ضل الحراز
رشان أوشي… هل انتهت القضية أم بدأت الأسئلة؟
(1)
بقلم علي منصور حسب الله
خرجت الصحفية رشان أوشي من السجن بعد قرابة شهر من الإحتجاز لكن خروجها لم يكن نهايةً للقضية بل ربما كان بدايةً لمرحلة جديدة من الأسئلة التي ما تزال تنتظر إجابات واضحة فخلال فترة إحتجازها لم يكن السجن هو الحدث الوحيد ففي الوقت الذي تقلصت فيه مساحات الحرية في دنيا الصحافة السودانية إزدادت رشان أوشي حضوراً في وجدان كثير من السودانيين ولم تتراجع مكانتها بل تعاظمت وأصبحت لدى قطاع واسع من الرأي العام رمزاً من رموز الصمود والدفاع عن حق الصحافة في مساءلة السلطة وطرح الأسئلة وكشف ما تراه من وقائع تتصل بالشأن العام غير أن السؤال الجوهري الذي لا يزال مطروحاً هو هل كان دخول رشان أوشي السجن يعني أن الوقائع التي أثارتها ثبت عدم صحتها؟ أم أن القضية انحصرت في عبارات محددة رأت المحكمة أنها تستوجب المساءلة القانونية بينما بقيت الوقائع الأساسية والأسئلة الكبرى خارج نطاق الحكم القضائي؟ وبطريقة أخري هل كان هدف الشاكي تبرئة نفسه بصورة شفافة وواضحة أم إدانة الصحفية قانونياً لتصبح الإدانة صك براءة لها وهل الإدانة فعلاً تثبت عدم وجود أي خلل لا يهم من ارتكب الخلل هل هل هو موجود أم لا
وبطريقة ثالثة هل النتيجة تجسيد للمثل القائل (أمسكوا البردعة وتركوا الحمار؟) السؤال الذي لا يزال حاضراً بإلحاح لقد كتبت رشان أوشي عن وقائع تتعلق باستخراج جواز سفر سوداني لشخص يحمل الجنسية التشادية رغم وجود حظر على رقمه الوطني السوداني كما أشارت إلى مستندات قالت إنها تتعلق ببيع امتياز دبلوماسي للوحة سيارة تتبع للسفارة السودانية في جمهورية مصر العربية لصالح عادل دقلو وأن السيارة يقودها في القاهرة المدعو علاء الدين استنادًا إلى وثيقة صادرة من مصلحة الشهر العقاري والتوثيق المصرية وهنا يبرز سؤال بسيط ومباشر هل هذه اللوحة ما تزال موجودة؟ أم أُلغيت؟ أم لا تزال بحوزة المدعو علاء الدين الذي يتبع لمليشيا الدعم السريع؟
أليست هذه وقائع يمكن للجهات المختصة أن تحسمها بسهولة إذا كانت تملك الجدية؟
ولا أقصد هنا الخوض في تفاصيل تلك المستندات لأن هناك تحقيقاً صحفياً يجري الإعداد له بشأن هاتين الواقعتين وإنما يعنيني أن الأسئلة التي أثارتها رشان أوشي لم تدخل السجن معها ولم تغادره بخروجها بل أصبحت اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى فإذا كانت المحكمة قد نظرت في قضية تتعلق بالنشر فهل فصلت أيضاً في صحة المستندات المتعلقة بإستخراج الجواز؟ وهل قالت إن الجواز لم يُستخرج أصلًا؟ أم أن الحكم إقتصر على بعض الجوانب المتعلقة بالنشر دون أن يحسم الوقائع الإدارية والفنية التي كانت أصل القضية؟ وهل أوضحت جلسات المحاكمة كيف أصبح المدعو يعقوب فيصل أمبدي عبدالله بحسب المستندات التشادية يحمل في السودان اسم آخر هو الشريف يعقوب الشريف فيصل الشريف أمبدي الشريف عبدالله؟ وكيف يمكن تفسير هذا الاختلاف الجوهري في الاسم والبيانات الشخصية؟ فبحسب وثائق الهوية التشادية جاءت البيانات على النحو الآتي الاسم: يعقوب اللقب (اسم المستخدم العائلة) فيصل أمبدي تاريخ الميلاد نحو عام 1973م مكان الميلاد أم التيمان جمهورية تشاد اسم الأب فيصل أمبدي اسم الأم كلثومة مرحال المهنة تاجر رقم التسجيل 134/07 تاريخ الإصدار 12 سبتمبر 2009م وفي المقابل يحمل الشخص نفسه جواز سفر سوداني بالرقم SDNP11177779 باسم الشريف يعقوب الشريف فيصل الشريف أمبدي الشريف عبدالله صادر من مكتب السفارة السودانية بالقاهرة ويحمل الرقم الوطني 11927549830 وتاريخ ميلاده 7 يوليو 1979م وصدر بتاريخ 25 أكتوبر 2023م وتنتهي صلاحية الجواز في 24 أكتوبر 2033م وهنا تتوالد الأسئلة بصورة طبيعية كيف تغيّر الاسم ومكان الميلاد وتاريخه بهذه الصورة؟ وأي البيانات هي الصحيحة؟
هل وُلد في أم التيمان بجمهورية تشاد في عام 1973م كما تشير وثائقه التشادية؟ أم وُلد في السريف السودانية في يوليو 1979م كما تشير الوثائق السودانية؟ أم أنه وُلد في منطقة بالقرب من أرارا بولاية غرب دارفور كما يتداول البعض شفاهة؟ ثم ما طبيعة العلاقة بين يعقوب فيصل أمبدي ومحمد جبر الذي يُقال إنه تشادي الأصل وكان يعمل أستاذاً بجامعة أفريقيا العالمية ثم تبيّن لاحقاً بحسب ما هو متداول أنه ضابط تشادي وهو اليوم من المنتمين إلى مليشيا الدعم السريع؟ ومن هو النقيب شرطة الذي قيل إنه عرض شرائح الهاتف الخاصة بيعقوب فيصل أمبدي للبيع ومن بينها الشريحة رقم 0912332459؟ وما سر التسجيلات الصوتية وهل للنقيب علاقة باستخراج الجواز السوداني مع سلطات السجل المدني في القاهرة وهل تم تفويضه من قبل الشريف يعقوب الشريف فيصل بمتابعة مستنداته في السودان وهل تم التحقيق في هذه الوقائع؟ وهل استمعت الجهات المختصة إلى جميع من وردت أسماؤهم في هذه القضية؟ هذه ليست أحكاماً وليست إتهامات وإنما أسئلة يفرضها تضارب البيانات وتستوجب بطبيعتها تحقيقاً شفافاً ومستقلاً لأن القضية لا تتعلق بفرد واحد وإنما تمس الثقة في منظومة الهوية والجنسية والوثائق السيادية للدولة وتزداد أهمية هذه التساؤلات عند الرجوع إلى خطاب الإدارة العامة للسجل المدني المكتب التنفيذي المؤرخ في 22 سبتمبر 2025م والموجه إلى السيد قاضي محكمة جنايات بورتسودان (الدرجة الثانية) والذي أفاد بحسب ما ورد فيه بأن الرقم الوطني 11927549830 باسم الشريف يعقوب الشريف محظور وذلك لعدم إستحقاق صاحبه الهوية السودانية وعجزه عن إثبات إستحقاقها ويحمل الخطاب توقيع رائد الشرطة مصعب عبد الرحيم المبارك نيابةً عن مدير الإدارة العامة للسجل المدني وهنا تصبح الأسئلة أكثر خطورة إذا كان الرقم الوطني محظوراً فكيف صدر جواز السفر السوداني؟ وهل يسمح النظام الإلكتروني المركزي أصلاً بإصدار جواز سفر لشخص يحمل رقماً وطنياً محظوراً؟ وهل تظهر لموظف الجوازات رسالة إلكترونية تفيد بوجود الحظر بمجرد إدخال الرقم الوطني؟ وهل يتضمن النظام الإلكتروني آلية تمنع تلقائياً إكمال الإجراءات إذا كان الرقم الوطني محظوراً ؟ وهل يتم التحقق إلكترونياً من أهلية صاحب الرقم الوطني قبل إصدار الجواز؟ وإذا كان الحظر قد فُرض قبل اكتمال إجراءات إصدار الجواز فهل كان ينبغي أن يمنع النظام مواصلة المعاملة؟
أما إذا كان الحظر سابقاً لإصدار الجواز فكيف تجاوزت الإجراءات هذا القيد؟ وهل يمكن تقنياً إصدار جواز سفر لشخص يحمل رقماً وطنياً محظوراً من دون وجود استثناء رسمي أو تدخل إداري؟ وإذا ثبت أن الجواز صدر رغم وجود الحظر فهل يشير ذلك إلى خلل إداري؟ أم إلى تجاوز للإجراءات؟
