ضل الحراز
هل ما يجري مجرد وقائع منفصلة أم أنه يعكس أزمة في إدارة الدولة وآليات الرقابة والمساءلة خلال الحرب؟
بقلم علي منصور حسب الله
هل ما يجري في السودان اليوم مجرد حوادث متفرقة لا رابط بينها أم أنه يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة الدولة وآليات الرقابة والمساءلة في ظل ظروف الحرب؟ هذا السؤال لم يعد ترفاً فكرياً بل أصبح من أكثر الأسئلة إلحاحاً التي يفرضها الواقع السوداني فكلما برزت واقعة جديدة بدت للوهلة الأولى وكأنها حادثة مستقلة لا علاقة لها بغيرها غير أن وضع هذه الوقائع في سياق واحد يكشف صورة مختلفة تماماً صورة تشير إلى وجود خلل يتجاوز الأشخاص والأحداث ليطال طريقة إدارة الدولة نفسها ومنظومة اتخاذ القرار وآليات الرقابة وشفافية المؤسسات ومدى قدرتها على حماية نفسها من الإختراق أو تضارب المصالح أو ضعف التنسيق ولعل ما منح هذا السؤال بعداً جديداً هو التصريحات التي أدلى بها الفريق أول ركن ياسر العطا والتي أقر فيها بوجود جهات تعرقل عمل الحكومة ووجود عناصر موالية لمليشيا الدعم السريع داخل بعض الوزارات والمؤسسات وسمّى من بينها وزارة الثروة الحيوانية ووزارة الثقافة والإعلام إضافة إلى القضاء هذه التصريحات لم تعد تجعل الحديث عن الإختراق مجرد تحليل سياسي أو إستنتاج صحفي وإنما نقلته إلى مستوى الإقرار الرسمي وعندما يصدر مثل هذا الحديث من أحد أعلى القيادات العسكرية في الدولة فإن جميع الوقائع التي سبقت هذه التصريحات أو جاءت بعدها تستحق أن تُقرأ من زاوية مختلفة لأن السؤال لم يعد هل توجد اختراقات؟ وإنما أصبح ما حجمها؟ وكيف تعاملت معها مؤسسات الدولة؟ ولماذا ما تزال آثارها إن صحت حاضرة في أكثر من ملف؟ إن القاسم المشترك بين معظم الوقائع التي شغلت الرأي العام خلال الأشهر الماضية ليس فقط أنها أثارت الجدل وإنما أنها كشفت غياب الشفافية وضعف الإفصاح وتضارب الرسائل الصادرة عن مؤسسات الدولة الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام الشائعات وأضعف ثقة المواطنين في المؤسسات الرسمية ويزداد الأمر تعقيداً إذا وضعنا في الاعتبار أن السودان يخوض حرباً وجودية وأن الدولة نفسها أعلنت رسمياً إتهام دولة الإمارات العربية المتحدة بدعم مليشيا الدعم السريع بل مضت إلى اتخاذ إجراءات قانونية ودبلوماسية في هذا الاتجاه وفي هذا السياق كانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد تحدثت عن تقارير تتعلق بتورط الإمارات في تسليح مليشيا الدعم السريع والإسهام في تجنيد مقاتلين كولومبيين في حين واصلت دولة الإمارات نفيها لأي تورط في جرائم الحرب أو تقديم دعم عسكري لأي طرف في النزاع السوداني وبصرف النظر عن صحة أو عدم صحة هذه الاتهامات فإن المثير للانتباه أن اسم دولة الإمارات أخذ يتكرر بصورة لافتة في عدد من الملفات التي أثيرت داخل السودان سواء كانت ملفات سياسية أو اقتصادية أو إدارية وهو أمر لا يمكن تجاهله ليس بوصفه دليلاً على وجود رابط حتمي بين تلك الملفات وإنما باعتباره ظاهرة تستحق التوقف والتفسير فحين يتكرر حضور اسم دولة واحدة في أكثر من ملف يصبح من حق الرأي العام أن يسأل ومن واجب الدولة أن تجيب لأن غياب المعلومة الرسمية يترك المجال للتأويل ويمنح الشائعة فرصة لأن تصبح أكثر حضوراً من الحقيقة نفسها ولعل