إسمها أم درمان

ضل الحراز : علي منصور حسب الله

ليست أم درمان مجرد مدينة في الجغرافيا السودانية وليست مجرد عاصمة وطنية إرتبط إسمها بتاريخ الدولة الحديثة وإنما هي حالة ثقافية وإجتماعية وإنسانية متفردة تختزل في تفاصيلها حكاية السودان بكل تنوعه وتعدده وتبايناته الجميلة، فالكتابة عن أم درمان هي كتابة عن الوطن نفسه وعن الذاكرة الجمعية للسودانيين وعن ذلك المشروع الوطني الذي صنعته أجيال متعاقبة من الرجال والنساء الذين آمنوا بالسودان وطناً يسع الجميع.

والكتابة عن أم درمان هي كتابة عن نسيج إجتماعي متفرد وعن الحركة الوطنية التي صنعت الحرية وحققت الإستقلال لبلادنا فأم درمان هي الثقافة والفن والرياضة، هي التسامح بين مكونات المجتمع السوداني على إختلاف ألوانهم وسحناتهم ولهجاتهم وأعراقهم ودياناتهم ومشاربهم الثقافية، وهي المدينة التي نجحت عبر تاريخها الطويل في تحويل التنوع إلى مصدر قوة وإبداع وجعلت من التعايش أسلوب حياة ومن الإختلاف جسراً للتواصل لا عاملاً للفرقة والتفرقة والشتات .. هكذا كتب الأستاذ محمود أحمد الشين إبن مدينة نيالا المترعة بالوجد الشفيف. وتعد نيالا صنواً لأم درمان في إنصهار مكونات المجتمع السوداني وتعايشها. كتب محمود عن عاصمتنا الوطنية ومهد الثقافة والإبداع وعن الحيشان الثلاثة (الإذاعة والتلفزيون والمسرح) بوصفها حصوناً للوجدان السوداني وذاكرة حية لأجيال متعاقبة من المبدعين والمثقفين والفنانين، كما كتب عن أنديتنا العريقة الهلال والمريخ والموردة بإعتبارها جزءاً من التاريخ الإجتماعي والرياضي للبلاد وهو يطوف بالقارئ بين أحياء أم درمان العريقة الموردة، ود نوباوي والعباسية وحي العرب وأب روف والأمراء والمسالمة والعمدة والملازمين وأبو كدوك وود أرو والشهداء وبيت المال وبانت وغيرها من تلك الأحياء التي شكلت مدارس إجتماعية وثقافية قائمة بذاتها وأسهمت في صناعة الشخصية السودانية الحديثة.

إن أم درمان هي ضريح الإمام محمد أحمد المهدي ومسجد النيلين وبيت الخليفة وقباب أب روف والطابية وبوابة عبد القيوم ودار الرياضة وسينما برمبل وقصر الشباب والأطفال ومركز شباب أم درمان وهي معالم لا تحكي تاريخ مدينة فحسب بل تحكي تاريخ أمة بكاملها وأم درمان هي العاصمة الوطنية والثقافية للسودان؛ المدينة التي أنجبت عمالقة الشعر السوداني الذين شكلوا وجدان الأمة وأسهموا في صياغة ذائقتها الفنية والجمالية ففيها برز شعراء الحقيبة والشعر الحديث ومنهم عبد الرحمن الريح صاحب (أنا بيك سعادتي مؤكدة) و(أسحار الجمال) و(إنصاف – يا روحي أنصفني) وسيد عبد العزيز صاحب (صباح النور) و(قائد الأسطول) و(حاول يخفي نفسو) و(يا مداعب الغصن الرطيب) و(سيدة جمالا فريد) كما أنجبت صالح عبد السيد (أبو صلاح) صاحب (فريع البان) و(جوهر صدر المحافل) و(زهرة الروض) و(بدور القلعة) و(يا غزال الروض) وعبيد عبد الرحمن صاحب (غزال البر) و(أسمر جميل) و(أنا ما بقطف زهورك) و(حليل زمن الصبا) وأنجبت محمد بشير عتيق صاحب (يا ناعس الأجفان) و(هل تدري يا نعسان) و(من أول نظرة) المعروفة بـ(رشقتني عيونو) و(في رونق الصبح البديع) و(جسمي المنحول) و(أذكريني يا حمامة) و(ما بنسى ليلة كنا تايهين) و(عيان سيادتك) و(كلما أتأملت حسنك) كما أنجبت محمد عمر البنا صاحب (زيدني في هجراني) و(نعيم الدنيا) و(انهضوا يا شباب) و(جيش الهنا) و(جاني طيفك) و(إمتى أرجع لأم در وأعودا).

