رخصة محوّل المعاملات المصرفية… بين المنح والإلغاء….من يتحمل المسؤولية مجلس السيادة أم البنك المركزي ؟ (2)

ضل الحراز: علي منصور حسب الله

 

إذا كان الجدل قد انصرف في معظمه إلى شركة العسجد فإن القضية في حقيقتها تتجاوز هذه الشركة لتصل إلى سؤال مؤسسي أكثر عمقًا ما هو مستقبل شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS) ولماذا اتجه بنك السودان المركزي إلى منح أول رخصة لمشغل خاص لهذا النوع من الأنظمة؟ فشركة EBS ليست شركة مجهولة في القطاع المصرفي السوداني بل تُعد إحدى أهم المؤسسات التقنية التي ارتبط اسمها بتطور الخدمات المصرفية الإلكترونية في السودان منذ تأسيسها عام 1999 حيث أنشئت لتكون الذراع التقنية للقطاع المصرفي في مجال أنظمة الدفع الإلكتروني وأسهمت على مدى سنوات في بناء وتشغيل وتطوير العديد من الخدمات التي يعتمد عليها المواطن والمصارف بصورة يومية لقد لعبت الشركة دوراً محورياً في إدخال أنظمة الدفع الإلكتروني وربط المصارف ببعضها البعض وتطوير خدمات الصراف الآلي ونقاط البيع وخدمات التحويل الإلكتروني وغيرها من التطبيقات التي أصبحت جزءاً من الحياة الاقتصادية اليومية ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس دفاعاً عن شركة أو اعتراضاً على أخرى وإنما يتعلق بمنطق إدارة المؤسسات العامة إذا كانت لدى البنك المركزي شركة وطنية تمتلك الخبرة والتجربة والكوادر والبنية الفنية فما الذي استدعى الاتجاه إلى مشغل جديد؟ هل وصلت EBS إلى حدود قدراتها الفنية؟ هل كانت هناك فجوة تقنية لا تستطيع معالجتها؟ وهل احتاج السودان إلى تقنيات جديدة لم تكن متوفرة لديها؟ وهل أجريت دراسة مقارنة بين تطوير الشركة الوطنية وبين إسناد المهمة إلى جهة خاصة؟ وهل كانت كلفة تطوير الشركة القائمة أعلى من إنشاء نموذج جديد؟ هذه ليست أسئلة سياسية وإنما أسئلة إدارية واقتصادية مشروعة لأن حسن إدارة المال العام يقتضي دراسة جميع البدائل قبل اتخاذ القرارات الاستراتيجية وهل نحن أمام تطوير… أم إعادة هيكلة؟ قد يكون منح تراخيص لشركات خاصة جزءاً من سياسة تهدف إلى فتح السوق للمنافسة وهو توجه معمول به في عدد من الدول لكن حتى في هذه الحالة تظل هناك أسئلة لا بد من الإجابة عنها هل كان المقصود إنشاء مشغل إضافي يعمل إلى جانب EBS؟ أم نقل بعض اختصاصاتها؟ أم إحلال الشركة الجديدة محلها مستقبلاً؟ وهل ستظل EBS مسؤولة عن أجزاء من منظومة المدفوعات؟ أم سيقتصر دورها على الدعم الفني؟

أم ستتحول إلى جهة مختلفة تماماً؟ إن وضوح الأدوار المؤسسية ليس مسألة تنظيمية فحسب بل هو عنصر أساسي في استقرار النظام المالي ماذا تقول التجارب الدولية؟ عند النظر إلى التجارب العالمية نجد أنه لا يوجد نموذج واحد لإدارة أنظمة المدفوعات

فبعض الدول تعتمد على شركات تمتلكها البنوك مجتمعة وبعضها يعتمد على شركات مملوكة للبنك المركزي بينما تسمح دول أخرى لشركات خاصة مؤهلة بتشغيل أجزاء من المنظومة تحت رقابة صارمة من السلطات النقدية لكن ما يجمع بين هذه النماذج جميعاً هو أن عملية الاختيار لا تتم في الغرف المغلقة وإنما عبر إجراءات واضحة وضوابط منشورة ومراجعات فنية وأمنية وقانونية دقيقة كما أن المشغل أياً كانت طبيعته لا يعمل بمعزل عن البنك المركزي بل يخضع لرقابة مستمرة وتقييم دوري ومتطلبات صارمة تتعلق بالأمن السيبراني واستمرارية الأعمال وإدارة المخاطر وحماية البيانات ومن ثم فإن السؤال ليس هل يجوز أن تكون شركة خاصة مشغلاً لمنظومة مدفوعات؟ بل: هل تمت جميع الإجراءات التي تضمن أن تكون هذه الشركة أو أي شركة أخرى قادرة على تحمل هذه المسؤولية؟ ماذا عن الملكية والسيادة؟