من أبرز هذه الوقائع ما أثير حول وزير الثروة الحيوانية والسمكية الدكتور أحمد التجاني المنصوري مؤسس وصاحب شركة الروابي للألبان في دولة الإمارات العربية المتحدة فقد ضجت وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية بأخبار تفيد بأن الوزير أقام احتفالاً كبيراً في دار أوبرا دبي بمناسبة نجاح ابنه عثمان وإحرازه نسبة (90%) في المرحلة الثانوية بدولة الإمارات وذلك في وقت كانت الحكومة السودانية قد أعلنت فيه من قبل اعتبار الإمارات دولة عدوة بسبب اتهامها بدعم مليشيا الدعم السريع وقد دفع هذا التوقيت كثيرين إلى التساؤل حول مدى اتساق المواقف الرسمية مع ما يُنسب إلى بعض المسؤولين من ممارسات وعلاقات تثير علامات الاستفهام خاصة عندما يتعلق الأمر بدولة تخوض معها الحكومة معركة سياسية ودبلوماسية وقانونية وقد خرج الوزير موضحاً أن ابنه عثمان وُلد في دولة الإمارات عام 2009 ونشأ وتلقى تعليمه فيها منذ المرحلة الابتدائية وحتى الثانوية شأنه شأن عشرات الآلاف من أبناء السودانيين المقيمين هناك مؤكداً أن الابن لا ينبغي أن يتحمل تبعات الخلافات السياسية بين الدول وأن التعليم حق لكل طفل أينما كان كما أوضح أن فترة عمله في الإمارات لم تكن سعياً وراء مصلحة شخصية وإنما كانت في إطار مشروع عربي يخدم السودان والمنطقة ولا خلاف حول حق الأبناء في التعليم ولا حول أن الأطفال لا يتحملون مسؤولية الصراعات السياسية لكن الجدل لم يكن منصباً على الابن وإنما على المسؤول العام وعلى الرسائل السياسية التي قد تُفهم من تصرفاته في توقيت شديد الحساسية فالإمارات التي يتحدث عنها الوزير ليست هي الإمارات التي عرفها السودانيون لعقود باعتبارها بلداً احتضن آلاف الكفاءات السودانية وأسهم السودانيون في نهضته من أمثال محمد سيف الدين سر الختم وناصر الشيخ والسني بانقا وكمال حمزة وصالح فرح وعلي شمو وغيرهم من أبناء السودان الذين تركوا بصمات واضحة في بناء مؤسساتها غير أن الحكومة السودانية نفسها تقول اليوم إن هذه الدولة أصبحت طرفاً في الحرب وإنها تدعم المليشيا التي تقاتل الدولة السودانية وهنا يصبح السؤال سياسياً وأخلاقياً قبل أن يكون قانونياً هل يستطيع المسؤول العام أن يفصل بين موقعه الرسمي وعلاقاته أو مصالحه السابقة عندما تكون الدولة التي ارتبط بها موضع اتهام رسمي من حكومته؟ ولم تكن هذه الواقعة الأولى التي أثارت الجدل حول الوزير نفسه إذ سبق أن استخدم منصة (لينكد إن) للإعلان عن رغبته في الحصول على عمل إضافي بدوام جزئي أثناء توليه المنصب الوزاري مبرراً ذلك بضعف الراتب الذي يتقاضاه وكتب حينها تحت وسم (متاح للعمل) (بصفتي وزيراً للثروة الحيوانية والسمكية ونظراً لضعف الراتب الذي أتقاضاه فإنني أبحث عن عمل إضافي بدوام جزئي وأقدر دعمكم) وقد أثار ذلك الإعلان نقاشاً واسعاً حول مدى ملاءمة أن يبحث وزير في حكومة تخوض حرباً عن فرصة عمل إضافية ثم ازداد الجدل عندما ارتبط الأمر بحسب ما تم تداوله بالإمارات تحديداً) وهنا لا يتعلق الأمر بحق أي شخص في تحسين دخله وإنما يتعلق بطبيعة المنصب العام وما يفرضه من تجنب أي وضع قد يثير شبهة تضارب المصالح أو يبعث برسائل متناقضة مع الموقف الرسمي للدولة خاصة في زمن الحرب وإذا كان ملف وزير الثروة الحيوانية قد أثار أسئلة تتعلق بتضارب المصالح واتساق