ضل الحراز : علي منصور حسب الله
أثارت الشكوى التي تقدم بها نادي المريخ ضد الهلال عقب مباراة القمة في ختام النسخة الثلاثين من الدوري السوداني الممتاز نقاشاً قانونياً واسعاً تجاوز حدود التنافس التقليدي بين الناديين ليطرح سؤالاً أكثر عمقاً يتعلق بمدى التزام الاتحاد السوداني لكرة القدم بلوائحه التي وضعها بنفسه ومدى سلامة تطبيقها على جميع الأندية دون استثناء فقد طعنت إدارة نادي المريخ في قانونية مشاركة عدد من لاعبي الهلال المجنسين ودفعت بأن الفريق الأزرق أشرك عملياً عدداً من اللاعبين الأجانب يفوق الحد المسموح به في اللائحة مستندة إلى أن بعض اللاعبين الذين تم احتسابهم كلاعبين وطنيين لا تتوافر فيهم شروط الأهلية الرياضية التي تمنحهم هذه الصفة.
إلا أن اللجنة المنظمة للمسابقات بالاتحاد السوداني لكرة القدم في اجتماعه يوم 14 يونيو 2026، برئاسة نائب رئيس الاتحاد السوداني رئيس اللجنة مولانا محمد سليمان حلفا وبمشاركة جميع أعضائها رفضت الشكوي من حيث المضمون بعد أن قبلته من حيث الشكل وجاء في حيثيات قرار اللجنة المنظمة (بعد نقاش الشكوى المقدمة من نادي المريخ ضد نادي الهلال بشأن بعدم قانونية مشاركة بعض لاعبي الهلال لمخالفتهم لائحة المنافسات بإشراك عدد أكثر من المسموح به من اللاعبين الأجانب في المباراة التي جمعت الفريقين ضمن الجولة الأخيرة لمرحلة النخبة من الدوري الممتاز يوم الأربعاء 10 يونيو 2026م واستعرضت اللجنة كافة المستندات والتقارير ذات الصلة بالشكوى، والمستندات المقدمة، إلى جانب اللوائح المنظمة للمنافسة والضوابط القانونية المعمول بها وبعد التداول والنقاش المستفيض قررت اللجنة قبول الشكوى من الناحية الشكلية لاستيفائها الشروط والإجراءات المنصوص عليها في اللوائح فيما قررت رفضها من الناحية الموضوعية لعدم ثبوت ما يستوجب اتخاذ أي إجراءات تؤثر على نتيجة المباراة فمشاركة لاعبي الهلال صحيحة) وأكدت اللجنة اعتماد نتيجة اللقاء كما وردت في تقرير حكم المباراة.
وكان قد شارك مع الهلال في المباراة مثار الشكوى عدد من اللاعبين من جنسيات مختلفة من بينهم الكونغولي إرنيست لوزولو والموريتاني أحمد سالم والبورندي جان كلود والناميبي أبروشيس بيتروس والسنغالي عثماني ديوف والنيجيري صنداي والغاني مامادو قمرديني والليبيري إيمانويل فلومو وتنص المادة (16) من لائحة الدوري السوداني على أن عدد اللاعبين الأجانب المشاركين داخل الملعب في وقت واحد لا يجوز أن يتجاوز خمسة لاعبين ومن هنا نشأ النزاع القانوني هل يعتبر اللاعب المجنس لاعباً وطنياً بمجرد حصوله على الجنسية السودانية أم أن الأمر يتطلب استيفاء شروط أخرى نصت عليها اللوائح المحلية والدولية؟ النص القانوني محل النزاع بالرجوع إلى التعديلات التي أصدرها الاتحاد السوداني لكرة القدم على لائحة أوضاع وانتقالات اللاعبين لسنة 2018 نجد أن تعريف اللاعب السوداني جاء على النحو الآتي (اللاعب الذي تسمح له اللوائح الدولية بالمشاركة مع إحدى المنتخبات الوطنية السودانية ويحمل الجنسية السودانية) كما نصت المادة (38) من اللائحة على (يجوز تغيير تصنيف اللاعب من غير سوداني إلى سوداني إذا كانت لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم تسمح له بالمشاركة مع أي من المنتخبات الوطنية السودانية) ويكتمل البناء القانوني للنصوص من خلال المادة (61/ب) التي تقضي بأنه (في الحالات التي لا يرد فيها نص في هذه اللائحة تطبق أحكام اللائحة الدولية لأوضاع وانتقالات اللاعبين الصادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)) وهذه النصوص مجتمعة تقود إلى نتيجة قانونية مهمة وهي أن المشرع الرياضي السوداني لم يكتفِ بحمل الجنسية السودانية وحدها وإنما اشترط أيضاً أن تسمح لوائح الفيفا للاعب بالمشاركة مع المنتخبات الوطنية السودانية.