أم إلى وجود شبهة تستوجب تحقيقاً رسمياً مستقلاً يحدد المسؤوليات ويكشف للرأي العام حقيقة ما جرى؟ ثم ما هي المستندات التي قُدمت أصلاً لإثبات استحقاق الجنسية السودانية؟ وما نوع الجنسية هل بالميلاد باعتبار ان صاحبه مولود في السريف بالسودان ام بالتجنس باعتباره مولود في أم التيمان في تشاد هنا نطرح سؤال ما هي المستندات التي قدمت والسلطة التي صادقت لان الشخص تشادي ومولود في أم التيمان بحسب المستندات التشادية ومن هي الجهة التي اعتمدت تلك المستندات؟ وهل خضعت للفحص والمراجعة ؟ ومن الذي أجاز إصدار الرقم الوطني ابتداءاً ؟ ومن الذي قرر لاحقاً حظره؟
وما الأسباب التفصيلية التي أدت إلى هذا الحظر؟ وهل فُتح تحقيق إداري لمعرفة كيفية انتقال الملف من مرحلة إصدار الرقم الوطني والجواز إلى مرحلة الحظر وعدم الاستحقاق؟ وهل تمت مساءلة كل من شارك في هذه الإجراءات إذا ثبت وجود أي مخالفة؟
إن خطورة هذه القضية لا تكمن في اسم الشخص محل الجدل وإنما في المبدأ نفسه فسلامة نظام الهوية والجنسية ليست شأناً إدارياً عادياً بل هي إحدى ركائز الأمن القومي وأحد أهم عناصر سيادة الدولة وأي خلل في هذا النظام قد ينعكس على الأمن والحقوق المدنية والثقة في الوثائق الرسمية وسمعة المؤسسات التي تتولى إصدارها ولهذا فإن معالجة مثل هذه القضايا لا ينبغي أن تتم عبر الجدل الإعلامي وحده ولا بالاكتفاء بأحكام تتعلق بالنشر وإنما عبر تحقيق إداري وقانوني وفني شفاف يحدد الوقائع بدقة ويكشف المسؤوليات إن وجدت ويبرئ من يثبت براءته ويحاسب من يثبت تجاوزه وفقاً للقانون فالشفافية لا تضعف الدولة وإنما تقويها والمساءلة لا تهدد المؤسسات وإنما تعزز ثقة المواطنين فيها أما الصمت على الأسئلة الجوهرية فإنه يفتح الباب أمام الشائعات ويُضعف الثقة في مؤسسات الدولة ويجعل الرأي العام يبحث عن الإجابات في مصادر قد لا تكون دقيقة ولهذا فإن الإجابة الموثقة على هذه التساؤلات ليست انتصاراً لرشان أوشي ولا هزيمةً لخصومها ولا العكس وليست دفاعاً عن شخص أو إدانة لآخر وإنما هي انتصار للحقيقة ولسيادة القانون ولمؤسسات الدولة السودانية ولحق المواطنين في معرفة كيفية إدارة ملف من أخطر ملفات الدولة وهو ملف الهوية والجنسية ويبقى السؤال الأخير هل تكفي الأحكام القضائية في قضايا النشر لإغلاق هذا الملف؟ أم أن المصلحة العامة وسيادة القانون وحق المجتمع في المعرفة تقتضي فتح تحقيق إداري وقانوني وفني مستقل يكشف للرأي العام كيف صدر هذا الجواز وما أسباب حظر الرقم الوطني وهل جرت الإجراءات وفق صحيح القانون أم خلافاً له؟ فالصحافة لا تدّعي إصدار الأحكام ولا تحل محل القضاء ولا تصدر إدانات مسبقة وإنما تمارس وظيفتها الأساسية في طرح الأسئلة التي تمس الشأن العام وتنتظر من المؤسسات المختصة أن تقدم الإجابات المدعومة بالأدلة والوثائق ويبقى الحق في المعرفة متى تعلق بالوثائق السيادية وبمصالح الدولة العليا حقاً أصيلاً للمواطن وواجباً على مؤسسات الدولة أن تستجيب له بالشفافية والوضوح حتى تظل الثقة قائمة بين الدولة ومواطنيها وحتى لا تتحول الأسئلة المعلقة إلى أزمة ثقة يصعب تجاوزها
