ضل الحراز: علي منصور حسب الله
في تطور لافت داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال بقيادة الفريق عبد العزيز الحلو أعلن جاتيقو أموجا دلمان رئيس اللجنة الإعلامية بمجلس التحرير الوطني للحركة استقالته رسمياً من جميع مواقع التنظيم وعضويته بالحركة منهياً بذلك مسيرة امتدت لسنوات طويلة داخل أحد أبرز التنظيمات المسلحة والسياسية في السودان وقال جاتيقو أموجا في بيان صحفي إنه آثر عدم الخوض في تفاصيل الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ هذه الخطوة في الوقت الراهن مكتفياً بالإشارة إلى أن من بين تلك الأسباب ما وصفه بـ(الظلم والإذلال) وهي عبارات تحمل دلالات سياسية وتنظيمية عميقة وتفتح الباب واسعاً أمام التساؤلات بشأن طبيعة الخلافات الداخلية التي تشهدها الحركة ومدى انعكاسها على تماسكها التنظيمي ومستقبلها السياسي ورغم أن المستقيل لم يفصح عن الأسباب المباشرة لقراره إلا أن مراقبين لا يستبعدون وجود صلة بين الاستقالة والأحداث الدامية التي شهدتها منطقة كاودا وجبال النوبة خلال الأشهر الماضية والتي كانت قبيلة الأطورو التي ينتمي إليها جاتيقو أموجا أحد أطرافها الرئيسية ففي مارس 2026 اندلع نزاع قبلي عنيف بين قبيلة الأطورو وعدد من المجموعات القبلية المجاورة من بينها الشواية على خلفية خلافات متراكمة تتعلق بالأراضي وترسيم الحدود والتنافس على الموارد الطبيعية ومناطق التعدين ومع تصاعد التوترات تحولت الخلافات إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى وإلحاق أضرار واسعة بالممتلكات الأمر الذي أدخل المنطقة في دوامة جديدة من عدم الاستقرار وتشير روايات متداولة وسط أبناء المنطقة إلى أن قيادة الحركة الشعبية اتخذت موقفاً اعتبره بعض أبناء الأطورو منحازاً ضد مجموعتهم وهو ما أدى إلى حالة من الاحتقان داخل القبيلة دفعت بعض الضباط والمقاتلين المنتمين إليها إلى تنفيذ هجمات ضد مواقع تابعة للحركة في حين وصفت قيادة الحركة تلك التحركات بأنها أعمال تمرد وخروج على المؤسسة العسكرية والتنظيمية وفي ظل هذه الأجواء المشحونة تبدو استقالة جاتيقو أموجا حدثاً يتجاوز البعد الشخصي إذ قد تعكس بصورة أو بأخرى حجم التوترات التي خلفتها تلك الأحداث داخل بنية الحركة نفسها خصوصاً أن الرجل ينتمي إلى إحدى القبائل التي وجدت نفسها في قلب الصراع الأخير وتكتسب الاستقالة أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الذي كان يشغله جاتيقو أموجا داخل الحركة الشعبية إذ يُعد من أبرز كوادرها الإعلامية والسياسية كما يتمتع بعلاقات واسعة داخل الوسط الصحفي والإعلامي السوداني اكتسبها خلال سنوات عمله في مجال الصحافة قبل انتقاله إلى العمل السياسي والعسكري ضمن صفوف الحركة وينحدر جاتيقو أموجا من منطقة كاودا بجبال النوبة ومن أبناء قبيلة الأطورو إحدى المكونات الاجتماعية المعروفة في المنطقة وتأتي استقالته في ظل ظروف سياسية وتنظيمية معقدة تشهدها مناطق سيطرة الحركة الشعبية وسط تباينات وخلافات داخلية تتردد أصداؤها بين الحين والآخر داخل مؤسسات الحركة وكان جاتيقو أموجا معروفاً في الأوساط الصحفية والسياسية باسم (قمر دلمان) قبل أن يعود إلى اسمه المحلي لاحقاً وقد بدأ مسيرته المهنية صحفياً في صحيفة (رأي الشعب) الناطقة باسم المؤتمر الشعبي بقيادة الراحل الدكتور حسن الترابي ثم انتقل إلى صحيفة (أجراس