السلوك الشخصي للمسؤول مع الموقف الرسمي للدولة فإن ملفاً آخر لا يقل حساسية برز في قطاع التعدين لكنه يطرح هذه المرة أسئلة حول آليات اتخاذ القرار داخل مؤسسات الدولة وحدود الصلاحيات ومدى الانسجام بين القيادات التنفيذية في إدارة الموارد الإستراتيجية فقد برزت إلى السطح معلومات متداولة عن خلاف وقع في العاصمة الصينية بكين أثناء مفاوضات خاصة بمشروع تعدين النحاس في شرق السودان بين وزير المعادن نور الدائم طه والمدير العام لشركة أرياب للتعدين نصر الدين الحسين وبحسب ما نُشر مضى الوزير في توقيع الاتفاق مع الشركة الصينية بينما رفض المدير العام لشركة أرياب التوقيع وغادر قاعة الاجتماع احتجاجاً على بعض البنود وآلية تنفيذ الصفقة الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول طبيعة الخلاف داخل المؤسسة الرسمية وما إذا كان الأمر مجرد اختلاف فني في وجهات النظر أم أنه يعكس تضارباً أعمق في الرؤى بشأن إدارة أحد أهم المشاريع التعدينية في السودان ولأن قطاع التعدين يمثل أحد أهم الموارد التي يعوّل عليها السودان في مرحلة إعادة الإعمار فإن أي خلاف يدور حوله لا يمكن النظر إليه باعتباره شأناً إدارياً عادياً بل يصبح قضية تتصل بالأمن الاقتصادي للدولة وبكيفية إدارة ثرواتها الإستراتيجية في ظل ظروف الحرب وزاد من أهمية هذه التساؤلات تزامن ذلك مع إعلان وزارة المالية السودانية توقيع بروتوكول مع الحكومة الصينية يقضي بإعفاء السودان من أربعة قروض بدون فوائد تبلغ قيمتها (344.52) مليون يوان أي ما يقارب خمسين مليون دولار أمريكي وهو ما اعتبرته الحكومة دليلاً على متانة العلاقات السودانية الصينية واستمرار الدعم الاقتصادي الذي تقدمه بكين للسودان ورغم عدم وجود أي إعلان رسمي يربط بين إعفاء الديون وبين اتفاق مشروع التعدين فإن تزامن الحدثين أثار نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقات الاقتصادية بين البلدين ومدى ارتباط التمويل الخارجي بالمشروعات الإستراتيجية المرتبطة بالموارد الطبيعية وهذه الأسئلة لا يمكن حسمها بالتكهنات وإنما بالإفصاح الرسمي والشفافية الكاملة لأن الموارد الطبيعية ليست ملكاً للحكومة وحدها وإنما هي ملك للشعب السوداني كله ومن حقه أن يعلم كيف تُدار وعلى أي أسس تُمنح الامتيازات وما هي الضمانات التي تحكم تلك الاتفاقيات وفي خضم هذه التطورات تداولت بعض المنصات الإعلامية معلومات مفادها أن المدير العام لشركة أرياب نصر الدين الحسين توجه إلى دولة الإمارات العربية المتحدة عقب تلك الأحداث للتشاور مع مسؤولين هناك قبل أن يخرج بنفسه نافياً تلك الروايات ورغم هذا النفي فإن مجرد استمرار تداول هذه الأخبار يكشف عن أزمة أخرى لا تقل خطورة وهي بطء المؤسسات الرسمية في تقديم المعلومات للرأي العام ففي الدول التي تتمتع بمؤسسات قوية لا تترك الحكومات فراغاً معلوماتياً يسمح للشائعات بأن تنتشر وإنما تبادر إلى نشر الوقائع كاملة مدعمة بالوثائق والبيانات حتى تغلق الباب أمام التأويل أما عندما تغيب المعلومة فإن الشائعة تتحول إلى مصدر رئيسي للأخبار ويصبح نفيها لاحقاً أقل تأثيراً من انتشارها الأول ومن اللافت أن اسم دولة الإمارات عاد للظهور مرة أخرى في هذا الملف أيضاً ولا يعني ذلك بالضرورة وجود رابط مباشر بين جميع الوقائع كما لا يجوز بناء