العظيم على أهميته لا يكفي وحده لمعالجة الأزمة الحالية لأن الحرب الأخيرة أفرزت خطاباً بالغ الخطورة يقوم على التحريض العنصري والكراهية والدعوات الإنفصالية حتى أصبح بعض منابر الإعلام ووسائط التواصل الإجتماعي ساحات مفتوحة لتفكيك الدولة الوطنية وضرب وحدة المجتمع وتفتيت النسيج الاجتماعي ومن هنا فإن أي مشروع وطني لإعادة بناء السودان لا بد أن يقوم على محورين متكاملين الأول إعادة الإعتبار لدور الثقافة والفنون والإعلام الوطني في ترميم الوعي الجمعي وإحياء قيم التسامح والإنتماء الوطني والثاني صياغة قوانين صارمة تجرم خطاب الكراهية والعنصرية والتحريض على الإنقسام وكذلك تجرم ممارسة أي عمل سياسي يقوم مرتكزاً على ثوب القبيلة أو الجهة مع إطلاق يد القانون لمحاسبة كل من يروج للفتنة أو يدعو لتفكيك الدولة عبر الخطاب العنصري والجهوي ويطال كل من يسخر أو يسئ لأي من مكونات المجتمع السوداني فالحرية لا تعني السماح بإشعال نيران الفتنة والكراهية بين المكونات ولا يمكن بناء دولة مستقرة في ظل إفلات مطلقي خطاب العنصرية من المساءلة القانونية إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني ثقافي وإعلامي متكامل يعيد إنتاج الهوية السودانية الجامعة ويستثمر الإرث الهائل الذي تركه المبدعون السودانيون في الشعر والغناء والمسرح والأدب فالحروب يمكن أن تدمر المدن والبنى التحتية لكنها لا تستطيع هزيمة وطن يمتلك وعياً جمعياً حياً وإرادة ثقافية قادرة على تجاوز المحن ولعل أهم ما يمكن أن يخرج به لقاء إبراهيم جابر مع مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام هو الإنتقال من مرحلة التصريحات إلى مرحلة الفعل عبر دعم مشاريع ثقافية حقيقية وتشجيع الإنتاج الفني الوطني ورعاية المبادرات التي تعيد بناء الثقة بين السودانيين لأن المعركة الكبرى بعد توقف الحرب ستكون معركة إستعادة الإنسان السوداني نفسه