ومن أهم القضايا التي ينبغي أن تكون واضحة للرأي العام مسألة ملكية البنية التحتية فمن يملك النظام؟ ومن يملك البرمجيات؟ ومن يملك قواعد البيانات؟ ومن يملك مفاتيح التشفير؟

ومن يملك حق تعديل النظام أو تطويره؟ وهل تستطيع الدولة تشغيل المنظومة بنفسها إذا انتهى العقد مع المشغل أو نشأ نزاع قانوني أو تقني؟ إن أي مشروع بهذا الحجم يجب أن يجيب عن هذه الأسئلة كتابةً قبل أن يبدأ تشغيله لأن الدولة لا يجوز أن تجد نفسها في يوم من الأيام رهينة لمشغل تقني لا تستطيع الاستغناء عنه دون تعطيل مصالح المواطنين وماذا لو حدث الأسوأ؟ فمن صميم إدارة المخاطر أن يُطرح سؤال قد لا يرغب أحد في سماعه ماذا لو تعرضت الشركة للإفلاس؟ وماذا لو تعرضت لهجوم سيبراني واسع؟ وماذا لو نشأ نزاع قانوني بين الدولة والشركة؟ وماذا لو تعرضت مراكز البيانات لكارثة طبيعية أو انقطاع طويل في الخدمة؟ هل توجد خطة لاستمرار الأعمال (Business Continuity Plan)؟

هل توجد خطة للتعافي من الكوارث (Disaster Recovery Plan)؟ هل توجد نسخة احتياطية مستقلة تستطيع الدولة تشغيلها فوراً؟ وكم تستغرق استعادة الخدمة من وقت؟ ومن يتحمل المسؤولية القانونية إذا تعطلت حركة المدفوعات؟ هذه ليست افتراضات بعيدة بل هي أسئلة أساسية في كل مشروع مالي سيادي هل أُجري فحص نافي للجهالة؟ في المشروعات ذات الحساسية العالية لا يكفي أن تقدم الشركة ملفاً فنياً وإنما تُجرى لها مراجعات شاملة تشمل الملاءة المالية والهيكل الإداري وخبرات المؤسسين ومصادر التمويل وأنظمة الحوكمة والامتثال القانوني والقدرة الفنية وإدارة المخاطر والأمن السيبراني وسجل تنفيذ المشروعات السابقة فهل اكتملت هذه الإجراءات؟

وهل وثقتها الجهات المختصة؟ وهل كانت أحد أسباب منح الترخيص؟ ثم إذا كانت قد اكتملت بالفعل فما الأسباب التي دفعت البنك المركزي بعد ذلك إلى إلغاء الترخيص وتكوين لجنة تحقيق؟ إن هذه النقطة ربما تكون مفتاح القضية كلها

ومن حق الرأي العام أن يعرف إن احترام المؤسسات لا يتحقق بإخفاء المعلومات وإنما بالإفصاح عنها فالقرارات الكبرى تكتسب قوتها من وضوحها لا من الغموض الذي يحيط بها ولو أن البنك المركزي أعلن منذ البداية معايير التأهيل وآلية التقييم وأسباب الاختيار وأهداف المشروع وحدود العلاقة بين المشغل والدولة والضمانات القانونية والفنية لحماية البيانات لما وصلت القضية إلى هذا المستوى من الجدل فالشفافية ليست عبئاً على المؤسسات وإنما هي وسيلتها الأولى لبناء الثقة ولهذا فإن القضية لا ينبغي أن تنتهي بإلغاء ترخيص أو إصدار بيان وإنما تبدأ من مراجعة شاملة للإجراءات واستخلاص الدروس والعبر ووضع إطار مؤسسي واضح يضمن أن تكون جميع القرارات المستقبلية المتعلقة بالبنية التحتية المالية قائمة على المنافسة العادلة والإفصاح الكامل والمساءلة لأن حماية النظام المالي تبدأ من حماية الثقة فيه والثقة لا تُفرض بقرار وإنما تُبنى بالشفافية فالقضية ليست شركة… بل دولة ومؤسسات فبعد كل ما أثير من جدل يبقى السؤال الجوهري الذي لم يجد إجابة شافية حتى الآن هل كانت المشكلة في الشركة أم في الإجراءات التي سبقت منح الترخيص؟

