الوطن بين اغتراب الذات وموت الحلم الجماعي
٢٠٢٦/٠٥/١٦
د. الهادي عبدالله أبوضفائر
ليست المأساة في دبابةً تعبر الشوارع أو رصاصةً تشقُّ صدر المدينة، بل قد تبدأ من طريقة تفكيرنا في الوطن نفسه. حين يتحوّل من مشروعٍ جماعي إلى ما يشبه (طربيزة حريك)، يلعب فيها كلُّ واحدٍ لصالح ورقه، ولا يمنح الآخرين إلا (البايظ)، يتسرّب الخراب إلى أصل الفكرة. عندها يصبح خوفنا على مصالحنا أكبر من خوفنا على الوطن، فنحرس مكاسبنا الضيّقة بينما البلاد تحترق ببطءٍ تحت أقدامنا.
في ظاهرها تبدو (الحريك) لعبةً عابرة، لكنها في عمقها تختزل فلسفةً كاملة في إدارة المجتمعات المتأزّمة. فكلُّ طرفٍ يحتكر أوراقه الرابحة لنفسه، ولا يمنح الآخر إلا (البايظ). عدالةٌ بايظة، وتنميةٌ بايظة، ووطنيةٌ مُفرَّغة إلى أدنى حدودها الممكنة. وهكذا ينحدر الوطن من فضاءٍ للنجاة المشتركة إلى سوقٍ مفتوح لتبادل الخسائر، حيث لا تُقسَّم فرص الحياة، بل تُعاد هندسة الهزائم.
لم تعد الأنانية مجرّد ضعفٍ فردي، بل تحوّلت إلى عقلٍ خفيٍّ يدير علاقة الناس بالوطن. فالقبيلة تتخيّل دولةً على مقاسها، والحزب يطلب وطناً بحجم شعاره، والنخبة تريد شعباً يصفّق لا شعباً يفكّر. وحتى الإنسان البسيط، تحت ثقل القهر الطويل، صار يميل إلى النجاة بنفسه. وهكذا يتآكل الوطن حين يصبح الأنا أكبر من فكرة نحن.
ليست أخطر الأوطان تلك التي تكثر فيها البنادق، بل تلك التي تتآكل فيها فكرة الإنسان. فعندما يضيق الوعي الجمعي، ويتقدّم الأنا، يفقد المجتمع روحه. عندها لا يعود الوطن شعباً واحداً، بل أفراداً متجاورين تجمعهم الأرض وتفرّقهم المشاعر والمصالح.
والمفارقة أنّ الحروب لا تبدأ دائماً من فوهة بندقية، بل من لحظةٍ يفقد فيها الناس قدرتهم على رؤية بعضهم كبشرٍ متساوين في الألم والكرامة. حين يصبح موت الآخر خبراً عابراً لأنه (ليس من جماعتنا)، ويغدو النزوح رقماً بارداً في نشرات الأخبار، لا جرحاً حيّاً في ضمير الوطن.
لهذا، فإنّ العنصرية أخطر من الرصاصة، فالرصاصة تقتل الجسد، أمّا العنصرية فتقتل إنسانية الإنسان. في رواندا، لم تبدأ الإبادة بالسواطير، بل حين أقنع الخطاب السياسي الناس أنّ جيرانهم ليسوا بشراً كاملين. وفي ألمانيا النازية، لم تبدأ الكارثة بمعسكرات الموت، بل حين تحوّل (الآخر) إلى كائن خارج الاستحقاق الإنساني. وكلّ المجتمعات التي انهارت لم تسقط بالفقر وحده، بل حين فقدت معناها الأخلاقي للعيش المشترك، وانطفأت فيها رؤية الإنسان للإنسان قبل أيّ انتماء.
الوطن اليوم يقف أمام الخطر ذاته، لكن بصورةٍ أكثر تعقيداً. فنحن لا نعاني فقط من انقسامٍ سياسي، بل من تشظّ وجداني، كلُّ مجموعةٍ تعيش داخل سرديتها الخاصة، حتى صار الوطن نفسه حقيقةً مختلفةً من شخصٍ إلى آخر.
لكنّ السؤال الأعمق ليس: لماذا نحارب؟ بل. لماذا فشلنا في تعلّم (العمل الجماعي) رغم كلّ هذا الألم؟ ربما لأنّ ثقافتنا السياسية بُنيت، منذ الاستقلال، على تمجيد البطل الفرد لا بناء المؤسسة. نبحث دائماً عن الزعيم المنقذ، لا عن النظام العادل. نحتفي بالخطيب أكثر من احتفائنا بالمهندس، وبالشعار أكثر من احتفائنا بالفعل. ولهذا، حين يسقط الفرد، يسقط كلُّ شيء معه.
في الدول التي نجحت، لم يكن السرّ في عبقرية الأفراد، بل في قدرتهم على تحويل الأنانية الفردية إلى مصلحة جماعية منظّمة. اليابان بعد الحرب العالمية الثانية لم تنهض لأنّ اليابانيين صاروا ملائكة، بل لأنّهم أدركوا أنّ بقاء كلّ فرد مرهون ببقاء الجماعة. وسنغافورة لم تتحوّل من جزيرة فقيرة إلى مركزٍ عالمي لأنّها تملك موارد خارقة، بل لأنّها هزمت عقلية الأنا.
أمّا نحن، فما زلنا ندير الوطن بعقلية اللاعب الذي يتوهّم أن انتصاره الفردي ممكن فوق أنقاض الجميع. والمفارقة أنّ الوطن، في عمقه الشعبي، ما يزال يختزن قيماً أصيلة من التكافل والمحبّة، في القرى البعيدة يُتقاسم الماء والزاد والحزن والفرح، وتسبق الأم جارتها إلى القدر أحياناً. لكن هذه الروح تتبدّد كلّما اقتربنا من فضاء السلطة والثروة والصراع، كأنّ السلطة عندنا لا تكشف الكفاءة بقدر ما تكشف هشاشة الأخلاق حين تُختبر في موضع النفوذ.
ربما لا يحتاج الوطن اليوم إلى مزيدٍ من الخطابات، بل إلى إعادة تعريفٍ لمعناه. أن ننتقل من سؤال. من يملك الوطن؟ إلى سؤال أعمق. كيف نحمي الإنسان، فالبلاد لا تُقاس بعدد البنادق، بل بقدرتها على إنتاج الرحمة بين أبنائها. والوطن الحقيقي ليس الذي يطلب من الناس الاستعداد للموت من أجله، بل الذي يجعلهم قادرين على العيش معاً داخله بكرامة.
لهذا، فإنّ أعظم مشروعٍ سياسي في المستقبل لن يكون مشروع سلطة، بل مشروع إعادة بناء الإنسان من الداخل. إعادة صياغة الثقة، ومعنى الشراكة، وقدرة الإنسان على أن يرى نفسه في وجه الآخر، لا في مرآة القبيلة أو الأيديولوجيا وحدها. وعندها فقط سيتوقّف الوطن عن كونه (طربيزة حريك)، ويتحوّل إلى مائدةٍ يتقاسم الناس عليها الحياة، لا الأنقاض.
abudafair@hotmail.com
