يسألونك عن الحرب أيان مرساها؟
د. محمد عبد القادر سبيل
الحرب ضد الدعم السريع تكاد تضع اوزارها. والكرامة قد استردت. وجيشنا الابي خرج بخبرات وتاكتيكات حربية لا العالم كان يصدقها ولا الجيش ذاته كان يفكر فيها. الآن القوات المسلحة السودانية أقوى مما كانت عليه بمراحل.
ولكن هل كانت الحرب في حقيقتها ضد الدعم السريع لنقول انتهت؟ طبعا لا ، فما الدعم السريع إلا أداة استخدمت بالمال والنفوذ السياسي حتى احترقت.
فهل سنرتاح بعد تحرير أم دافوق؟ أم ثمة دواع لدى الطرف الآخر لإشعال حروب أخرى من جهة اثيوبيا أو جنوب السودان أو تشاد أو عبر القيام بعمليات تخريبية داخلية بواسطة متفلتين ومجموعات منظمة سياسيا. فضلاً عن مكونات أحزمة المدن والخلايا النائمة فيها والتابعة للفصائل والمليشيات المتمردة.
وهل أخفى مناوي شيئاً عن حتمية حروب قادمة لا محالة وقد بدأ الاستعداد لها بالفعل؟
إذاً فأين مرساها واين منتهاها؟ أليس من يظن أنه سيخلد إلى النوم بعد تحرير الفاشر نيالا إنما يحلم؟.
الواضح للعيان حالة العناد الشديد لدى الطرف الآخر حيث العزم على الانتصار بأي ثمن ومهما طال الزمن حتى لو تطلب الامر انفاق مال قارون بلا سقف في ظل وفرة هائلة من الثروة تدعمها أسواق المال العالمية.
والأهم من ذلك، فنحن نعيش في زمان عجيب وغريب، ينصر فيه الظالم ويخذل المظلوم، بلا مواربة أو غلالة أخلاق.
مواقف الدول المحترمة باتت تباع وتشترى على رؤوس الأشهاد، واعظم حكام العالم يعرضون ضميرهم وذمتهم للبيع وهم يبتسمون!.
فأيان مرساها مع هؤلاء؟
وحتى الشعوب ذاتها باتت تنتخب _ مرتين _ رجلاً مثل ترمب، وبدعمهم يعاقب محكمة الجنايات الدولية.. بل يهجوها دون ان تطرف له عين أو يزعه وازع، ثم يدمر ايران إكراماً لإسرائيل ويطلب بمنتهى الوقاحة جائزة نوبل للسلام وبالفعل ترشحه دول، خوفاً وطمعا. فهل سمعتم بتظاهرة في بقعة من العالم تحتج وترفض هذا العبث؟ كلا، بل يتظاهرون في فرنسا وغيرها طلبا لمصالحهم فحسب، لا لإحقاق حق أو نصرة مظلوم. وأما الامم المتحدة ومجلس أمنها فحدث ولا حرج.
نحن فقط من لا نحرص على ما ينفعنا بالتي هي أحسن.
وهأنتم ترون ما يحدث في اليمن وليبيا منذ 2011 وما سيحدث غدا للجزائر.
انا هنا لا ادعو الى الرضوخ والاستسلام، حاشا لقد قال تعالى ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون)، الجيش الآن في افضل حالاته، ولكن في الوقت ذاته لا تعاندوا، لأن من يدفعون ثمن تصلبكم ملايين بلا تعليم حقيقي ومكتمل وبلا صحة ولا شعور بالأمن والاستقرار وبلا مستوى معيشة حتى في الحد الادنى. والأهم من ذلك كله بلا أمل أو يقين على المستقبل. فهل يمكن ان نظل هكذا عشر سنوات اخرى كما بقيت ليبيا مثلاً؟
الصحيح والحق هو ان نرفض المساومة في الحق. ولكن لا يمكن ان نحتفظ بأسرنا وأهلينا في البلدان الآمنة وننادي بأن ننتصر على الامارات ولو بعد عشر سنوات اخرى يسام فيها شعبنا المغلوب على امره اشد العذاب؟.
الفكرة تحتاج الى شجاعة ووطنية وضمير حي؟
حرب الكرامة هذه ستتحول اعتباراً من العام المقبل الى حرب لا اخلاقية من الجانبين.