الاتهامات على مجرد التكرار لكن من الطبيعي أن يثير هذا الحضور المتكرر أسئلة مشروعة لدى الرأي العام خاصة وأن الحكومة السودانية نفسها تتهم الإمارات رسمياً بدعم مليشيا الدعم السريع ومن ثم فإن مسؤولية الدولة تصبح مضاعفة في تقديم المعلومات حتى لا تترك المواطنين أسرى للتخمينات أو الروايات المتضاربة إن القضية هنا ليست مع الصين، ولا مع الإمارات ولا مع أي دولة أخرى وإنما مع مبدأ الشفافية في إدارة الملفات الإستراتيجية لأن غياب المعلومات الدقيقة يجعل الشائعات أكثر انتشاراً وتأثيراً من البيانات الرسمية نفسها وليس من مصلحة الدولة أن يبقى الرأي العام معتمداً على التسريبات أو الروايات غير المؤكدة بينما تتأخر الجهات المختصة في توضيح الحقائق وفي القطاع الصحي برزت واقعة أخرى مختلفة في تفاصيلها لكنها تتقاطع مع الوقائع السابقة في نتيجتها وهي غياب الإجابات الرسمية فقد كتب الزميل راشد محمد أوشي عن حادثة أثارت كثيراً من علامات الاستفهام تمثلت في كسر إبرة جهاز تحليل الدم بقسم الأطفال في مستشفى كوستي للمرة الثانية وهو الجهاز الذي تم شراؤه بواسطة والي ولاية النيل الأبيض بنحو (300) مليون جنيه وبحسب ما أورده فإن إبرة هذا الجهاز لا يمكن أن تنكسر تلقائياً وإنما لا يحدث ذلك إلا بفعل فاعل وأن محاولة التخريب لم تنجح بصورة كاملة لكنها ألحقت بالجهاز أضراراً جعلته غير صالح للاستخدام وتزداد علامات الاستفهام عندما يُقال إن كاميرات المراقبة كانت تعمل بصورة طبيعية لكنها تعرضت للتشويش أو التوقف في اللحظة التي دخل فيها شخص إلى المعمل وإذا صح ذلك، فإن الأسئلة تصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى من هو الشخص الذي دخل المعمل؟ ومن الذي تمكن من الوصول إلى مكتب المدير الطبي حيث توجد شاشة المراقبة؟ وكيف تم تعطيل الكاميرات؟ وهل أجري تحقيق جنائي مهني؟ وهل استعانت إدارة المستشفى بالأدلة الجنائية؟ وهل تم الحفاظ على مسرح الجريمة وفق الإجراءات القانونية؟ ولماذا لم تُعلن للرأي العام نتائج التحقيق الأول حتى لا تتكرر الحادثة للمرة الثانية؟ كما يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية من هو المستفيد الأول من تعطيل هذا الجهاز وإغلاق المعمل؟ وهل صحيح أن الإبرة غير متوفرة داخل السودان ولا يمكن الحصول عليها إلا من الخارج؟ وما قيمتها الحقيقية؟ وهل هذه أول عملية تخريب داخل المعمل أم أن هناك حوادث أخرى لم يُكشف عنها؟ قد تبدو هذه الواقعة بعيدة عن ملفات السياسة والاقتصاد لكنها في حقيقتها تنتمي إلى المشكلة ذاتها ففي كل مرة تغيب فيها نتائج التحقيقات وتتأخر المعلومات الرسمية يملأ الفراغ سيلٌ من التأويلات وتصبح الثقة في المؤسسات هي الضحية الأولى وهكذا نجد أن الملف الصحي مثل ملف التعدين ومثل الجدل حول بعض المسؤولين ينتهي إلى النتيجة نفسها أزمة في الإفصاح وبطء في كشف الحقائق وغياب للمساءلة العلنية التي تُطمئن المواطنين بأن مؤسسات الدولة قادرة على حماية المال العام وصيانة مرافقها ومحاسبة كل من يثبت تجاوزه وفي ملف آخر لا يقل حساسية تداولت بعض المنصات الإعلامية اتهامات لسفير السودان في جوبا عصام محمد حسن كرار باستخراج جوازات سفر لعناصر من مليشيا الدعم السريع وأعضاء حكومة التأسيس وإذا صحت هذه الاتهامات فإنها لا تمس موظفاً عاماً أو سفيراً