وأم درمان هي أيضاً

الإعلاميين حسين خوجلي وليلى وهيام وسهام بنات المغربي ولمياء متوكل .

ونجوم كرة القدم نصر الدين عباس جكسا والأمير صديق منزول وحيدر حسن الصديق الشهير بعلي قاقرين وبرعي أحمد البشير وحسن أبو العائلة إلى جانب أحمد محمد صالح الشاعر والسياسي ومؤلف النشيد الوطني وغيرهم من الرموز الذين صنعوا تاريخ السودان الرياضي والثقافي والسياسي، وهي مدينة الفن والغناء ،فهي إبراهيم الكاشف رائد الغناء والموسيقى الحديثة وأول من أدخل الآلات الموسيقية إلى الأغنية السودانية الحديثة وهي عبد الكريم كرومة أحد أعمدة فن الحقيبة وأبرز ملحنيه وهي محمد الأمين برهان القامة الفنية التي قدمت روائع الأعمال الوطنية والعاطفية وهي إبراهيم عوض رائد التجديد في الإيقاع والمسرح الغنائي وهي عائشة الفلاتية أول مطربة سودانية تقتحم الإذاعة وتتمرد على القيود الاجتماعية السائدة في زمانها وهي منى الخير إحدى رائدات الغناء النسائي في ستينيات القرن الماضي وهي حنان بلوبلو أيقونة غناء السيرة السودانية.

لقد كتب محمود الشين واصدر (قصتي مع أسوأ كارثة في العالم) متناولاً أزمة دارفور ثم اتجه جنوباً ليكتب عن (جبال النوبة.. سنوات الخوف) وتقدم شرقاً نحو البحر فكتب (واجاب.. قهوة على الساحل) ثم عاد إلى نيالا ليكتب (نيالا.. الناس والأشياء) وخرج إلى خارج الحدود ليكتب (كمبالا.. تأملات في لؤلؤة أفريقيا) وها يعود هو اليوم إلى أرض الوطن في هذا الوقت العصيب ليكتب عن أمل العودة من خلال كتابه (أم درمان.. الأمس حلم سيعود) المدينة التي تمثل السودان في كل تفاصيله الدقيقة وتجسد روحه الجامعة وتختصر تاريخه الثقافي والاجتماعي والوطني في صورة مدينة.

 

