ضل الحراز
البوربونيون السودانيون… النخب التي لا تتعلم
(3)
بقلم علي منصور حسب الله
يمثل سلوك كثير من الأحزاب السياسية السودانية تجسيداً حياً للمقولة الشهيرة التي أطلقها السياسي والدبلوماسي الفرنسي شارل موريس تاليران في وصفه لأسرة آل بوربون عقب عودتها إلى عرش فرنسا بعد سقوط نابليون بونابرت (إنهم لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً) غير أن الأزمة السودانية لا تقتصر على الأحزاب السياسية وحدها رغم أنها تمثل جزءاً أساسياً من المشكلة بل تمتد إلى المجتمع نفسه وإلى الثقافة السياسية التي حكمت العلاقة بين الجماهير والقيادات على امتداد عقود طويلة فقد اعتاد السودانيون في مراحل تاريخية متعددة صناعة ما يمكن وصفه بـ(آلهة من العجوة) يرفعون بعض الزعماء إلى مرتبة التقديس السياسي أو الاجتماعي ويحيطونهم بهالة من العصمة والكمال ثم لا يلبثون أن ينقلبوا عليهم عندما تصطدم الآمال بالواقع أو تتكشف حدود القدرة البشرية وهكذا تنتقل الجماهير من التمجيد المطلق إلى الإدانة المطلقة دون المرور بمحطة التقييم العقلاني أو النقد الموضوعي لقد هتف السودانيون يوماً (العذاب ولا الأحزاب) فمهدوا بذلك الطريق للحكم العسكري ثم عادوا بعد سنوات لرفض الحكم العسكري والاحتماء مجدداً بالأحزاب السياسية ومع كل دورة سياسية جديدة يتكرر المشهد ذاته تعلق الجماهير آمالاً كبرى على قوى الثورة أو على القيادات المدنية أو العسكرية ثم سرعان ما تتحول تلك الآمال إلى خيبات فتبدأ رحلة البحث عن منقذ جديد إنها دائرة مغلقة من التفاؤل المفرط يعقبها إحباط مفرط دون أن تنشأ مؤسسات مستقرة قادرة على الاستمرار بمعزل عن الأشخاص
ولا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن الإرث الثقافي والاجتماعي العميق المرتبط بفكرة الزعامة والبركة والولاية الروحية فقد عرفت المجتمعات السودانية شأنها شأن كثير من المجتمعات التقليدية تقديراً واسعاً للزعماء الدينيين والأولياء الصالحين وتطورت حول بعضهم مظاهر اجتماعية وثقافية تمثلت في الأضرحة والمزارات والحوليات والزيارات الموسمية وبغض النظر عن الموقف الديني أو الفقهي من هذه الممارسات فإن أثرها الاجتماعي والسياسي تمثل في ترسيخ صورة (الشخص الاستثنائي) الذي يتجاوز موقعه الطبيعي ليصبح محوراً للولاء الجماعي ومع تطور الحياة السياسية الحديثة انتقلت هذه الذهنية من المجال الديني إلى المجال السياسي فأصبح الزعيم الحزبي أو العسكري أو النقابي يحظى أحياناً بالمكانة نفسها التي كان يحظى بها الزعيم الروحي وأصبحت المؤسسات تختزل في الأشخاص والبرامج تختزل في القادة والتاريخ الوطني يُروى من خلال سير الأفراد أكثر مما يُروى من خلال جهود الجماعات والمؤسسات ورغم الإنجاز الوطني الكبير الذي حققه مؤتمر الخريجين الذي تأسس عام 1938 بوصفه أول تنظيم وطني حديث قاد الحركة الوطنية ضد الاستعمار فإن الذاكرة الشعبية كثيراً ما تختزل قصة الاستقلال في شخص واحد صحيح أن إسماعيل الأزهري يعد من أعظم الرموز الوطنية وأول رئيس وزراء للسودان المستقل لكن الاستقلال لم يكن نتاج عبقرية فردية بل ثمرة جهد جماعي شارك فيه عشرات الوطنيين من مختلف الاتجاهات