فيض الخاطر: صفاء بحر
متى تدخل المجتمعات في مرحلة خطيرة من التراجع الصامت؟ وهل تبدأ خسارة الأوطان فقط حين تُهدم المباني أو تتعطل المؤسسات؟
الحقيقة أن الانهيار يبدأ عندما يفقد الشباب قدرتهم على الحلم.
فالأحلام ليست رفاهية عاطفية يعيشها الشباب في أوقات الاستقرار، بل هي الدافع الذي يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار، والعمل، والتخطيط للمستقبل. وعندما تتوقف أحلام الشباب، تدخل المجتمعات تدريجيًا مرحلة التراجع.
في السودان، لم تؤثر الحرب على الاقتصاد والبنية التحتية وحدهما، بل امتدت آثارها إلى أعماق الجيل الشاب، الذي وجد نفسه فجأة أمام واقع يبدد طموحاته، ويضعه في مواجهة يومية مع الخوف وعدم اليقين. كثير من الشباب الذين كانوا يخططون لإكمال تعليمهم، أو تأسيس مشاريعهم، أو بناء مستقبل مهني مستقر، أصبحوا اليوم منشغلين فقط بكيفية النجاة وتأمين أبسط متطلبات الحياة.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية؛ فالإنسان عندما يفقد القدرة على تخيل مستقبله، يفقد تدريجيًا جزءًا من دافعه للحياة. يتحول الطموح إلى عبء، وتصبح الأحلام المؤجلة مصدرًا للإحباط بدلًا من الأمل. ومع مرور الوقت، تتراجع الثقة بالنفس، ويحل الشعور بالعجز محل الرغبة في المحاولة.
إن أخطر ما تخلفه الحروب والأزمات الطويلة ليس الفقر وحده، بل فقدان الشغف والأمل. فالشباب الذين يعيشون طويلًا تحت ضغط الحرب والبطالة وعدم الاستقرار، قد يصلون إلى مرحلة يقتنعون فيها بأن أحلامهم لن تتحول يومًا إلى واقع ملموس. وعندها، تتراجع روح المبادرة، ويختفي الشغف، ويصبح أقصى الطموح هو البحث عن حياة آمنة، مهما كانت محدودة.
ولعل ما يزيد من قسوة هذا الواقع، أن كثيرًا من الشباب لا يملكون رفاهية التوقف الكامل، بل يضطرون إلى الاستمرار في أعمال هامشية أو ظروف معيشية صعبة، فقط من أجل البقاء. وفي خضم هذا الصراع اليومي، تبدأ الأحلام الكبيرة بالتراجع يومًا بعد يوم.
ولا يتوقف تأثير ذلك عند الفرد وحده، بل ينعكس على المجتمع بأكمله. فالمجتمعات التي يفقد شبابها الحافز والطموح، تفقد بدورها قدرتها على التجدد والإبداع. إذ لا يمكن بناء اقتصاد قوي أو مجتمع متطور بأجيال منهكة نفسيًا، تشعر بأن المستقبل مغلق أمامها.
ومع ذلك، فإن توقف الأحلام لا يعني موتها بالكامل. ففي داخل كثير من الشباب السوداني لا تزال هناك رغبة خافتة في النهوض من جديد، رغم كل ما حدث. وما يحتاجه هؤلاء الشباب اليوم ليس التعاطف أو الشفقة، بل بيئة تعيد إليهم الشعور بأن المستقبل ما زال ممكنًا. يحتاجون إلى فرص حقيقية، واستقرار، ودعم يعيد بناء ثقتهم بأنفسهم وبوطنهم.
إن إعادة إعمار الدول لا تقتصر على إعادة بناء الطرق والمباني، بل تشمل أيضًا إعادة بناء الإنسان من الداخل. فالشباب الذين فقدوا أحلامهم بسبب الحرب، يحتاجون قبل أي شيء إلى استعادة الإيمان بأن حياتهم يمكن أن تحمل معنى أفضل مما يعيشونه اليوم.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا أن الأوطان لا تنهض بجيل فقد القدرة على الحلم، بل بجيل يؤمن أن المستقبل يستحق المحاولة. لذلك، فإن حماية أحلام الشباب ليست قضية فردية، بل مسؤولية وطنية ترتبط بمستقبل السودان نفسه.
