ضل الحراز…علي منصور يكتب: رشان اوشي…هل انتهت القضية ام بدأت الأسئلة(3) ؟

ضل الحراز

رشان أوشي… هل انتهت القضية أم بدأت الأسئلة؟ (3)

بقلم علي منصور حسب الله

كلما تعمقت القراءة في الوثائق المرتبطة بقضية الصحفية رشان أوشي ازداد اليقين بأن القضية تجاوزت منذ وقت مبكر حدود الخلاف حول مادة صحفية لتتحول إلى ملف يثير أسئلة جوهرية تتعلق بكيفية إدارة التحقيقات داخل مؤسسات الدولة وآليات اتخاذ القرار الإداري ومدى التنسيق بين الأجهزة الرسمية وكيفية التعامل مع الوقائع التي تمس الوثائق السيادية والثقة العامة وعند قراءة هذه الوثائق مجتمعة، لا منفردة يبرز تباين واضح في تقييم الوقائع بين جهات رسمية مختلفة وهذا التباين لا يمثل في حد ذاته موضع إدانة لأي جهة لكنه يفرض ضرورة البحث عن تفسير قانوني ومؤسسي يوضح للرأي العام كيف بُنيت القرارات وعلى أي أساس استندت كل جهة في تكوين قناعتها ومن أهم الوثائق في هذا السياق خطابٌ مؤرخ في 13 يناير 2025 وقّعه وزير الداخلية آنذاك الفريق شرطة خليل باشا سايرين موجهاً إلى الأمين العام لمجلس السيادة الفريق ركن محمد الغالي علي يوسف استناداً إلى خطاب مدير مكتب رئيس مجلس السيادة بالنمرة (ق ض/م/م 1/34) المؤرخ في 8 يناير 2025 وتكتسب هذه الوثيقة أهمية خاصة لأنها تقدم الرواية التي استندت إليها وزارة الداخلية في تبرير قرار إنهاء خدمة المقدم شرطة (م) عبد المطلب محمد أحمد فضل الله كما تكشف في الوقت نفسه اختلافاً واضحاً بين ما انتهت إليه رئاسة قوات الشرطة بعد تحقيقاتها وما خلصت إليه الوزارة لاحقاً بعد ورود ما وصفته بالوقائع الجديدة ويكشف الخطاب تسلسلاً إدارياً يستحق الوقوف عنده إذ يوضح أن الإجراءات المتعلقة بالمقدم شرطة (م) عبد المطلب محمد أحمد فضل الله بدأت بعد ورود معلومات إلى وزارة الداخلية فقامت الوزارة بإحالتها إلى رئاسة قوات الشرطة بتاريخ 8 أغسطس 2024 بغرض تقصي الحقائق واتخاذ ما يلزم من إجراءات ويشير الوزير إلى أن المعلومات التي أُحيلت إلى رئاسة الشرطة هي ذاتها التي وردت في مذكرة مدير عام قوات الشرطة والمتعلقة بالوقائع الواردة في الفقرات من (أ) إلى (هـ) والتي تضمنت عدداً من الاتهامات المنسوبة إلى الضابط غير أن الوزير يلفت الانتباه إلى أن الفقرة (هـ) المتعلقة بالعربة الدبلوماسية اكتسبت أهمية خاصة وأصبحت بحسب ما يُفهم من الخطاب محوراً رئيسياً في تطور القضية وبحسب الخطاب باشرت رئاسة قوات الشرطة التحقيق في 14 أغسطس 2024، واستمرت الإجراءات حتى 27 أكتوبر 2024 حيث انتهت السلطة الآمرة بالتحقيق إلى حفظ الإجراءات بعد توصية الإدارة العامة للشؤون القانونية وموافقة مدير عام قوات الشرطة وذلك لعدم كفاية البينات وفي ظل إنكار الضابط للوقائع المنسوبة إليه غير أن قراءة الخطاب تكشف تفصيلاً بالغ الأهمية يتمثل في أن الإدارة العامة للشؤون القانونية لم تكتفِ بالتوصية بحفظ الإجراءات وإنما طرحت في الوقت نفسه بديلاً آخر تمثل في إيفاد ضابط إلى القاهرة لاستكمال التحريات في مكان وقوع الوقائع وهو ما يعني أن الجهة القانونية المختصة رأت أن الملف لا يزال يحتمل استكمال إجراءات إضافية قد تسهم في الوصول إلى الحقيقة غير أن هذه التوصية بحسب ما تكشفه الوثائق لم تُنفذ وانتهى الأمر بحفظ الإجراءات كما يشير الخطاب إلى أن رئاسة قوات الشرطة قررت لاحقاً نقل الضابط من القاهرة إلى القنصلية السودانية بمدينة أسوان مبررة ذلك بأن العلاقة الإدارية بينه وبين رئيس محطة القاهرة لم تكن على النحو المأمول إلا أن التطور الأهم بحسب رواية وزير الداخلية وقع بعد إغلاق ملف التحقيق عندما وردت معلومات جديدة تفيد بأن الضابط أقام دعوى جنائية أمام السلطات المصرية تتعلق بالعربة الدبلوماسية من نوع شيفروليه تاهو التي تحمل اللوحة الدبلوماسية (325/43)
