ضل الحراز
البوربونيون السودانيون… النخب التي لا تتعلم
(1)
بقلم علي منصور حسب الله
يمثل سلوك كثير من الأحزاب السياسية السودانية تجسيداً حياً للمقولة الشهيرة التي أطلقها السياسي والدبلوماسي الفرنسي شارل موريس تاليران في وصفه لأسرة آل بوربون عقب عودتها إلى عرش فرنسا بعد سقوط نابليون بونابرت (إنهم لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً) وآل بوربون المقصودون في هذه المقولة هم سلالة ملكية أوروبية بارزة يعود أصلها إلى بلدة بوربون لأرشامبو بوسط فرنسا وقد حكمت هذا البلد لفترات متقطعة بين عامي 1589م و 1848م وقادت البلاد خلال مراحل مفصلية من تاريخها من عصر الملكية المطلقة إلى الثورة الفرنسية ثم مرحلة إستعادة الملكية بعد سقوط نابليون ومع مرور الزمن تحولت عبارة تاليران إلى توصيف سياسي بالغ الدقة للنخب والأنظمة والأحزاب التي تعجز عن قراءة التحولات التاريخية فتكرر أخطاء الماضي وكأن شيئاً لم يحدث وتظل أسيرة للأحقاد القديمة والعقليات الجامدة غير قادرة على إستيعاب دروس التجربة أو التكيف مع الواقع الجديد.
ومن يتأمل مسار الحياة السياسية السودانية فى أعقاب ثورة أكتوبر 1964 يلحظ بوضوح أن كثيراً من القوى الحزبية وقعت في الفخ ذاته فبدلاً من التفرغ لبناء مشروع وطني يعالج أزمات الدولة السودانية المزمنة ويؤسس لحياة سياسية مستقرة، غرقت الأحزاب في دوامة الصراعات الحزبية الضيقة وتصفية الحسابات السياسية وانشغلت بمطاردة ما كانت تسميهم ب(سدنة النظام السابق) حتى أصبح السودانيون ينامون ويستيقظون على وقع المارشات العسكرية المنبعثة عبر إذاعة أم درمان في انتظار بيان جديد على وقع المقولة الشهيرة (بيان ترقبوه) يعلن وأد الديمقراطية بسقوط التجربة المدنية ودخول البلاد في عهد عسكري جديد وكانت المفارقة المؤلمة أن العسكر في كثير من الأحيان لم يأتوا على ظهر الدبابة وحدها بل جاؤوا أيضاً على أكتاف أحزاب ضاقت ذرعاً بالممارسة الديمقراطية نفسها أو رأت في الانقلاب العسكري وسيلة لتصفية خصوماتها السياسية.
وهكذا تحولت الديمقراطية السودانية في أحيان كثيرة إلى ساحة صراع مفتوح بين قوى لا تؤمن عملياً بالتداول السلمي للسلطة، إلا حين يخدم مصالحها المباشرة ولعل تجربة الحزب الشيوعي السوداني في ستينيات القرن الماضي تمثل مثالاً واضحاً على ذلك حين أدى قرار حل الحزب وطرد نوابه من البرلمان إلى تعميق أزمة النظام الديمقراطي وفتح الباب أمام مزيد من الاحتقان السياسي قبل أن ينفجر المشهد لاحقاً في صورة انقلاب عسكري أعاد إنتاج الأزمة بصورة أكثر تعقيداً لقد كان ذلك مؤشراً مبكراً على هشاشة الثقافة الديمقراطية لدى كثير من القوى السياسية السودانية التي تعاملت مع الديمقراطية باعتبارها أداة للغلبة لا إطاراً لإدارة التنوع والإختلاف، وعقب انتفاضة أبريل 1985 كررت القوى السياسية ذات الأخطاء القديمة فعادت الصراعات نفسها والخطابات نفسها وحملات الإنتقام السياسي ذاتها ضد من أطلقت عليهم (سدنة مايو) ودخلت البلاد مجدداً في موجة من التطهير الوظيفي والإقصاء السياسي وتحولت الخدمة المدنية إلى ساحة لتصفية الحسابات بينما إمتلأت المنابر السياسية والإعلامية بالحديث عن الفساد والثروات المنهوبة وعن أموال مزعومة في بنوك سويسرا وعن فساتين وثياب السيدة بثينة خليل زوجة الرئيس جعفر نميري وكأن أزمة السودان المعقدة تختزل في الملابس والحسابات البنكية والشعارات الشعبوية.