فإذا كانت شركة العسجد قد استوفت بالفعل جميع الاشتراطات القانونية والفنية والأمنية والرقابية كما جاء في بيانها فإن من حقها أن تُعامل بعدالة وأن تُنشر للرأي العام الأسس التي استند إليها قرار منحها الترخيص حتى لا تبقى محل اتهامات أو ظنون لا تستند إلى وقائع أما إذا كانت هناك أوجه قصور في إجراءات منح الترخيص أو خلل في تقييم الطلب أو تجاوز للإجراءات التنظيمية فإن المسؤولية لا تقع على الشركة وحدها وإنما تمتد إلى الجهة التي منحت الترخيص وإلى كل من شارك في مراحل الدراسة والتقييم والاعتماد بل المسؤولية تصل إلى السيد الفريق مهندس بحري ركن ابراهيم جابر كريم وكلٌّ في حدود مسؤوليته واختصاصه وهنا يصبح إلغاء الترخيص خطوة إجرائية لا تغني عن الإجابة على السؤال الأهم كيف وصل الملف إلى مرحلة إصدار الترخيص إذا كانت هناك ملاحظات تستوجب إلغاءه بعد فترة أقل من (72) ساعة؟ إن احترام مؤسسات الدولة يقتضي أن تكون هناك مراجعة شفافة لما حدث وأن تُعلن نتائجها للرأي العام لأن الثقة في المؤسسات لا تُبنى على الصمت وإنما على المصارحة والوضوح والمساءلة أما قرار تشكيل لجنة لمراجعة ملابسات منح الترخيص يمثل خطوة مهمة لكنه ينبغي ألا يتحول إلى نهاية المطاف بل إلى بداية لمراجعة أشمل لمنظومة منح التراخيص الخاصة بالبنية التحتية المالية وحدود اختصاصات البنك المركزي وتبعيته ووضعية عضو مجلس السيادة على مثل هذه الأمور الحساسة فالأسئلة التي يطرحها الرأي العام لا تتعلق بقرار منفرد وإنما بمنهج كامل في إدارة الملفات السيادية هل كانت اللوائح الحالية كافية؟

وهل توجد سياسات واضحة لتنظيم منح تراخيص تشغيل أنظمة المدفوعات؟ وهل هناك دليل إجراءات منشور يوضح مراحل التقديم والتقييم والاعتماد؟ وهل تُراجع هذه السياسات بصورة دورية لمواكبة التطورات المتسارعة في التكنولوجيا المالية والأمن السيبراني؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تخدم هذا الملف وحده بل تؤسس لبيئة استثمارية أكثر استقراراً وثقة في المستقبل وليس هناك تعارض بين تشجيع الاستثمار الخاص وبين حماية الأمن القومي المالي فالقطاع الخاص شريك أساسي في الابتكار والتطوير ونقل التكنولوجيا وقد أثبت نجاحه في كثير من التجارب الدولية لكن في المقابل فإن المشروعات التي تمس البنية التحتية المالية للدولة يجب أن تُدار وفق قواعد استثنائية من الحوكمة والرقابة لأن أي خلل فيها لا ينعكس على شركة واحدة وإنما على الاقتصاد الوطني بأسره ولهذا فإن الشراكة الناجحة بين الدولة والقطاع الخاص تقوم على معادلة واضحة حرية الاستثمار مقابل أعلى درجات الشفافية والمساءلة والرقابة وسؤال آخر أين تبدأ الثقة؟ فالثقة لا تبدأ بعد صدور القرار بل تبدأ قبل اتخاذه تبدأ عندما تُعلن الشروط للجميع وعندما تُتاح المنافسة لكل من تتوافر فيه الكفاءة وعندما تكون معايير الاختيار معلومة وعندما تخضع القرارات للمراجعة وعندما يعلم المواطن أن المال العام والمرافق السيادية تُدار وفق القانون لا وفق الاجتهادات الشخصية ولو أن جميع هذه الإجراءات كانت معلنة منذ البداية لما احتاجت الشركة إلى إصدار بيان دفاعي ولما اضطر البنك المركزي إلى إصدار قرار بالإلغاء ولما تحول مشروع كان يُفترض أن يكون خطوة نحو التحديث إلى قضية رأي عام ورغم كل ما صدر من بيانات وقرارات ما زالت هناك أسئلة مشروعة تحتاج إلى إجابات واضحة من الجهات المختصة من بينها ما المعايير الفنية والقانونية والمالية والأمنية التي استند إليها منح الترخيص؟ وهل كانت هذه المعايير منشورة ومتاحة لجميع الشركات قبل فتح باب الترخيص؟ وهل تقدمت شركات أخرى بطلبات مماثلة؟ وإذا حدث ذلك فما أسباب قبول بعضها أو رفض بعضها الآخر؟وهل تم الإعلان عن منافسة أو دعوة عامة للشركات المؤهلة أم اقتصر الأمر على طلبات مباشرة؟ وما الدور الذي كان سيظل تؤديه شركة EBS بعد تشغيل المحول الجديد؟ وهل كان المشروع تكاملاً معها أم بديلاً عنها؟ ومن يملك البنية التحتية الرقمية والبرمجيات وقواعد البيانات ومفاتيح التشفير، وحقوق تشغيل النظام؟