فحسب وإنما تمس واحدة من أخطر الوثائق السيادية للدولة وهي جواز السفر السوداني الذي يمثل عنواناً للسيادة الوطنية ووثيقة ترتبط بالأمن القومي قبل أن تكون مجرد وثيقة للسفر ومن هنا فإن القضية لا تحتمل الصمت ولا يجوز أن تظل أسيرة للتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي وإنما تستوجب تحقيقاً عاجلاً ومستقلاً وشفافاً يوضح للرأي العام الحقيقة كاملة سواء بإثبات هذه الاتهامات أو بنفيها بصورة قاطعة ومدعومة بالأدلة فالضرر لا يقع فقط إذا ثبتت الاتهامات وإنما يقع أيضاً إذا تُركت معلقة دون حسم لأن استمرار الشكوك في مثل هذه الملفات ينعكس مباشرة على ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة ويضعف مصداقية الوثائق السيادية أمام الداخل والخارج وفي خضم الجدل الذي أثاره ملف منح الترخيص ثم إلغائه كتب الصحفي عزمي عبدالرازق في صفحته على موقع فيسبوك أن شركة العسجد للحلول الذكية والرقمية التي مُنحت رخصة تشغيل محوّل المعاملات المصرفية قبل أن يلغيها بنك السودان المركزي بقرار من المحافظ آمنة خيري تمتلك فرعًا في دولة الإمارات العربية المتحدة وتحديدًا في مدينة دبي وأشار إلى أن الشركة أعلنت أن هذا الفرع أُنشئ ليكون نافذة إقليمية ومقرًا لتطوير الشراكات والاستثمارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والاستفادة من البنية التحتية الرقمية المتقدمة هناك في مجالات الهوية الرقمية والخدمات السحابية وفي حد ذاته فإن امتلاك شركة سودانية فرعًا أو مكتبًا إقليميًا في دولة أخرى لا يُعد أمرًا استثنائيًا إذ تلجأ كثير من الشركات إلى التوسع الخارجي أو إنشاء مكاتب تمثيلية لأغراض الاستثمار أو التسويق أو بناء الشراكات أو الاستفادة من بيئات الأعمال الأكثر تطوراً ولذلك فإن مجرد وجود فرع للشركة في الإمارات لا يصلح من الناحية المهنية أو القانونية لإثبات وجود مخالفة أو تضارب مصالح أو أي تجاوز ما لم تدعمه أدلة ووقائع موثقة غير أن اللافت للنظر وفق ما يراه عدد من المراقبين هو أن اسم دولة الإمارات ظل حاضراً في عدد من الملفات والقضايا التي أثارت جدلاً واسعاً في السودان خلال الفترة الأخيرة سواء كانت تلك الملفات ذات طبيعة اقتصادية أو مصرفية أو استثمارية أو سياسية وهذا الحضور المتكرر يدفع إلى طرح أسئلة مشروعة حول طبيعة العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين الجانبين وحدودها وأطرها القانونية والمؤسسية دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود علاقة سببية بين جميع هذه الملفات وفي هذه القضية تحديداً لا ينبغي أن ينصرف النقاش إلى الموقع الجغرافي لفرع الشركة أو إلى دولة تسجيله وإنما إلى الأسئلة الجوهرية التي يفرضها المشروع نفسه هل خضعت جميع الشراكات الخارجية للمراجعة القانونية والفنية من قبل بنك السودان المركزي؟ وهل كانت جميع الجوانب المتعلقة بحماية البيانات والسيادة الرقمية وأمن المعلومات ونقل التكنولوجيا والالتزامات التعاقدية جزءاً من عملية التقييم التي سبقت منح الترخيص؟