لكن وكما حدث بعد أكتوبر لم تمضِ سوى سنوات قليلة حتى عادت المارشات العسكرية نفسها عبر إذاعة أم درمان تنادي الناس أن يترقبوا بيان عسكري يعلن أفول شمس الأحزاب التقليدية وصعود حكم عسكري جديد بينما ظلت القوى السياسية عاجزة عن مراجعة نفسها أو الإعتراف بأخطائها التي مهدت الطريق للإنقلابات وهي أخطاء كانت في كثير من الأحيان شريكاً مباشراً في صناعتها سواء بالصراع المستمر أو بالعجز عن إدارة الدولة أو بتحويل الديمقراطية إلى حالة من الفوضى السياسية المزمنة وحين انتظر السودانيون ثلاثين عاماً كاملة ليعود المدنيون مجدداً عبر الثورة السودانية 2018م، كان الأمل معقوداً على أن تكون النخب السياسية قد إستوعبت أخيراً دروس أكتوبر وأبريل وأنها تعلمت من فشل التجارب السابقة غير أن ما حدث كان صادماً لكثير من السودانيين إذ بدا وكأن (آل بوربون السودانيين) لم يتعلموا شيئاً بالفعل ولم ينسوا شيئاً أيضاً فتكرر المشهد بصورة تكاد تكون نسخة كربونية من الماضي.. الخطابات ذاتها وحملات التخوين نفسها والصراعات الحزبية ذاتها والإندفاع نحو الإنتقام السياسي نفسه والمطامع في كراسي الحكم ذاتها وإذا كان الحديث في ثمانينيات القرن الماضي يدور حول أموال الشعب السوداني المزعومة في بنوك سويسرا فقد ظهر هذه المرة من يتحدث عن عشرات المليارات المخبأة في بنوك ماليزيا وغيرها وإذا كانت لجان التطهير الوظيفي قد تصدرت المشهد بعد أكتوبر وأبريل فقد ظهرت بعد ثورة ديسمبر لجنة إزالة التمكين التي تحولت في نظر كثيرين من أداة لتحقيق العدالة وإسترداد الدولة إلى ساحة جديدة للصراع السياسي وتصفية الحسابات وإذا كان الإعلام في الماضي قد إنشغل بفساتين بثينة خليل وذهبها فقد إنشغل لاحقاً بالحديث عن أموال وشركات وذهب السيدة وداد بابكر زوجة الرئيس عمر حسن أحمد البشير وكأن الدولة السودانية بكل تعقيداتها التاريخية والإقتصادية والإجتماعية تختزل دائماً في قصص الإثارة السياسية والشخصنة الإعلامية، بينما تضيع القضايا الجوهرية المتعلقة ببناء الدولة والإصلاح المؤسسي والتنمية والعدالة الإنتقالية الحقيقية.والمؤلم في الأمر أن النخب السياسية السودانية ظلت تتعامل مع كل ثورة بإعتبارها فرصة للإنتقام وتقاسم السلطة لا بإعتبارها لحظة تاريخية لإعادة تأسيس الدولة الوطنية على أسس جديدة ولهذا ظلت الحلقة الجهنمية تتكرر بصورة تكاد تكون قدر السودان السياسي ثورة شعبية ثم صراع سياسي ثم إقصاء وتخوين ثم إنهيار للفترة المدنية ثم تدخل عسكري غالباً بمساعدة حزب غاضب أو تيار ناقم ثم إنتظار طويل لثورة جديدة تعيد إنتاج الأزمة ذاتها.
لقد فشلت الأحزاب السودانية في معظم تجاربها في التحول إلى مؤسسات سياسية حديثة تمتلك برامج حقيقية لإدارة التنوع ومعالجة الأزمات الإقتصادية وبناء دولة القانون والمؤسسات وظلت أسيرة الزعامات التاريخية والبنى الطائفية والعصبيات الأيديولوجية والتحالفات المؤقتة والشعارات العاطفية بينما كانت الدولة السودانية تتآكل تدريجياً من الداخل وتتراجع مؤسساتها وتتعمق أزماتها الإجتماعية والإقتصادية والأمنية ولعل أخطر ما في التجربة السياسية السودانية أن كثيراً من القوى الحزبية لم تدرك حتى الآن أن الديمقراطية ليست مجرد إسقاط نظام حاكم بل هي أيضاً القدرة على بناء توافق وطني وإحترام مؤسسات الدولة وإدارة الخلاف السياسي دون تحويله إلى معارك وجودية أو حملات إنتقام جماعي فالدول لا تبنى بالعزل السياسي وحده ولا بلجان التشفي ولا بخطابات الكراهية ولا بإعادة إنتاج الأحقاد القديمة تحت عناوين جديدة وقد أثبت التاريخ في السودان وغيره أن القوى التي تستخدم أدوات الإقصاء حين تصل إلى السلطة غالباً ما تصبح أول ضحايا تلك الأدوات عندما تتغير موازين القوة ولذلك فإن أزمة السودان الحقيقية ليست فقط في العسكر أو في المدنيين بل في العقلية السياسية التي ظلت تحكم العلاقة بين الجميع ،عقلية لا تؤمن بالشراكة ولا تتعلم من التجارب ولا تعترف بأخطائها بل تكرر الفشل ذاته في كل مرة ثم تتساءل بدهشة لماذا ينهار الوطن؟
إن أكبر تحد يواجه السودانيين اليوم ليس فقط إنهاء الحرب أو استعادة الحكم المدني بل بناء ثقافة سياسية جديدة تتجاوز إرث الانتقام والإقصاء وتؤمن بأن الوطن أكبر من الأحزاب وأبقى من الحكومات وأعمق من الشعارات المؤقتة فالسودان لا يحتاج فقط إلى تغيير الحكام بل يحتاج قبل ذلك إلى تغيير طريقة التفكير السياسي نفسها لأن الأوطان لا تنهار بسبب الخصوم وحدهم بل تنهار أيضاً حين تعجز نخبها عن التعلم من التاريخ.
نواصل…