وهل كانت الشركة ستؤدي دور المشغل التقني فقط أم سيكون لها أي مستوى من الوصول إلى بيانات المعاملات المالية؟ وأين ستكون مراكز البيانات الرئيسية والاحتياطية؟ وهل تخضع بالكامل للسيادة القانونية السودانية؟ وهل خضع النظام لمراجعات أمنية مستقلة واختبارات اختراق وخطط للتعافي من الكوارث واستمرارية الأعمال؟ وما أسباب غياب عدد من كبار المسؤولين عن حفل التدشين رغم الإعلان المسبق عن رعايتهم له؟ وهل كان لذلك صلة بالمراجعات التي انتهت لاحقاً إلى إلغاء الترخيص؟ وإذا ثبت وجود خلل في الإجراءات فما التدابير التي ستُتخذ لضمان عدم تكراره مستقبلاً؟

إن هذه الأسئلة ليست اتهامات وليست أحكاماً مسبقة وإنما تمثل الحد الأدنى الذي تقتضيه مبادئ الحوكمة الرشيدة والإدارة الرشيدة للمال العام إن القضية في نهاية المطاف ليست قضية شركة العسجد ولا شركة EBS ولا حتى قرار منح ترخيص ثم إلغائه إنها قضية تتعلق بكيفية إدارة الدولة لملفاتها السيادية وبقدرة مؤسساتها على اتخاذ قرارات كبيرة وفق أسس معلنة وإجراءات شفافة ورقابة فعالة ومساءلة لا تستثني أحداً فالسودان يحتاج اليوم إلى التحول الرقمي أكثر من أي وقت مضى ويحتاج إلى أنظمة مدفوعات حديثة وآمنة تواكب التطور العالمي وتدعم الاقتصاد الوطني وتيسر حياة المواطنين لكن هذا التطور لن يحقق أهدافه إذا لم يُبنَ على الثقة والثقة لا تُشترى ولا تُفرض ولا تُكتسب بالتصريحات وإنما تُبنى يوماً بعد يوم من خلال احترام القانون وتكافؤ الفرص والإفصاح والحوكمة واستقلالية المؤسسات ومن هنا فإن المطلوب ليس الدفاع عن شركة ولا إدانة شركة بل الدفاع عن مبدأ ومبدأ الشفافية لا يضعف الدولة بل يقويها ومبدأ المساءلة لا يهز المؤسسات بل يحميها ومبدأ المنافسة العادلة لا يعطل الاستثمار بل يجذب المستثمرين الجادين أما الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب فهي أن البنية التحتية الوطنية للمدفوعات ليست مجرد مشروع تقني وإنما أحد أعمدة السيادة الاقتصادية للدولة وأحد أهم خطوط الدفاع عن أمنها المالي في عالم أصبحت فيه البيانات والأموال تتحرك بسرعة الضوء ولذلك فإن أفضل ما يمكن أن يخرج به هذا الجدل ليس مجرد إلغاء ترخيص أو منحه من جديد وإنما ترسيخ قاعدة مؤداها أن كل مشروع سيادي يجب أن يمر عبر بوابة الشفافية وأن كل قرار يمس الاقتصاد الوطني يجب أن يكون قابلاً للتفسير والمراجعة والمساءلة لأن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد وإنما أيضاً بما تمتلكه من مؤسسات قوية وإجراءات عادلة وثقة عامة لا تتزعزع