من حاكمية المعجزة إلى حاكمية الكتاب: كيف أسست الرسالة المحمدية للدولة المدنية؟
٢٠٢٦/٠٦/١٩
د. الهادي عبدالله أبوضفائر
تُعد الرسالة الخاتمة واحدة من أعظم التحولات المعرفية في تاريخ الإنسانية، لا لأنها أضافت شريعة جديدة إلى سجل الشرائع، أنما أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والوحي، وبين السلطة والعقل، وبين الدين والتاريخ.
في التحولات الكبرى للوعي لم تأت الرسالة لتجمّد حركة التاريخ، وإنما لتعيد توجيه الوعي من منطق الوصاية إلى أفق المسؤولية، ومن انتظار المعجزة إلى إدراك سنن الوجود. فغدا الإنسان فاعلاً في التاريخ لا متلقياً له، وتحوّلت القيم إلى هداية للعقل في فهم العمران وصناعة الواقع.
في المراحل الدينية السابقة ارتبطت الحاكمية بالمعجزة بوصفها استثناءً خارقاً يحسم الصراع بين الحق والباطل عبر صدمة حسية مباشرة. غير أن الرسالة الخاتمة نقلت مركز الثقل من سلطان المعجزة إلى سلطان الفكرة، ومن هيمنة المفاجأة الخارقة إلى مرجعية النص، فصار الاحتكام للعقل والبرهان بدلاً من الدهشة والإبهار.
من أخطر ما شاع في قراءة التاريخ الديني الظنّ بأن تراجع المعجزة المادية يعني تخلي العناية الإلهية، بينما هو انتقال في مستوى الخطاب الإلهي لا انقطاع فيه. فالمسألة ليست تراجعاً في التأييد، وإنما انتقال بالإنسان من الاتكاء على التوجيه إلى ممارسة الوعي، ومن انتظار الإرشاد المباشر إلى حمل أمانة الاختيار وصناعة الواقع.
مثّلت الرسالة الخاتمة ارتقاءً بالإنسانية إلى طور الرشد الحضاري، حيث حلّ منطق السنن محل انتظار التدخل الخارق. فأصبحت العلوم والمعارف ميدان الفعل والمسؤولية، وغدا التقدم أو التراجع ثمرةً مباشرة للوعي والعمل والعدل ضمن قوانين ثابتة تحكم حركة الحياة.
ومن هنا تتجلى حاكمية الكتاب بوصفها سيادةً للمبدأ لا للشخص، ومرجعيةً للقيم لا للوصاية. فالكتاب لم يُنزَل ليحلّ محل الإنسان في إدارة واقعه، بل ليضع الميزان الذي تخضع له جميع السلطات، فيستوي أمامه الحاكم والمحكوم، والقوي والضعيف.
أرست لحظة التأسيس في المدينة تحولاً في بنية الاجتماع الإنساني، متجاوزةً منطق العصبية إلى أفق العقد، ومن التشتت إلى الوحدة السياسية، حيث غدت العدالة مرجعيةً جامعة تنتظم في ضوئها الحقوق والواجبات.
المدينة ليست نموذج دولة دينية منغلقة كما تُختزل في بعض القراءات، بل تجربة مبكرة للاعتراف بالتعدد داخل كيان سياسي واحد، تأسس على المواطنة والعهد العام لا على التطابق العقدي، وعلى شراكة سياسية وأخلاقية في حفظ السلم والدفاع المشترك والالتزام بالنظام.
لقد كان هذا تحولاً هائلاً في تاريخ السياسة الإنسانية، إذ انتقل المجتمع من سؤال من أي قبيلة أنت؟ إلى سؤال، ما موقعك من العقد الذي ينظم حياتنا المشتركة؟. وبذلك تراجعت مركزية النسب لصالح مركزية القانون، وتراجعت العصبية لصالح المسؤولية العامة.
في الرؤية القرآنية يتجلى الغيب داخل سنن التاريخ لا خارجه، فلا يكون التدخل الإلهي بديلاً عن الفعل الإنساني، بل امتداداً له وتأكيداً لشروطه. فالمدد الغيبي لا ينفصل عن الجهد البشري، والسنن الكونية لا تُثمر دون مقدماتها، ليظل الفعل الإنساني شرطاً سابقاً لكل تأييد غيبي.
الرسالة الخاتمة لم تُنشئ إنسان يعلّق وجوده على حلولٍ قادمة من السماء وإنما إنسان الفعل، فحوّلت العلاقة مع السماء من انتظارٍ سلبي إلى هداية مُنتجة للعمل. وهكذا انتقل الإنسان من موقع المتفرّج إلى موقع الصانع، مستنداً إلى الكتاب مرجعيةً والعقل أداةً، ليغدو العمران مسؤولية وجود لا انتظار خلاص.
لا تكمن الأزمة في الدين، وإنما في طريقة قراءته، الذي أعاد إنتاجه خارج مقصده التأسيسي إذ تحول في بعض التصورات من مشروع يرسخ سنن الفعل إلى خطاب ينتظر المعجزة، ويستعيض عن بناء المؤسسات بالاتكاء على الغيب.
تمثّل الرسالة إعلاناً تاريخياً بانتهاء منطق الوصاية وبداية مسؤولية الإنسان عن مصيره، إذ أُنيطت به أمانة الحرية والعقل والكتاب ليكون فاعلاً في صناعة تاريخه لا متلقياً له. ومن هنا لا تُفهم حاكمية الكتاب بوصفها سلطة رجال على مجتمع، بل سلطة قيم جامعة تُخضع الجميع دون استثناء لمعيار العدل.
لم تكن المدينة مجرد نشوء كيان سياسي، بل لحظة تأسيس لدولة وطنية مدنية أعادت صياغة الانتماء من العصبية إلى العقد، ومن الانغلاق إلى التعدد، مما أتاح الانتقال من منطق التنافر إلى أفق التعايش. فغدت فضاءً يقوم على المواطنة والحقوق والواجبات، ويوازن بين وحدة الدولة وتنوع مكوّناتها، وهذا ما جعلها أحد المنعطفات المبكرة في تشكّل فكرة الدولة المدنية في التاريخ الإنساني،
abudafair@hotmail.com
