ضل الحراز
البوربونيون السودانيون… النخب التي لا تتعلم
(4)
بقلم علي منصور حسب الله
يمثل سلوك كثير من الأحزاب والقوى السياسية السودانية تجسيداً حياً للمقولة الشهيرة التي أطلقها السياسي والدبلوماسي الفرنسي شارل موريس تاليران في وصفه لأسرة آل بوربون عقب عودتها إلى عرش فرنسا بعد سقوط نابليون بونابرت (إنهم لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً) وهي عبارة تبدو وكأنها كُتبت لوصف جانب مهم من تاريخ النخب السودانية التي ظلت تعيد إنتاج الأخطاء ذاتها جيلاً بعد جيل، دون أن تستفيد من دروس التجارب السابقة أو تتوقف طويلاً أمام نتائج الإخفاقات المتكررة لقد بدأت الأزمة السودانية بتعظيم الزعامات الدينية، ثم تمددت تدريجياً إلى المجال السياسي والاجتماعي والنقابي والرياضي حتى أصبحت ظاهرة تقديس الأشخاص واحدة من السمات الأكثر حضوراً في الحياة العامة فقد اعتاد السودانيون عبر مراحل تاريخية مختلفة أن يصنعوا بحسب التعبير الشعبي الشائع (آلهة من العجوة) يرفعون بعض الشخصيات إلى مقام الرموز الملهمة ويحيطونها بهالة من التبجيل والتقديس ثم لا يلبثون أن ينقلبوا عليها ويلتهموها سياسياً ومعنوياً عندما تصيبهم خيبة الأمل أو تتعثر التجربة هذه الظاهرة ليست جديدة في الحياة السودانية بل تكاد تكون خيطاً ممتداً عبر تاريخها الحديث فالسودانيون الذين هتفوا يوماً (العذاب ولا الأحزاب) ومهدوا بذلك الطريق أمام الانقلابات العسكرية عادوا لاحقاً إلى رفض الحكم العسكري والبحث عن الخلاص في الأحزاب السياسية ثم ما لبث بعضهم أن أصيب بالإحباط من الأحزاب فعاد للترحيب بالحلول العسكرية من جديد وهكذا استمرت الحلقة المفرغة نفسها حكم مدني يعقبه انقلاب عسكري ثم ثورة شعبية تطيح بالانقلابيين دون أن يصاحب ذلك بناء مؤسسات راسخة أو استخلاص حقيقي للعبر والدروس وفي جوهر هذه الأزمة تكمن ثقافة (الزعيم الملهم) أو (القائد المخلّص) التي هيمنت على الوعي السياسي السوداني لعقود طويلة فبدلاً من بناء مؤسسات قوية وقواعد ديمقراطية مستقرة جرى اختزال الأحزاب والتنظيمات والحركات في أشخاص بعينهم حتى أصبح بقاء المؤسسة أو ضعفها مرتبطاً ببقاء الزعيم أو غيابه ولم تقتصر هذه الظاهرة على المجال السياسي وحده بل امتدت إلى الرياضة والإدارة الأهلية والطرق الصوفية والنقابات والحركات الفكرية والاجتماعية ففي المجال الرياضي ارتبطت الأندية الكبرى بأسماء رؤسائها التاريخيين أكثر من ارتباطها بمؤسساتها ولوائحها ففي نادي الهلال برزت أسماء الطيب عبد الله وطه علي البشير وصلاح أحمد إدريس وأشرف الكاردينال باعتبارها رموزاً ارتبطت بمراحل مؤثرة في تاريخ النادي وفي نادي المريخ حضرت أسماء جمال الوالي وحسن أبو العائلة ومهدي الفكي وعبد العزيز شدو ومحمد إلياس محجوب باعتبارهم شخصيات ارتبطت بذاكرة النادي ومراحله المختلفة كما ارتبط نادي الموردة بأسماء مثل سليمان إبراهيم أول رئيس لمجلس إدارة النادي وزاهر سرور الساداتي وحنان خالد أما على مستوى الإدارة الرياضية القومية فقد تحولت شخصيات مثل الدكتور عبد الحليم محمد والبروفيسور كمال شداد والدكتور معتصم جعفر إلى رموز ارتبطت بها مؤسسة الاتحاد السوداني لكرة القدم لعقود طويلة حتى أصبح تاريخ المؤسسة في أذهان كثيرين مرتبطاً بتاريخ هؤلاء الأشخاص أكثر من ارتباطه بالبنية المؤسسية نفسها وفي المجال الديني والصوفي تكررت الظاهرة ذاتها بصورة أكثر وضوحاً فقد ارتبطت الطرق الصوفية بمؤسسيها ومشايخها الكبار فالطريقة القادرية ارتبطت باسم الشيخ عبد القادر الجيلاني والطريقة السمانية باسم الشيخ محمد بن عبد الكريم السماني والطريقة التجانية باسم الشيخ أحمد التجاني والطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية باسم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني والطريقة الإدريسية الأحمدية باسم السيد أحمد بن إدريس الفاسي