ويضيف الخطاب أن البعثة السودانية بالقاهرة عبر وزارة الخارجية أفادت بأن هذه الدعوى أوقعت البعثة في حرج دبلوماسي وأنها وفقاً لما ورد في الخطاب كانت دعوى كاذبة كما أشار إلى أن العقد المتعلق بالعربة يثبت تصرف الضابط فيها وأن الوكيل الوارد في العقد هو عادل حامد دقلو موسى وانطلاقاً من هذه الوقائع يرى وزير الداخلية أن المعلومات الجديدة إلى جانب ما وصفه بالكذب في إقامة الدعوى والتعامل التجاري مع شخص يحمل هذا الاسم كانت كافية لتكوين قناعة بضرورة إنهاء خدمة الضابط حمايةً للوظيفة العامة وصوناً لقيم الأمانة والنزاهة التي تقوم عليها المؤسسة الشرطية كما أوضح الوزير أن قرار مجلس السيادة رقم (249/2024م) بإنهاء الخدمة لم يُبنَ على نتائج التحقيق الذي أجرته رئاسة قوات الشرطة وإنما استند إلى هذه الوقائع الجديدة التي قال إنها لم تكن معروضة على لجان التحقيق عند مباشرتها للإجراءات وأضاف أن رئاسة قوات الشرطة عندما رفعت إليه تظلم الضابط بتاريخ 26 ديسمبر 2024 أشارت إلى أنها لم توصِ أصلاً بإنهاء خدمته إلا أن الوزارة رأت أن القانون لا يشترط صدور مثل هذه التوصية وأن المعلومات التي أصبحت متوافرة لديها كانت كافية لاتخاذ القرار وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية فإذا كانت رئاسة قوات الشرطة قد انتهت بعد تحقيق استمر أكثر من شهرين إلى حفظ الإجراءات لعدم كفاية البينات فكيف توصلت وزارة الداخلية لاحقاً إلى قناعة قانونية وإدارية مغايرة؟ وما طبيعة الوقائع التي وُصفت بأنها جديدة؟ فهل لجان التحقيق كانت مقصرة وهل كانت بالفعل الوقائع لم تكن مطروحة أمام لجان التحقيق أم أنها كانت امتداداً للوقائع نفسها لكنها دُعمت لاحقاً بمستندات أو معلومات إضافية؟ أم أن لجان التحقيق قصرت في أداء مهامها؟ وهل خضعت تلك المستندات قبل الاستناد إليها في اتخاذ قرار إنهاء الخدمة للفحص الفني والقانوني الكافي للتحقق من صحتها وسلامة إجراءات الحصول عليها؟ وهل أُتيحت للمقدم شرطة (م) عبد المطلب محمد أحمد فضل الله فرصة كاملة للاطلاع على هذه الوقائع الجديدة والرد عليها؟ فالعدالة الإجرائية لا تقوم فقط على سماع الأقوال وإنما أيضاً على تمكين كل طرف من مناقشة الأدلة التي يُراد ترتيب آثار قانونية عليها هذه الأسئلة لا تنطلق من افتراض الإدانة أو البراءة وإنما من مبدأ أصيل مؤداه أن سلامة القرار الإداري ترتبط بسلامة الإجراءات التي سبقته وأن قوة أي قرار لا تُقاس بنتيجته وإنما بمدى استناده إلى تحقيق استوفى جميع الضمانات القانونية وهنا تبرز مجموعة أخرى من الأسئلة لا تتعلق بالضابط وحده وإنما بمنهج التحقيق الذي اتبعته رئاسة قوات الشرطة وبالأسس التي بُني عليها قرار الحفظ فإذا كانت لجان التحقيق قد انتهت إلى حفظ الإجراءات بدعوى عدم كفاية البينات فما المقصود تحديداً بعدم كفاية البينات؟ هل كان المقصود عدم كفاية الأدلة لإثبات الوقائع المنسوبة إلى الضابط أم أن اللجنة رأت أن الأدلة المتاحة لا ترقى إلى المستوى الذي يسمح باتخاذ إجراءات قانونية أو إدارية إضافية؟ وهل استنفدت اللجنة جميع وسائل التحري الممكنة قبل الوصول إلى هذه النتيجة؟ فالخطاب الذي وقعه وزير الداخلية يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة المستندات التي كانت متاحة أثناء التحقيق وما إذا كانت جميعها قد خضعت للفحص الفني والقانوني اللازم فعلى سبيل المثال يشير الخطاب إلى العقد المتعلق بالعربة الدبلوماسية وهو مستند اكتسب أهمية خاصة في بناء قناعة الوزارة وهنا يبرز السؤال هل خضع هذا العقد لفحص فني مستقل للتأكد من صحته وتاريخ تحريره والصفة القانونية لكل من وقّع عليه؟ وهل استعانت جهات التحقيق بخبراء مختصين في فحص المستندات إذا اقتضى الأمر؟ فإذا كان العقد صحيحاً فهل كان يكفي أن يُحال الضابط إلى المعاش أم كان ينبغي إحالة الملف إلى القضاء لمحاكمته؟ وهل استمعت جهات التحقيق إلى جميع الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في العقد أو في المستندات المرتبطة به حتى تكتمل الصورة من جميع جوانبها؟ أم أن الأمر اقتصر على تبادل المكاتبات الإدارية بين الجهات الرسمية؟ومادامت وزارة الداخلية قد اعتبرت هذا العقد من أهم المرتكزات التي بُني عليها قرار إنهاء الخدمة فمن حق الرأي العام أن يعرف ما إذا كان هذا المستند قد خضع للتحقق الفني والقانوني الكامل أم أنه اعتُمد بوصفه قرينة ضمن مجموعة من القرائن الأخرى ويثور السؤال ذاته بشأن الدعوى الجنائية التي قال الوزير إن الضابط أقامها أمام السلطات المصرية بشأن العربة الدبلوماسية من نوع شيفروليه تاهو التي تحمل اللوحة الدبلوماسية (325/43)
فإذا كانت البعثة السودانية بالقاهرة قد أفادت عبر وزارة الخارجية بأن تلك الدعوى أوقعتها في حرج دبلوماسي وأنها كانت بحسب ما ورد في الخطاب دعوى كاذبة فهل حصلت جهات التحقيق على ملف الدعوى كاملاً من السلطات المصرية؟ وهل اطلعت على صحيفة الدعوى والمستندات المقدمة فيها وأقوال أطرافها والقرارات التي انتهت إليها الجهات المختصة في جمهورية مصر العربية؟ أم أن التقييم استند إلى المخاطبات الرسمية وحدها؟ ولا يقل أهمية عن ذلك السؤال المتعلق بالتوصية التي أصدرتها الإدارة العامة للشؤون القانونية بإيفاد ضابط إلى القاهرة لاستكمال التحريات فهذه التوصية لم تصدر من جهة تنفيذية وإنما من الجهة القانونية المختصة التي رأت فيما يبدو أن الملف لا يزال يحتاج إلى إجراءات إضافية قبل حسمه فلماذا لم تُنفذ هذه التوصية؟ هل كانت هناك موانع قانونية حالت دون تنفيذها؟ أم كانت هناك اعتبارات مالية أو إدارية؟ أم أن قرار حفظ الإجراءات صدر قبل استنفاد جميع وسائل الوصول إلى الحقيقة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تكتسب أهمية خاصة لأن تنفيذ تلك المأمورية لو تم ربما كان سيضيف إلى التحقيق عناصر جديدة سواء لصالح الضابط أو ضده وهو ما كان من شأنه أن يعزز الثقة في النتائج التي انتهى إليها التحقيق ومن ناحية أخرى إذا كانت وزارة الداخلية قد حصلت بعد انتهاء التحقيق على معلومات ومستندات جديدة من القاهرة فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا لم يُعد فتح التحقيق الشرطي لإضافة هذه الوقائع إلى الملف الأصلي؟ ولماذا لم تُعرض تلك المستندات على لجنة تحقيق جديدة أو مجلس قانوني مختص لإعادة تقييمها في ضوء الأدلة السابقة واللاحقة معاً؟ أليس ذلك أكثر اتساقاً مع مبادئ العدالة الإجرائية وأكثر ضماناً لسلامة القرار الإداري؟