وكانت وما زالت رمزاً للوحدة والتعايش والإبداع فحينما يكتب محمود الشين عن المدن فإنه لا يكتفي برسم ملامحها الجغرافية أو استعراض شوارعها وأحيائها ومعالمها العمرانية بل ينسج من المكان نصاً إنسانياً نابضاً بالحياة تمتزج فيه الجغرافيا بالتاريخ والذاكرة بالوجدان والإنسان بالأرض التي تشكل هويته إذ تتحول المدينة في كتاباته إلى سيرة ذاتية مفتوحة وإلى كائن حي يتنفس ويحلم ويتألم ويحمل على جسده ندوب الأزمنة وتقلبات التاريخ وتصاريف الزمان ويمتلك الشين قدرة خاصة على قراءة المدن من الداخل لا من خلال حجارتها وأسوارها فحسب وإنما عبر حكايات ناسها وتفاصيل حياتهم اليومية وعلاقاتهم الاجتماعية والثقافية فهو يوظف قدرته البارعة في الحكي ليجعل القارئ يقرأ المدينة كما يقرأ كتاباً ثرياً بالمعاني والدلالات ويحمله على سحابات من الخيال الجميل إلى أعماق الواقع حيث تتجسد الأمكنة بألوانها وروائحها وأصواتها ووجوه أهلها. ولأن المدن عنده ليست مجرد فضاءات جغرافية فإن مشروعه التوثيقي ينحاز إلى الإنسان بوصفه صانع التاريخ الحقيقي لذلك نجد في كتاباته حضوراً واسعاً لمختلف الشرائح الاجتماعية والمهنية من أصحاب المهن البسيطة والهامشية إلى رموز المجتمع والمسؤولين وأصحاب النفوذ ومن الشعراء والأدباء والفنانين والفنانات إلى الجمهور الذي يتلقى إبداعهم ويتفاعل معه فالمدينة في نظره لا يكتمل وجهها إلا بجميع أبنائها ولا تروى حكايتها من خلال النخب وحدها، سوأ كانت نخباً ثقافية فنية، سياسية أو رياضية بل عبر مجموع الأصوات التي صنعت وجدانها وأسهمت في تشكيل شخصيتها ومن هنا تكتسب كتابات محمود الشين قيمتها التوثيقية والثقافية إذ لا تحفظ ذاكرة المكان فحسب بل تحفظ ذاكرة المجتمع أيضاً وتعيد الاعتبار للأدوار الصغيرة التي كثيراً ما تغيب عن السرد الرسمي للتاريخ فهو يكتب عن المدن بوصفها فضاءً للتعايش والتنوع والتبادل الثقافي ويقدمها باعتبارها مستودعاً للذاكرة الوطنية ومرآة تعكس مسيرة الإنسان السوداني في أفراحه وأحزانه وفي نجاحاته وإخفاقاته وفي سعيه الدائم لبناء حياة أكثر جمالاً واتساعاً للمعنى

 

ويأتي حفل توقيع كتاب (أم درمان.. الأمس حلم سيعود) في توقيت استثنائي يمر به السودان وكأنه يحمل في طياته رسائل تتجاوز حدود الاحتفاء بكتاب جديد إلى فضاء أوسع من الدلالات الوطنية والثقافية فاختيار أم درمان موضوعاً للكتاب في هذه المرحلة يبدو بمثابة إعلان موقف فكري وثقافي منحاز لقيم الدولة الوطنية السودانية التي تشكلت ملامحها مع الاستقلال وإيمان راسخ بأن الإرث الذي صنعته الأجيال المتعاقبة لا يجوز أن يكون ضحية للصراعات الراهنة أو حملات التشكيك والتشويه.

ومن خلال استدعائه لذاكرة أم درمان لا يستحضر محمود الشين مدينة بعينها فحسب وإنما يستدعي رمزاً وطنياً ظل يجسد وحدة السودان في تنوعه ويعكس قدرة المجتمع السوداني على التعايش والتمازج والانصهار الثقافي والاجتماعي فأم درمان لم تكن مجرد عاصمة وطنية بل كانت بوتقة انصهرت فيها مختلف الأعراق والثقافات واللهجات والتقاليد وأسهمت في تشكيل الوجدان الجمعي للسودانيين وصياغة ملامح هويتهم الوطنية الحديثة وفي هذا السياق يبدو الكتاب وكأنه بوح ثقافي هادئ وعميق يبحر عكس تيار الأصوات التي تسعى إلى التقليل من قيمة الماضي الوطني أو النيل من رموزه الجامعة، فهو يذكر الأجيال بأن السودان لم يبن على الانقسام والتنازع وإنما على تراكم التجارب المشتركة والعلاقات الإنسانية والثقافية التي نسجت خيوط الوحدة الوطنية عبر عقود طويلة ومن ثم فإن الاحتفاء بأم درمان في هذا الظرف ليس احتفاء بمدينة فحسب بل احتفاء بفكرة السودان ذاته.. السودان الذي اتسعت أرضه وتاريخه وثقافته لجميع أبنائه وظلت وحدته مصدر قوته وأحد أهم عناصر بقائه واستمراره ولعل الرسالة الأعمق التي يحملها هذا الكتاب أن المدن العظيمة لا تموت بالحروب ولا تنكسر بالأزمات لأن قوتها الحقيقية تكمن في الإنسان الذي يسكنها وفي الذاكرة التي يحفظها وفي القيم التي تمثلها ولهذا ستظل أم درمان كما أراد لها محمود الشين حلماً قابلاً للعودة ووطناً مصغراً يختصر السودان كله في اسم واحد… اسمها أم درمان.