لماذا؟
لأن الكرامة قد استردت فعلاً والجيش قد انتصر في كل الجبهات ولم نسمع بمن انكر ذلك. ولم يتبق سوى العناد في مواجهة العناد. واما مصدر اللا اخلاقية فأن ينادي بالاستمرار على هذا النحو من كانت اسرته تعيش في مصر او تركيا او السعودية بعيدا عن لهيب الحجيم.
ثم ما هي الكرامة بعد ان اصبحت قطعة الخبز بخمسمائة جنيه وحمى الضنك تصبح صديقاً غادرا؟ هل هي ان تأكل الحرة من ثدييها وترى الشيوخ والاطفال يتسولون وبروفسورات الجامعة يبيعون المزيد من اكوام الشطة؟.
أيها الناس..من كان يحارب الدعم السريع فإن الدعم السريع قد مات، ومن كان يحارب الامارات فإن الله قد آتاهم مال قارون ليحاربوا به كل من في الارض و إلى اي زمان ويروضوا به الدول والغطاريف من الرجال والمؤسسات. العالم كله بات طوع مالهم وهواهم. وهم ينثرون المال على اعتى الرجال كما يفعل الدهابة على صدور القونات.
هذا قدر الله، وسيدنا عمر دعانا لأن نفر من قدر الله الى قدره الآخر.
ثم ماذا تريد الامارات حتى تفعل بنا كل هذا؟ اليس الاستثمار في الفشقة وموانئ البحر الاحمر؟ فليكن، أيعجزكم ان تصوغوا اتفاقا عادلاً يحولها من عدو لدود الى مصدر نفع للبلاد والعباد لينفسح المستقبل المغلق في وجه ابنائنا؟.
إذا اعجزكم الانتصار عليها حول طاولة الخير والاستثمار فأنتم قد خلقتم للحرب والانتصار فيها فسلموا الراية لمن يحسن هذا العمل السلمي احتراما لشعبكم ووطنكم ولأنفسكم.
ام هو الملف السياسي؟ فماذا تريد الامارات سياسيا؟ هل اعادة حمدوك؟ والله عودة حمدوك على قلة حيلته لن تكون أسوأ من حكومة كامل ادريس بعد ان اختطفتها وكبلتها قوى اتفاقية جوبا المشؤومة كما تفعل الأصلة بضحيتها. وحمدوك يمكن ان يعود بشروط اهمها ان يأتي بتعويض يسبقه الى الاعمار وإلى كل مواطن تضرر من النهب والقتل والاغتصاب، تعويضا مجزيا.ولا تحاسبوا حمدوك على ما بدر منه من تحريض ضد الجيش.. اتركوه كما تركتم السافنا والنور القبة وغيرهما، المهم ان تكفوا شره المستطير.. وكأنني أراه يقدم استقالته بعد حين من جراء مطامع (قحت) ونزاعاتهم وضغوطهم. ثم ماذا بعد؟ ماذا تريد الإمارات؟ هل الاسلاميين؟ وما عسى تريد بهم؟ ان يحاكموا فيدخلوا السجون؟ لقد تم.
هل ان يمنعوا من المنافسة في الانتخابات العامة مخافة فوزهم؟ امنعوهم لدورة دستورية لا احسبها ستكتمل لشدة ما أرى من الخيبة وإدمان الفشل.
هذه الاحزاب لا تحسن شيئاً سوى المعارضة والانتقاد والشكوى حتى وهم في سدة الحكم وخصومهم داخل السجن.
شيء عجيب.
يا سادتي العسكر.. لقد استرددتم الكرامة وأيم الله، ولكن الى متى يرتقب الناس الفرج بلا اجابة؟ والحجة هي الحرب، وماذا بعد دارفور؟ هل ستنتظرون بعدها حتى تفتح اثيوبيا بوابات سد النهضة على مصراعيها فلا يبقي الطوفان ولا يذر من البلاد شيئا، نظير ١٠ مليار دولار تدفع وكأنها لعبة؟
إن حياة الناس امانة. كفوا الشر وفاوضوا الامارات بشمم المنتصر ، فلن تحتاجوا بعدها الى مفاوضة ظلالها.
والله يهدي الى سواء السبيل
ملحوظة:
إشتهينا والله الحياة الآمنة الكريمة التي نلجأ فنجدها في يوغندا ومصر والسعودية والامارات، حيث لا توجد احزاب وديمقراطية وحركات مسلحة، ولكن توجد دولة ومؤسسات تعكف على الاستقرار والتنمية. يارب.
د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري واقتصادي