الحرية) التي تأسست عقب توقيع اتفاقية السلام الشامل وكانت تمثل منبراً قريباً من الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الفريق أول سلفاكير ميارديت قبل انفصال جنوب السودان وعقب اندلاع الحرب بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية قطاع الشمال عام 2011 التحق قمر دلمان بصفوف الحركة الشعبية وانتقل من ميدان العمل الصحفي إلى فضاء العمل السياسي والعسكري حيث تقلد عدداً من المواقع الإعلامية والتنظيمية المهمة داخل الحركة وخلال تلك الفترة برز ضمن مجموعة من القيادات والكوادر التي تبنت العودة إلى الأسماء المحلية أو النوبية الأصلية بدلاً من الأسماء العربية المتداولة باعتبار ذلك جزءاً من تأكيد الهوية الثقافية وإعادة الاعتبار للخصوصيات المحلية لشعوب المنطقة وفي أواخر عام 2012 ارتبط اسم دلمان بمبادرة واسعة وسط بعض أبناء جبال النوبة للعودة إلى الأسماء المحلية التقليدية وهي المبادرة التي أثارت نقاشاً سياسياً وثقافياً كبيراً داخل السودان بين من رأى فيها تعبيراً مشروعاً عن التنوع الثقافي والاعتزاز بالهوية المحلية وبين من اعتبرها انعكاساً لحالة الاستقطاب السياسي والثقافي التي كانت تعيشها البلاد آنذاك وخلال السنوات الماضية ظل جاتيقو أموجا أحد أبرز الأصوات الإعلامية للحركة الشعبية شمال حيث لعب أدواراً مؤثرة في تسويق رؤيتها السياسية والدفاع عن مواقفها المتعلقة بقضايا الحكم والهوية والعلاقة بين المركز والهامش ومستقبل الدولة السودانية ومن هذا المنطلق فإن استقالته لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد مغادرة فردية لكادر سياسي أو إعلامي بل باعتبارها مؤشراً يستحق القراءة والتحليل خصوصاً أنها تأتي في مرحلة دقيقة تمر بها الحركة الشعبية شمال وفي ظل تحولات سياسية وعسكرية متسارعة يشهدها السودان منذ اندلاع الحرب الحالية غير أن هذه الاستقالة تفتح الباب أيضاً لاستدعاء تاريخ طويل من الجدل حول طبيعة إدارة الخلافات داخل الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو فبحسب العديد من الروايات والشهادات المتداولة وسط أبناء جبال النوبة وقيادات الحركة السابقين فإن ظاهرة إقصاء المعارضين أو المختلفين مع القيادة ليست بالأمر الجديد داخل الحركة بل تكاد تمثل أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخها الحديث ففي أعقاب مؤتمر شقدوم عام 1994 تم اعتقال القائد تلفون كوكو أبو جلحة بعد مطالبته بتحقيق قدر أكبر من العدالة والشفافية في توزيع المؤن والتسليح داخل قوات الجيش الشعبي وتم ترحيله إلى جنوب السودان مكبلاً بالسلاسل حيث قضى أكثر من ثلاث سنوات في السجن في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الحركة الشعبية ويمثل ملف الجنرال تلفون كوكو أبو جلحة نموذجاً بارزاً للصراع الذي ظل قائماً داخل الحركة بين دعاة الإصلاح الداخلي ومركز القرار القيادي فقد كان بحسب أنصاره،ة القائد الوحيد من أبناء جبال النوبة الذي حاز خمسة أوسمة وأنواط ووشاحاً في الشجاعة والصمود والبسالة كما تم تكريمه رسمياً في القيادة العامة للجيش الشعبي لتحرير السودان ببلفام بواسطة القائد العام الفريق أول سلفاكير ميارديت ورغم ذلك يرى كثير من أنصاره أنه تعرض لظلم سياسي كبير نتيجة تقارير وشكاوى رفعت ضده داخل مؤسسات الحركة وأن تلك التقارير أسهمت في إبعاده عن دوائر التأثير والقرار