ضل الحراز…..علي منصور يكتب: البوربونيون السودانيون…النخب التي لا تتعلم ( 2)

ضل الحراز

البوربونيون السودانيون… النخب التي لا تتعلم

(2)

بقلم علي منصور حسب الله
يمثل سلوك كثير من الأحزاب السياسية السودانية تجسيداً حياً للمقولة الشهيرة التي أطلقها السياسي والدبلوماسي الفرنسي شارل موريس دي تاليران في وصفه لأسرة آل بوربون عقب عودتها إلى عرش فرنسا بعد سقوط نابليون بونابرت (إنهم لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً) ولعل هذه العبارة تختصر جانباً كبيراً من أزمة النخب السياسية السودانية التي ظلت تدور في حلقة مفرغة تعيد إنتاج الأخطاء ذاتها جيلاً بعد جيل دون أن تستخلص من التجارب المريرة ما يؤسس لممارسة سياسية أكثر نضجاً أو أكثر ديمقراطية فمن أقوى الشعارات التي صدحت بها ثورة أكتوبر 1964م شعار (الكهنوت مصيره الموت) وهو شعار حمل في جوهره دعوة واضحة لكسر إحتكار الزعامة وفتح الطريق أمام الأجيال الجديدة وترسيخ مبدأ التداول السلمي للقيادة والسلطة غير أن ما حدث عملياً كان شيئاً مختلفاً تماماً إذ توقفت عقارب الساعة عند ذلك الجيل نفسه وكأن الغاية لم تكن بناء مؤسسات ديمقراطية بل مجرد إستبدال زعيم بزعيم أو كما يقال إستبدال هرقل بهرقل وعزل فرعون ليفسح المجال لفرعون جديد يردد بكل ثقة وصلف (ما أريكم إلا ما أرى) فعلى مبدأ (لا زعامة للقدمى) نازع الإمام الصادق المهدي عمه الإمام الهادي المهدي زعامة حزب الأمة حتى نال مبتغاه ثم ظل يقود الحزب حتى وفاته وفعل عبد الخالق محجوب أمراً مشابهاً عندما نازع سكرتيري الحزب الشيوعي السابقين عوض عبد الرازق وعبد الوهاب زين العابدين وحين إستقرت له القيادة ظل ممسكاً بها حتى مقتله إثر مغامرته الإنقلابية الفاشلة عام 1971م أما الدكتور حسن الترابي فقد خاض بدوره صراعاً مريراً مع القيادات المؤسسة للحركة الإسلامية ومن بينهم الدكتور مالك بدري ومحمد صالح عمر والحبر نور الدائم والصادق عبد الله عبد الماجد محدثاً شرخاً عميقاً داخل التنظيم لكن الترابي بعد أن بلغ قمة الزعامة تحول هو نفسه إلى الزعيم الملهم الذي لا ينازع رغم أن الشعارات التي رفعها كانت تدعو إلى تجديد القيادة وكسر احتكارها وظل ممسكاً بالقيادة حتى وفاته بل إنه في أواخر حياته تجرع من الكأس نفسها عندما نازعه تلاميذه عبر ما عرف بمذكرة العشرة التي انتهت بالمفاصلة الشهيرة غير أنه تمسك بقيادة حزبه الجديد المؤتمر الشعبي حتى آخر أيامه ولم يكن حزب البعث العربي الإشتراكي بعيداً عن هذه الظاهرة فعندما انتُخب محمد سليمان الخليفة عبد الله التعايشي عضواً في القيادة القومية للحزب وأميناً لسر القطر السوداني عام 1968م ظل ممسكاً بالموقع حتى وفاته إثر حادث تحطم الطائرة التي كانت تقله عام 1971م في سياق دعمه للمحاولة الانقلابية الشيوعية بقيادة هاشم العطا وبعد مراحل انتقالية قصيرة تولى بدر الدين مدثر أمانة السر حتى وفاته عام 2006م ثم انتقلت القيادة إلى علي الريح السنهوري ليستمر النمط ذاته في تداول المواقع القيادية أما الحزب الاتحادي الديمقراطي فقد حصّن نفسه من مشكلات التنازع الداخلي بطريقة مختلفة إذ توقفت القيادة عملياً عند محطة السيد محمد عثمان الميرغني الذي ظل يتربع على قمة الحزب لعقود طويلة حتى بات الحزب يكاد يرتبط في الوعي العام بشخص الزعيم أكثر من ارتباطه بالمؤسسة غير أن التنازع على القيادة في السودان ليس ظاهرة حديثة بل يمتد بجذوره إلى تاريخ أبعد بكثير من نشأة الأحزاب السياسية الحديثة فالصراع على الزعامة كان أحد العوامل التي مهدت الطريق للتدخلات الخارجية في تاريخ السودان فقد اضطر الشيخ بشير ود عقيد، شيخ الجعليين إلى مغادرة بلاده متوجهاً إلى مصر بين عامي 1816 و1817م بعد اشتداد النزاع بينه وبين المك نمر ملك الجعليين الذي ضيق عليه الخناق وأقصاه عن المشيخة وكان ود عقيد يعتقد أن محمد علي باشا سيساعده على استعادة نفوذه لكن الأحداث سارت في اتجاه مختلف إذ احتفى به محمد علي وأبقاه عنده حتى أكمل استعداداته العسكرية ثم أرسله مع جيش الغزو التركي المصري ومنحه لقب البكوية وعينه لاحقاً شيخاً على شندي بعد فرار المك نمر إلى الحبشة ويورد المؤرخ محمد أحمد الجابري في كتابه (في شأن الله أو تاريخ السودان كما يرويه أهله) تفاصيل مهمة حول تلك