هنا يجب التوقف عند نقطة جوهرية كثيراً ما يختلط فهمها في النقاشات الرياضية فالجنسية السياسية حق سيادي خالص للدولة ومن حق السودان أو أي دولة أخرى أن يمنح جنسيته لأي شخص وفقاً لقوانينه الوطنية وبمجرد منح الجنسية يصبح الشخص مواطناً سودانياً كامل الحقوق من الناحية الدستورية والقانونية لكن الفيفا تميز بين المواطنة القانونية والأهلية الرياضية فالجنسية وحدها لا تكفي تلقائياً لمنح اللاعب حق تمثيل المنتخب الوطني بل تشترط الفيفا وجود رابطة حقيقية بالدولة سواء عن طريق الأب أو الأم أو الجد أو الجدة أو من خلال استيفاء شروط الإقامة المحددة في لوائحها وبالتالي قد يكون اللاعب سودانياً أمام سلطات الدولة لكنه لا يكون سودانياً من الناحية الرياضية وفقاً للوائح الفيفا وهذا بالضبط ما أراد الاتحاد السوداني معالجته عندما ربط صفة اللاعب السوداني بإمكانية تمثيل المنتخبات الوطنية السودانية وليس بمجرد الحصول على جواز السفر وجوهر الشكوى إذا ثبت أن اللاعب المجنس لا تسمح له لوائح الفيفا بتمثيل المنتخبات الوطنية السودانية فإن السؤال القانوني يصبح مشروعاً كيف تم اعتباره لاعباً وطنياً داخل المنافسات المحلية؟ وإذا كان النص يشترط إمكانية تمثيل المنتخب الوطني حتى يكتسب اللاعب صفة اللاعب السوداني فإن أي تفسير مخالف لذلك قد يؤدي إلى إفراغ النص من مضمونه القانوني فالقاعدة الأصولية المستقرة تقول إن النص إذا كان واضحاً فلا مجال للاجتهاد في مواجهته كما أن الجهة التي تضع اللائحة هي أول من يلتزم بتطبيقها واحترامها ولا يجوز لها تجاوز نصوصها أو تفسيرها بطريقة تؤدي إلى نتائج تناقض مقصود المشرع الرياضي في تقديري فإن القضية لا تتعلق بالهلال أو المريخ بقدر ما تتعلق بمبدأ سيادة القانون الرياضي فاللوائح لا توضع لخدمة نادٍ معين ولا يجوز أن تُفسَّر بحسب هوية المستفيد منها أو المتضرر منها كما أن العدالة الرياضية لا تتحقق بمجرد إصدار اللوائح وإنما تتحقق بتطبيقها على الجميع بذات المعايير وذات التفسير وذات الإجراءات وإذا كان الاتحاد يرى أن اللاعب المجنس يكتسب صفة اللاعب الوطني بمجرد حصوله على الجنسية السودانية فعليه أن يوضح الأساس القانوني الذي استند إليه في ذلك وكيف ينسجم هذا التفسير مع نص المادة (38) وتعريف اللاعب السوداني الوارد في اللائحة أما إذا كان النص يشترط بالفعل أهلية تمثيل المنتخب الوطني فإن تطبيق هذا الشرط يجب أن يكون شاملاً وملزماً للجميع دون استثناء إن القضية المطروحة اليوم ليست مجرد شكوى تتعلق بنتيجة مباراة أو بلقب بطولة بل هي اختبار حقيقي لمبدأ سيادة القانون داخل المنظومة الرياضية السودانية.
فإما أن تكون اللوائح ملزمة للجميع وإما أن تتحول إلى نصوص قابلة للتأويل وفق المصالح والظروف ولذلك يبقى السؤال قائماً إذا كانت لائحة الاتحاد السوداني لكرة القدم تشترط أن تسمح لوائح الفيفا للاعب بالمشاركة مع المنتخبات الوطنية السودانية حتى يكتسب صفة اللاعب السوداني فهل استوفى اللاعبون المجنسون الذين دار حولهم الجدل هذه الشروط بالفعل؟ إن الإجابة القانونية الواضحة والشفافة على هذا السؤال هي وحدها الكفيلة بحسم الجدل وصون نزاهة المنافسة وترسيخ الثقة في مؤسسات العدالة الرياضية السودانية.