بعد استقلال دولة جنوب السودان الأمر الذي مهد عملياً لهيمنة مجموعة محدودة على مفاصل القرار داخل قطاع الشمال ولا تتوقف الانتقادات عند هذه القضية وحدها إذ تتردد اتهامات للحركة الشعبية وقيادتها الحالية بالسيطرة على الموارد الاقتصادية في مناطق سيطرتها وعلى رأسها قطاع التعدين والذهب ويشار بصورة متكررة إلى (بنك الجبال للتنمية) الذي يديره جقود مكوار رئيس هيئة أركان الحركة وحاكم إقليم جنوب كردفان وجبال النوبة في حكومة مليشيا الدعم السريع الموازية حيث يذهب منتقدون إلى أن البنك يحتكر شراء الذهب من المواطنين بأسعار متدنية قبل إعادة تسويقه عبر قنوات مختلفة تحت شعار دعم مشروع النضال بينما لا تنعكس عائدات هذه الأنشطة بصورة ملموسة على الخدمات والتنمية المحلية كما يتحدث منتقدو الحركة عن سلسلة من الإجراءات التي يرون أنها استهدفت شخصيات قيادية وتنظيمية أبدت اعتراضها على بعض السياسات الاقتصادية والإدارية ومن بينهم هاشم إيمو الذي قيل إنه فصل من البنك بسبب اعتراضه على سياسات التسعيرة إضافة إلى قادة آخرين تعرضوا للاعتقال أو التهميش مثل العميد دفع الله الذي توفي أثناء فترة احتجازه واللواء كوكو إدريس الذي تعرض وفق روايات متداولة للإهانة وسوء المعاملة قبل إطلاق سراحه وتشير هذه الوقائع إلى وجود أزمة أعمق تتعلق بطبيعة إدارة السلطة والثروة داخل الحركة الشعبية وإلى اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي المعلن والممارسات التنظيمية على الأرض وفي الوقت الذي يعيش فيه آلاف المواطنين من أبناء جبال النوبة أوضاعاً إنسانية ومعيشية بالغة الصعوبة سواء داخل معسكرات النزوح أو في المناطق المتأثرة بالحرب تتزايد التساؤلات حول أولويات القيادة السياسية للحركة وحول مدى قدرة مشروعها السياسي على تلبية تطلعات المجتمعات المحلية التي حملت السلاح باسمه لعقود طويلة كما أن التقارب السياسي والعسكري الذي شهدته الحركة الشعبية مع مليشيا الدعم السريع خلال الفترة الأخيرة أثار بدوره جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والشعبية خاصة في ظل حالة الاستقطاب الحاد التي تشهدها البلاد وما يترتب على ذلك من إعادة رسم للتحالفات وموازين القوى ومن زاوية أخرى يرى مراقبون أن تصاعد الاستقالات والانقسامات والخلافات القبلية والتنظيمية داخل الحركة الشعبية قد يفضي إلى تحولات كبيرة في المشهد العسكري والسياسي بجبال النوبة وربما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين النفوذ في المنطقة خلال المرحلة المقبلة ومهما يكن من أمر فإن استقالة جاتيقو أموجا ليست مجرد خبر عابر في سياق الأحداث السودانية المتسارعة بل تمثل جرس إنذار سياسياً وتنظيمياً داخل واحدة من أهم الحركات المسلحة في السودان كما أنها تعيد إلى الواجهة أسئلة قديمة ومتجددة حول الديمقراطية الداخلية وإدارة التنوع والعدالة في توزيع السلطة والثروة ومستقبل المشروع السياسي الذي تطرحه الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو وفي نهاية المطاف يبقى الأمل معقوداً على أن تفضي هذه التطورات إلى مراجعات جادة وشاملة داخل مختلف القوى السياسية والعسكرية السودانية وأن تتقدم مصلحة المواطنين على الحسابات التنظيمية الضيقة وصولاً إلى سلام عادل ومستدام ينهي معاناة السودانيين ويؤسس لدولة المواطنة والعدالة والشراكة الحقيقية في السلطة والثروة