فالفيصل في مثل هذه القضايا ليس مكان وجود الفرع ولا جنسية الشريك التقني وإنما مدى التزام المشروع بالقوانين السودانية وقدرته على ضمان السيادة الكاملة للدولة على بياناتها وأنظمتها المالية مع توافر أعلى معايير الشفافية والحوكمة والرقابة المؤسسية واللافت أن هذه ليست سوى الوقائع التي وصلت إلى الإعلام أما ما لم يصل إلى الرأي العام فقد يكون أكثر خطورة وتعقيداً ولذلك فإن المطلوب ليس تبادل الاتهامات ولا الدخول في معارك إعلامية وإنما بناء منظومة مؤسسية قادرة على كشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين وإطلاع المواطنين على نتائج التحقيقات في وقتها وفي هذا السياق جاءت تصريحات الفريق أول ركن ياسر العطا لتمنح هذا النقاش بعداً مختلفاً عندما أكد وجود جهات تعرقل عمل الحكومة وأشار إلى وجود عناصر موالية لمليشيا الدعم السريع داخل بعض الوزارات والمؤسسات وسمّى من بينها وزارتي الثروة الحيوانية والثقافة والإعلام إضافة إلى القضاء وهنا تبرز القضية الجوهرية فإذا كانت هذه التصريحات تستند إلى معلومات وأدلة لدى أجهزة الدولة فإن السؤال لم يعد يتعلق بصحة وجود الاختراق من عدمه وإنما بما قامت به مؤسسات الدولة لمعالجته لماذا ظلت هذه الجهات بحسب التصريحات نفسها قادرة على التأثير داخل مؤسسات الدولة طوال هذه الفترة؟ وهل جرى فتح تحقيقات رسمية؟ وهل تمت مراجعة ملفات التعيين والمسؤوليات الحساسة؟
وهل أُحيل أي شخص إلى النيابة أو القضاء؟
وهل أُعلن للرأي العام شيء من نتائج هذه الإجراءات؟ إن المواطنين لا يملكون وسائل التحري، ولا أجهزة الأمن ولا سلطات القبض أو التحقيق وليس مطلوباً منهم أن يطهروا مؤسسات الدولة أو يكشفوا الاختراقات لأن هذه مسؤولية السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية والنيابة العامة والقضاء وكل مؤسسات إنفاذ القانون ولا يكفي أن يخرج مسؤول رفيع ليقول إن الدولة مخترقة أو إن هناك من يعرقل عملها لأن المواطنين ينتظرون إجراءات لا توصيفات وقرارات لا شكاوى ونتائج لا خطابات ومن هنا فإن الوقائع التي تناولناها في هذا المقال لا ينبغي النظر إليها باعتبارها ملفات منفصلة فحادثة وزير الثروة الحيوانية وما أثارته من جدل حول تضارب المصالح والخلاف الذي قيل إنه وقع في بكين بشأن مشروع تعدين النحاس وما صاحبه من تساؤلات حول إدارة الموارد الإستراتيجية وحادثة مستشفى كوستي وما رافقها من علامات استفهام حول التخريب وتعطيل كاميرات المراقبة والاتهامات المتداولة بشأن استخراج جوازات سفر من سفارة السودان في جوبا وفرع شركة العسجد في الإمارات جميعها تبدو مختلفة في تفاصيلها لكنها تتشابه في شيء واحد ذلك الشيء هو غياب الشفافية وتأخر المعلومات الرسمية وضعف المساءلة واتساع الفجوة بين ما يتداوله الرأي العام وما تعلنه مؤسسات الدولة وهنا يفرض سؤال آخر نفسه بإلحاح لماذا يتكرر اسم دولة الإمارات العربية المتحدة في أكثر من ملف من هذه الملفات؟
فالإمارات حاضرة في الجدل المتعلق بوزير الثروة الحيوانية وهي حاضرة في الاتهامات الرسمية السودانية المتعلقة بدعم مليشيا الدعم السريع كما حضرت في الروايات المتداولة بشأن بعض تفاصيل ملف شركة أرياب فضلاً عن ورود اسمها في تقارير وتحقيقات دولية تناولت مسار الحرب في السودان إن مجرد تكرار الاسم لا يصلح وحده دليلاً على وجود رابط مباشر بين جميع هذه الوقائع ولا يجوز أن يتحول إلى أساس لإطلاق أحكام أو توجيه اتهامات بلا بينة لكن هذا التكرار لا يمكن أيضاً تجاهله أو التعامل معه باعتباره مجرد مصادفة لا تستحق التوقف فعندما يتكرر حضور