والانتماءات فقد كان لأحمد خير دور محوري في تأسيس مؤتمر الخريجين وصياغة رؤيته الوطنية كما أسهم خضر حمد في التبشير بفكرة المؤتمر والدعوة إلى قيامه وشارك عدد كبير من المثقفين والوطنيين في بناء الحركة الوطنية التي قادت البلاد إلى الاستقلال إلا أن ثقافة البحث عن البطل الفرد دفعت الذاكرة الجمعية إلى تهميش الأدوار الجماعية لصالح صورة الزعيم الواحد وتعرف هذه الظاهرة في العلوم السياسية باسم (عبادة الفرد) أو (تقديس القائد) وهي حالة يُرفع فيها الزعيم إلى مرتبة استثنائية تجعله فوق النقد والمساءلة ويُصوَّر باعتباره المصدر الوحيد للحكمة والوطنية والشرعية وفي ظل هذه الثقافة تتحول المؤسسات إلى هياكل شكلية بينما تتركز السلطة الفعلية في يد شخص واحد أو دائرة ضيقة من المقربين منه
وتتحقق هذه الحالة عبر عدة آليات متداخلة من أهمها احتكار وسائل الإعلام أو توجيهها لتضخيم صورة القائد واستخدام نظريات المؤامرة لتشويه الخصوم وربط المصالح الشخصية الاقتصادية والاجتماعية بشبكات الولاء السياسي وإضعاف المؤسسات الحزبية والتنظيمية لصالح النفوذ الشخصي وإعادة كتابة التاريخ بطريقة تجعل جميع الإنجازات مرتبطة بشخص واحد مع تجاهل الأدوار الجماعية
ومن خلال هذا المنظور يمكن قراءة تاريخ معظم التنظيمات السياسية السودانية فالأحزاب الطائفية ارتبطت بزعمائها الروحيين والأحزاب العقائدية ارتبطت بمنظريها التاريخيين والحركات المسلحة ارتبطت بمؤسسيها وقادتها الميدانيين وحتى النقابات والتنظيمات المهنية لم تسلم من هذه الظاهرة واللافت أن التنظيمات التي رفعت شعارات الحداثة والديمقراطية والمؤسسية لم تكن أكثر نجاحاً من غيرها في التحرر من سطوة الزعيم الفرد. فسرعان ما تحولت المرجعيات الفكرية إلى مرجعيات شخصية وأصبحت الشرعية التنظيمية تستمد من القائد أكثر مما تستمد من اللوائح والمؤسسات ولعل الدليل الأوضح على استمرار هذه الثقافة أن كثيراً من الأحزاب والحركات لا تزال تعرف بأسماء قادتها أكثر مما تعرف بأسمائها الرسمية أو برامجها السياسية فنسمع عن (جناح فلان) و(مجموعة فلان) و(تيار فلان) و(قيادة فلان) وكأن التنظيم لا يكتسب وجوده أو شرعيته إلا من خلال ارتباطه بشخص بعينه إن الأزمة الحقيقية التي تواجه السودان ليست فقط في عجز النخب السياسية عن التعلم من أخطاء الماضي بل أيضاً في استمرار المجتمع نفسه في إعادة إنتاج البنية الثقافية التي تسمح بظهور الزعيم المخلّص والقائد الملهم فالديمقراطية لا تقوم على الأفراد مهما بلغت مكانتهم أو تضحياتهم وإنما تقوم على المؤسسات والقوانين والتداول السلمي للسلطة والرقابة والمساءلة وعندما تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص يصبح رحيل القادة حدثاً طبيعياً لا أزمة وطنية أما حين تُبنى السياسة على الأفراد فإن كل وفاة أو انشقاق أو خلاف شخصي يتحول إلى زلزال يهز التنظيم والدولة معاً وما لم ينتقل السودانيون من ثقافة الولاء للأشخاص إلى ثقافة الولاء للمبادئ والمؤسسات فإن دائرة الصعود والهبوط والتقديس ثم الإدانة ستظل تتكرر جيلاً بعد جيل، وستظل مقولة تاليران القديمة تجد في السودان ما يؤكد حضورها بعد أكثر من قرنين من الزمان
نواصل…