ولا شك أن هذه الطرق أدت أدواراً روحية واجتماعية وثقافية مهمة في المجتمع السوداني غير أن ارتباط الأتباع بالرموز كثيراً ما كان أقوى من ارتباطهم بالمؤسسات والهياكل المنظمة التي يفترض أن تستمر بمعزل عن الأشخاص كما ارتبطت الحكومات السودانية في الذاكرة العامة بأسماء رؤسائها أكثر من ارتباطها بمؤسسات الدولة ذاتها فنحن نتحدث عن عهد الفريق إبراهيم عبود وعهد جعفر محمد نميري وحكومة الجزولي دفع الله والفترة الانتقالية بقيادة المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب وفترة سر الختم الخليفة وعهد الأزهري ثم عهد عمر حسن أحمد البشير وكأن الدولة تختزل في شخص الحاكم أكثر مما تختزل في مؤسساتها الدستورية والقانونية وفي الأحزاب السياسية تبدو الظاهرة أكثر وضوحاً وتجذراً فقد ارتبط حزب الأمة منذ نشأته بالإمام عبد الرحمن المهدي بوصفه الراعي السياسي والروحي للحزب ثم انتقلت هذه المركزية إلى حفيده الصادق المهدي الذي ظل لعقود الشخصية الأكثر تأثيراً داخله حتى أصبح من الصعب على كثير من الأنصار الفصل بين الحزب وشخص زعيمه أما الحزب الاتحادي الديمقراطي والتيار الختمي فقد ارتبطا تاريخياً بالسيد علي الميرغني ثم بإسماعيل الأزهري الذي ارتبط اسمه بمعركة الاستقلال ثم بالشريف حسين الهندي ولاحقاً بمحمد عثمان الميرغني الذي ظل لعقود المرجعية السياسية والتنظيمية الأبرز للحزب وفي الحزب الشيوعي السوداني برز اسم عبد الخالق محجوب باعتباره المنظّر الفكري الأهم للحركة الشيوعية السودانية ثم محمد إبراهيم نقد الذي قاد الحزب لسنوات طويلة وأصبح رمزاً سياسياً وتنظيمياً ارتبط الحزب باسمه ارتباطاً وثيقاً وحزب البعث العربي إرتبط بشخصية بدر الدين مدثر وأخيراً علي الريح الشيخ السنهوري الأمين العام وأمين سر قيادة قطر السودان للحزب أما الحركة الإسلامية السودانية ممثلة في الجبهة الإسلامية القومية ثم المؤتمر الوطني لاحقاً فقد ارتبطت بصورة وثيقة بشخصية الدكتور حسن الترابي الذي ظل لعقود المرجعية الفكرية والسياسية للحركة وأحد أكثر الشخصيات تأثيراً في تشكيل المشهد السياسي السوداني الحديث وحتى بعد المفاصلة الشهيرة بين الإسلاميين لم تغادر الحركة النمط ذاته من التفكير القائم على الشخصنة فقد برزت داخل المؤتمر الوطني مراكز قوى ارتبطت بأسماء قيادات بعينها مثل مجموعة الشيخ علي عثمان محمد طه ومجموعة الدكتور نافع علي نافع وأصبحت الولاءات تدور حول الأشخاص أكثر من دورانها حول البرامج والمؤسسات والأمر ذاته يمكن ملاحظته داخل حزب الأمة القومي حيث أدت الانشقاقات المتكررة إلى ظهور كيانات ارتبطت بأسماء قادتها أكثر من ارتباطها بمشروعات سياسية مستقلة فظهرت مجموعة مبارك الفاضل ثم مجموعة نهار ومجموعة مسار وغيرها من التكوينات التي عُرفت بأسماء زعمائها في تجسيد واضح لهيمنة الشخص على المؤسسة.ولا يقتصر الأمر على الأحزاب السياسية بل يمتد إلى العمل النقابي والفكري والدعوي حيث برزت شخصيات مثل الشفيع أحمد الشيخ في الحركة النقابية ومحمود محمد طه في الفكر الجمهوري وتحولت هذه الشخصيات إلى رموز مركزية ارتبطت بها الحركات والتنظيمات أكثر من ارتباطها بالمؤسسات أو الأفكار التي قامت عليها وفي الحركات المسلحة والتنظيمات المطلبية تكررت الظاهرة بصورة أكثر وضوحاً فقد ارتبط أول تمرد جنوبي باسم جوزيف لاقو ثم جاءت مرحلة جون قرنق الذي أصبح رمزاً للحركة الشعبية لتحرير السودان كما برزت أسماء فيليب عباس غبوش ويوسف كوه مكي في جبال النوبة وداوود يحيى بولاد وعبد الواحد محمد أحمد النور ومني أركو مناوي وخليل إبراهيم محمد ومحمد ابراهيم دريج وشريف حرير وجبريل إبراهيم محمد في دارفور حتى أصبحت التنظيمات نفسها تُعرّف في كثير من الأحيان بأسماء قادتها أكثر مما تُعرف ببرامجها أو هياكلها التنظيمية ولعل الدليل الأوضح على استمرار هذه الثقافة السياسية أن كثيراً من