اسم دولة واحدة في ملفات سياسية واقتصادية وإدارية وأمنية مختلفة فإن من حق المواطنين أن يتساءلوا ومن واجب الدولة أن تقدم الإجابات والوثائق والحقائق التي تبدد الشكوك لأن الفراغ المعلوماتي هو البيئة المثالية التي تنمو فيها الشائعات وتترسخ فيها نظريات المؤامرة إن الدولة التي تخوض حرباً لا تستطيع أن تكتفي بخوض المعارك العسكرية بل هي مطالبة في الوقت نفسه بكسب معركة الثقة فالجبهة الداخلية لا تقل أهمية عن جبهات القتال والانتصار العسكري يفقد كثيراً من قيمته إذا لم يصاحبه انتصار موازٍ في معركة بناء المؤسسات وترسيخ سيادة القانون وإعلاء مبدأ الشفافية وإنفاذ العدالة على الجميع دون استثناء ولقد ظللت أكتب منذ فترة طويلة أن أداء الحكومة ولا سيما أداء المؤسسة العسكرية يعكس حالة من البطء والارتباك في إدارة الحرب فبينما ينتظر المواطن خطوات عملية لحسم المعركة واستعادة الدولة تتكرر التصريحات والوعود وتظل ملفات عديدة معلقة بلا حسم وكأن الحرب أصبحت مبرراً لتأجيل كل أشكال المحاسبة مع أن الحروب هي أكثر الأوقات التي تحتاج فيها الدول إلى مؤسسات قوية وانضباط إداري وسرعة في اتخاذ القرار ووضوح في المسؤوليات إن أخطر ما تكشفه هذه الوقائع سواء ثبتت جميع تفاصيلها أو احتاج بعضها إلى استكمال التحقيق هو أنها تؤكد وجود أزمة ثقة متنامية بين المواطن ومؤسسات الدولة كهذه الأزمة لا تُعالج بالإنكار ولا بالخطابات ولا بإلقاء المسؤولية على الآخرين وإنما تُعالج بالإفصاح والشفافية واستقلال التحقيقات وسيادة القانون وإعلان نتائجها للرأي العام فالدولة القوية ليست هي التي ترفع سقف الاتهامات وإنما هي التي تمتلك مؤسسات قادرة على تحويل المعلومات إلى تحقيقات والتحقيقات إلى محاكمات عادلة والأحكام إلى عدالة ناجزة يطمئن إليها الجميع لقد آن الأوان لأن تنتقل الدولة من مرحلة الحديث عن الاختراق إلى مرحلة معالجته ومن مرحلة توصيف الأزمة إلى مرحلة تفكيك أسبابها ومن مرحلة ردود الأفعال إلى بناء مؤسسات لا تتأثر بتغير الأشخاص ولا تسمح بتضارب المصالح ولا تجعل الحرب ذريعة لتعطيل الرقابة أو تأجيل المحاسبة ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح بعد كل هذه الوقائع هل نحن أمام حوادث متفرقة فرضتها ظروف الحرب أم أننا أمام أزمة بنيوية في إدارة الدولة وآليات الرقابة والمساءلة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تقدمها الخطب ولا البيانات ولا السجالات الإعلامية وإنما ستقدمها الوقائع وستحسمها التحقيقات المستقلة وستؤكدها أو تنفيها الإجراءات التي تتخذها الدولة فإذا كانت تصريحات الفريق أول ركن ياسر العطا قد كشفت عن وجود اختراقات داخل بعض مؤسسات الدولة فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن تتحول هذه التصريحات إلى برنامج عمل مؤسسي لا إلى مجرد حديث سياسي عابر فالدول لا تُقاس بقدرتها على تشخيص أزماتها وإنما بقدرتها على معالجتها ولا تُقاس بكثرة الاتهامات التي تطلقها وإنما بقدرتها على إنفاذ العدالة وترسيخ حكم القانون واستعادة ثقة مواطنيها في زمن الحرب كما في زمن السلم وهذه هي المعركة التي لا تقل أهمية عن أي معركة تدور في ميادين القتال لأن حماية الدولة تبدأ بحماية مؤسساتها وحماية مؤسساتها تبدأ بالحقيقة والشفافية والمساءلة وسيادة القانون