المرحلة موضحاً أن بعض النزاعات الداخلية السودانية وفرت للغزو التركي المصري فرصاً لم تكن متاحة له لولا الانقسامات المحلية ولم يكن هذا المثال الوحيد فالملك صبير أحد ملوك الشايقية استسلم هو وجيشه لقوات الغزو بل أبدى عدد من رجاله رغبتهم في الانضمام إلى الجيش الغازي فقبلهم إسماعيل باشا وساروا معه لإخضاع بقية الأراضي السودانية وفي الوقت نفسه كان الوزير محمد ود عدلان يسعى إلى بناء تحالف بين سلطنة سنار وسلطنة دارفور ومقدومية كردفان لمواجهة الغزو القادم غير أن الصراع الداخلي حسم الأمر في اتجاه آخر فقد تمكن أنصار ابن عمه حسن ود رجب من اغتياله نتيجة للتنافس على السلطة ثم لم ينجح حسن نفسه في الاستيلاء على الحكم ففر إلى الحبشة لتنتقل السلطة إلى جناح آخر بقيادة الأرباب دفع الله الذي اختار التفاوض مع إسماعيل باشا والتسليم له وفي 13 يونيو 1821م تم توقيع وثيقة التنازل عن السلطنة فأصبحت البلاد خاضعة للسيادة العثمانية عبر الإدارة التركية المصرية الجديدة وعُيّن الأرباب دفع الله شيخاً على منطقة سنار يتولى جمع الضرائب وتسليمها للإدارة الجديدة مقابل نسبة منها ورغم أن التنافس على القيادة ظاهرة طبيعية ومطلوبة في أي عمل سياسي فإن المشكلة السودانية تكمن في أن معظم الأحزاب لم تنجح في تحويل هذا التنافس إلى مؤسسات ولوائح وقواعد ديمقراطية مستقرة فالزعامات التي رفعت شعارات التجديد والتداول السلمي للسلطة تحولت هي نفسها إلى زعامات أبدية لا يغادر أصحابها مواقعهم إلا بالموت ومن هنا يمكن القول إن أزمة السودان ليست أزمة عسكرية فحسب بل هي في جانب كبير منها أزمة ثقافة سياسية وممارسة حزبية فالأحزاب التي تطالب العسكر بالتنحي كثيراً ما تعجز عن تطبيق المبدأ نفسه داخل مؤسساتها وبعض رؤساء الأحزاب أمضوا في مواقعهم عشرات السنين يفصلون من يشاؤون ويرقون من يشاؤون ويحتكرون القرار السياسي والتنظيمي ثم يطالبون الدولة كلها بممارسة الديمقراطية ولهذا السبب تتحول كل فترة انتقالية بعد أي ثورة إلى معركة لتصفية الحسابات مع النظام السابق فتظهر شعارات (التطهير) و(إزالة التمكين) و(تصفية آثار مايو) و(اجتثاث الفلول) وينقسم المجتمع إلى ثوار وخونة وفلول وشرفاء بينما تضيع سنوات الانتقال في الصراعات السياسية بدلاً من بناء الدولة ولعل ما جرى داخل الحزب الشيوعي قبل مؤتمره السادس يمثل نموذجاً واضحاً لهذه الأزمة حيث أُبعدت شخصيات بارزة مثل الدكتور الشفيع خضر وغادر آخرون الحزب إما بالإقصاء أو بالاستقالة بما أضعف فكرة التداول السلمي للقيادة داخل الحزب نفسه رغم أن الحزب ظل يرفع لواء الديمقراطية في خطابه السياسي العام إن المشكلة الحقيقية ليست في الشعارات التي ترفعها الأحزاب وإنما في الفجوة الهائلة بين هذه الشعارات والممارسة الفعلية فلا فرق جوهرياً بين زعيم حزبي يبقى في موقعه خمسين أو ستين عاماً وبين حاكم عسكري يتمسك بالسلطة المدة نفسها فكلاهما يعبر عن أزمة عميقة في الثقافة السياسية السودانية ومن رحم هذه الأزمة خرجت معظم الانقلابات العسكرية في السودان. فقد سلّم عبد الله خليل السلطة للفريق إبراهيم عبود هرباً من صراعات حزبه الداخلية ولجأ الشيوعيون إلى المؤسسة العسكرية بعد قرار حل حزبهم فكانت مايو ثم اختلفوا مع مايو فكانت يوليو وتطلع الإسلاميون إلى السلطة عبر الطريق العسكري فكانت 30 يونيو وسار البعثيون وغيرهم في الاتجاه نفسه كلما استعصى عليهم الوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع وهكذا ظل السودان أسيراً لدائرة جهنمية مغلقة أحزاب عاجزة عن ممارسة الديمقراطية داخلها وعسكر يستولون على السلطة بدعم حزبي ثم ينقلبون على حلفائهم فتتحول الأحزاب إلى معارضة تعبئ الشارع لإسقاطهم لتبدأ الدورة من جديد بثمن باهظ يدفعه المواطن السوداني من دمه وأمنه ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه لقد أسقط السودانيون جميع الدكتاتوريات تقريباً عبر الثورات الشعبية في أكتوبر 1964 وفي أبريل 1985واخيرا في ديسمبر 2019 لكن النخب السياسية والعسكرية معاً ما زالت تقرأ من الصفحة نفسها وتعيد إنتاج الأخطاء نفسها وتنتظر نتائج مختلفة وهنا تكمن المأساة الحقيقية أن النخب السودانية مثل البوربونيين الذين وصفهم تاليران قبل قرنين لم تتعلم شيئاً ولم تنس شيئاً

نواصل…
.