الحركات والتنظيمات لا تزال تُعرف حتى اليوم بأسماء قادتها فنسمع عن (جناح فلان) و(مجموعة فلان) و(تيار فلان) و(قيادة فلان) وكأن الشرعية التنظيمية لا تستمد من الدستور أو البرنامج السياسي أو اللوائح الداخلية وإنما من قرب التنظيم من شخص الزعيم ومدى نفوذه ولم تكن ثورة ديسمبر رغم شعاراتها الداعية إلى بناء دولة المؤسسات بمنأى عن هذه الظاهرة فسرعان ما جرى اختزال ثورة شارك فيها مئات الآلاف من السودانيين وقدم الشباب من أجلها تضحيات جسيمة في شخص رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك حتى ارتفعت الهتافات التي تقول (شكراً حمدوك… حمدوك يسلموا الجابوك) وبغض النظر عن الموقف من الرجل أو تجربته فإن الظاهرة نفسها تستحق التأمل فقد تحولت ثورة شعبية واسعة إلى مناسبة جديدة لإعادة إنتاج فكرة البطل الفرد والزعيم المنقذ وكأن نجاح مشروع التغيير أو فشله مرهون بشخص واحد لا بمؤسسات الدولة وقوى المجتمع التي صنعت الثورة واللافت للنظر أن هذه الظاهرة لم تقتصر على تيار سياسي بعينه بل شملت اليمين واليسار والوسط والطوائف الدينية والحركات المسلحة والنقابات المهنية وحتى المؤسسات الرياضية وهذا ما يشير إلى أن المشكلة أعمق من كونها أزمة أحزاب أو قيادات بل هي أزمة ثقافة سياسية متجذرة في بنية المجتمع نفسه ثقافة تجعل الولاء للأشخاص يتقدم على الولاء للمؤسسات والانتماء للزعيم يعلو على الانتماء للفكرة إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تعيق التطور السياسي الطبيعي فالمؤسسات القوية تستطيع أن تستمر رغم رحيل قادتها بينما تنهار التنظيمات الشخصية بمجرد غياب مؤسسها أو انقسام دائرته المقربة ولهذا شهد السودان عشرات الانشقاقات الحزبية والتنظيمية التي كان معظمها مرتبطاً بصراعات الأشخاص أكثر من ارتباطه بالخلافات الفكرية أو البرامجية كما أن تقديس الزعماء يقتل روح النقد والمحاسبة إذ يتحول القائد إلى شخصية فوق المساءلة وتُفسر أي ملاحظة أو نقد باعتباره استهدافاً للتنظيم نفسه وعندها تبدأ المؤسسات في التآكل من الداخل لأن الخطأ لا يُصحح والقرارات لا تُراجع والقيادات لا تُحاسب فتتراكم الأزمات حتى تصل إلى مرحلة الانفجار.ولعل أحد أسباب تعثر التجربة السياسية السودانية أن معظم القوى السياسية على اختلاف مرجعياتها الفكرية والأيديولوجية، ورثت تقاليد الولاء للأشخاص أكثر من ترسيخها لمبادئ المؤسسية والديمقراطية الداخلية ولذلك كثيراً ما تبدو معارك الخلافة داخل التنظيمات أكثر أهمية من النقاش حول البرامج والرؤى والسياسات العامة فيتقدم الصراع على المواقع على الصراع من أجل الأفكار إن الأزمة الحقيقية التي تواجه السودان ليست فقط في فشل النخب السياسية في التعلم من أخطاء الماضي بل أيضاً في استمرار المجتمع نفسه في إعادة إنتاج البيئة الثقافية والاجتماعية التي تسمح بظهور الزعيم المخلّص والقائد الملهم فالديمقراطية لا تقوم على الأشخاص مهما بلغت مكانتهم أو عظمت إنجازاتهم وإنما تقوم على المؤسسات والقوانين والتداول السلمي للسلطة والشفافية والمساءلة والرقابة إن الأمم التي نجحت في بناء تجارب ديمقراطية مستقرة لم تحقق ذلك لأنها أنجبت قادة معصومين من الخطأ بل لأنها أنشأت مؤسسات أقوى من الأفراد وجعلت الولاء للدستور والقانون فوق الولاء للأشخاص أما المجتمعات التي تستمر في البحث عن البطل الفرد والمنقذ التاريخي فإنها تظل أسيرة الدورات المتكررة من الأمل والإحباط والصعود والانهيار والتقديس ثم الإدانة.
وما لم ينتقل السودانيون من ثقافة الولاء للأفراد إلى ثقافة الولاء للمبادئ والمؤسسات ومن عقلية الزعيم المخلّص إلى عقلية الدولة الحديثة فإن دائرة التقديس ثم السقوط والصعود ثم الانهيار ستظل تتكرر جيلاً بعد جيل وستبقى النخب السودانية أقرب إلى بوربونيي تاليران الذين لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً
نواصل…
