ضل الحراز: علي منصور حسب الله
إذا تجاوزنا الجدل الذي صاحب الإعلان عن منح أول رخصة لتشغيل محوّل المعاملات المصرفية وقرار إلغاء الرخصة خلال (72) ساعة فإن القضية تصبح أعمق من مجرد ترخيص منح ثم تم إلغائه فالمسألة في حقيقتها ليست متعلقة بشركة العسجد للحلول الرقمية الذكية وحدها ولا بقرار بنك السودان المركزي في حد ذاته وإنما بالطريقة التي تُدار بها الملفات الاستراتيجية داخل مؤسسات الدولة وبمدى التزامها بمبادئ الحوكمة والشفافية وسيادة القانون.
إن التجارب الدولية، سواء في الهند أو مصر أو إثيوبيا أو غيرها وتؤكد أن النماذج تختلف بين الدول فبعضها يعتمد على شركات تمتلكها البنوك وبعضها على شركات خاصة وبعضها على مؤسسات مختلطة لكن ما يجمع بينها جميعًا هو وضوحط القواعد وشفافية إجراءات الترخيص واستمرار الرقابة من قبل البنك المركزي لأن الثقة في أنظمة المدفوعات لا تُبنى على التكنولوجيا وحدها وإنما على سلامة الإطار المؤسسي الذي يحكمها وإذا كان النقاش قد انصب في معظمه على شركة العسجد فإن السؤال المؤسسي الأهم يتعلق بالجهة التي كانت تضطلع أصلًا بإدارة البنية التحتية للمدفوعات في السودان وهي الشركة السودانية للخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS) فهذه الشركة ليست كياناً طارئاً على القطاع المصرفي وإنما تعد إحدى أهم المؤسسات الوطنية التي ارتبط اسمها بتطور الخدمات المصرفية الإلكترونية منذ تأسيسها عام 1999 وخلال أكثر من ربع قرن أسهمت في بناء منظومة الدفع الإلكتروني وربط المصارف وتطوير خدمات الصرافات الآلية ونقاط البيع والتحويلات الإلكترونية واكتسبت خبرات تراكمية وكوادر فنية متخصصة وظلت تواكب التطورات التقنية التي يشهدها القطاع المصرفي ومن هنا يبرز سؤال مشروع إذا كانت لدى بنك السودان المركزي شركة وطنية تمتلك هذه الخبرات فما هي المبررات الفنية والاقتصادية التي دفعت إلى منح أول رخصة لتشغيل محوّل المعاملات المصرفية لشركة خاصة؟ هل أصبحت EBS غير قادرة على مواكبة التطور التقني؟ وهل أجريت دراسة مستقلة أثبتت وجود قصور في بنيتها الفنية أو التشغيلية؟ أم أن الهدف كان فتح السوق أمام أكثر من مشغل بما يعزز المنافسة والابتكار؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تُنشر الدراسة أو المبررات التي استند إليها هذا التحول حتى يطلع عليها القطاع المصرفي والرأي العام؟
إن أي تغيير في إدارة بنية تحتية وطنية بهذا الحجم ينبغي أن يسبقه تقييم علمي واقتصادي واضح يقارن بين تطوير المؤسسة الوطنية القائمة وإنشاء مشغل جديد ويبين الكلفة والعائد والمخاطر لكل خيار فالإدارة الرشيدة لا تقوم على استبدال المؤسسات وإنما على تقييم أدائها ومعالجة أوجه القصور إن وجدت واختيار البديل الذي يحقق أعلى منفعة للدولة والقطاع المالي ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية هل كان المقصود أن تحل الشركة الجديدة محل EBS أم أن تعمل إلى جانبها؟ وهل كان المشروع يهدف إلى التكامل بين الجهتين أم إلى نقل بعض الاختصاصات أم إلى إعادة هيكلة كاملة لمنظومة الدفع الإلكتروني في السودان؟ هذه أسئلة لا تمس شركة بعينها وإنما تتعلق بالسياسات العامة للدولة وبحق المتعاملين مع الجهاز المصرفي في معرفة مستقبل المنظومة التي تعتمد عليها معاملاتهم اليومية ويبرز هنا جانب آخر من النقاش يتعلق بالسيادة الرقمية وهو من أكثر الجوانب حساسية في أي مشروع يتعلق بأنظمة المدفوعات فمن يملك البنية التحتية الحقيقية للنظام؟ وهل هي بنك السودان المركزي؟ أم الشركة المشغلة؟ ومن يملك البرمجيات الأساسية والكود المصدري للنظام؟ ومن يحتفظ بمفاتيح التشفير الرئيسية؟ ومن يملك قواعد البيانات التي تحتوي على سجلات المعاملات؟ وهل يقتصر دور الشركة على التشغيل الفني وفق صلاحيات محددة أم سيكون لها أي مستوى من الوصول إلى البيانات المالية؟ فهذه الأسئلة ليست افتراضات نظرية بل هي جزء من معايير الحوكمة التي تطبقها الدول عند تشغيل البنى التحتية المالية الحرجة
كما تبرز مسألة أخرى تتعلق بمراكز البيانات التي سيعمل عليها النظام أين توجد الخوادم الرئيسية؟ وأين توجد مراكز النسخ الاحتياطي؟ وهل هي داخل السودان أم خارجه؟ وإذا كانت خارج البلاد فما هي الاعتبارات الفنية والقانونية التي استند إليها هذا الخيار؟ وما هو القانون الذي سيحكم البيانات إذا كانت مخزنة في دولة أخرى؟ وهل تستطيع الدولة استعادة جميع بياناتها وتشغيل النظام بصورة مستقلة إذا انتهى العقد مع الشركة أو نشأ نزاع قانوني أو تقني؟ وفي عصر أصبحت فيه البيانات أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدول فإن هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن الأسئلة المتعلقة بالأموال نفسها ولا يقف الأمر عند حدود البيانات بل يمتد إلى الأمن السيبراني الذي أصبح اليوم خط الدفاع الأول عن الأنظمة المالية فهل خضعت المنصة لتدقيق أمني مستقل؟وهل أُجريت اختبارات اختراق بواسطة جهات متخصصة؟ وهل توجد شهادات اعتماد دولية في أمن المعلومات وإدارة المخاطر؟ وهل أعدت الشركة خطة واضحة لاستمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث؟ وهل يستطيع بنك السودان المركزي التدخل الفوري لإدارة النظام إذا تعرض لهجوم إلكتروني أو عطل واسع؟ كما تبرز أسئلة أخرى تتعلق بحدود العلاقة بين الشركة المشغلة والدولة فهل يظل البنك المركزي هو المالك الوحيد للبنية التحتية بينما تؤدي الشركة دور المشغل التقني فقط؟ أم أن هناك حقوقًا تشغيلية أو تقنية تمنح الشركة صلاحيات أوسع؟ وهل توجد عقود تنظم بصورة دقيقة حدود المسؤولية بين الطرفين وتحدد الالتزامات القانونية والفنية في حال وقوع أي خلل؟ ومن الجوانب التي تستحق كذلك توضيحًا رسمياً هيكل ملكية الشركة فهل تضم مساهمين أو شركاء من خارج السودان؟ وإذا كانت تستعين بخبرات أو شركات تقنية أجنبية فما طبيعة هذه العلاقة؟ وهل تقتصر على توفير الحلول التقنية أم تمتد إلى التشغيل أو إدارة أجزاء من المنظومة؟ إن التعاون مع الشركات الأجنبية في مجال التكنولوجيا المالية أمر معمول به في مختلف دول العالم ولا يمثل في حد ذاته موضع اعتراض لكن ما يهم هو أن تكون العلاقة التعاقدية واضحة وأن تبقى السيادة الكاملة على البيانات وحق الرقابة وقرار التشغيل بيد الدولة ومؤسساتها المختصة إن الفرق كبير بين الاستفادة من خبرات تقنية عالمية عبر عقود واضحة وبين التخلي عن السيطرة على منظومة مالية سيادية أو السماح بوصول غير منضبط إلى بيانات شديدة الحساسية ولهذا فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينصرف إلى أسماء الشركات أو الأشخاص وإنما إلى طبيعة النموذج الذي كان يراد اعتماده لإدارة البنية التحتية الوطنية للمدفوعات وإلى الضمانات القانونية والفنية التي تكفل حماية الأمن المالي وصيانة بيانات المواطنين والحفاظ على سيادة الدولة الرقمية فكلما كانت هذه الضمانات واضحة ومعلنة ازدادت ثقة المواطنين والقطاع المصرفي والمستثمرين في المشروع وكلما غابت أو اكتنفها الغموض بقيت الأسئلة قائمة لأن الثقة في الأنظمة المالية لا تُبنى على حسن النوايا وإنما على وضوح الإجراءات وقوة المؤسسات وفعالية الرقابة واستقلالية الجهات المنظمة وإذا كانت الجوانب الفنية والتشغيلية تمثل أحد أركان هذا النقاش فإن الركن الأكثر أهمية يتمثل في الإطار القانوني والمؤسسي الذي يحكم إدارة أنظمة المدفوعات الوطنية فالقضية لم تعد مجرد اختيار شركة لتقديم خدمة تقنية وإنما أصبحت تتعلق بإدارة جزء من البنية التحتية المالية للدولة وهي بنية ترتبط ارتباطاً مباشراً بالسياسة النقدية والاستقرار المالي والأمن الاقتصادي ومن هنا يبرز سؤال قانوني أساسي هل تسمح التشريعات السودانية النافذة وفي مقدمتها قانون بنك السودان المركزي والقوانين المنظمة للعمل المصرفي وأنظمة الدفع بإسناد تشغيل جزء من البنية التحتية الوطنية للمدفوعات إلى شركة خاصة؟ وإذا كانت الإجابة نعم فما هي الضوابط التي تحكم هذا الإسناد؟ وهل توجد لوائح منشورة تحدد حدود المسؤولية ومستويات الرقابة وآليات التدخل عند وقوع أي خلل فني أو أمني أو مالي؟ وهل تم الالتزام بهذه اللوائح في هذه الحالة؟ إن هذه الأسئلة ليست اعتراضاً على مبدأ الاستعانة بالقطاع الخاص وإنما تتعلق بضرورة أن يستند أي قرار يمس البنية المالية السيادية إلى أساس قانوني واضح وإجراءات معلنة يمكن مراجعتها والتأكد من سلامتها فبنك السودان المركزي لا يؤدي دوراً مصرفيًا عادياً بل يتولى مسؤوليات سيادية تشمل إدارة السياسة النقدية والمحافظة على استقرار النظام المالي والإشراف على المصارف وتنظيم أنظمة الدفع والتسوية وإدارة الاحتياطيات وتعزيز سلامة الجهاز المصرفي ولذلك فإن أي قرار يتعلق بمنظومة المدفوعات يجب أن ينسجم مع هذه المسؤوليات وأن يعززها لا أن يثير تساؤلات حولها وفي المقابل تضطلع وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي بإدارة المال العام وإعداد الموازنة العامة وتحصيل الإيرادات وإدارة الإنفاق الحكومي وقد استقرت التجارب الاقتصادية الحديثة على ضرورة التكامل بين السياسة النقدية التي يقودها البنك المركزي والسياسة المالية التي تقودها وزارة المالية مع الحفاظ على استقلال كل مؤسسة في حدود اختصاصاتها القانونية ومن هذا المنطلق يبرز سؤال دستوري ومؤسسي يستحق التوضيح ما هو الأساس القانوني الذي استندت إليه التعديلات الأخيرة في تحديد تبعية بنك السودان المركزي؟ وهل أثرت تلك التعديلات في استقلالية البنك أو في آليات اتخاذ القرار داخله؟ وكيف انعكس ذلك على إدارة المشروعات الاستراتيجية ذات الصلة بالتحول الرقمي والبنية التحتية المالية؟ كما يثور تساؤل آخر يتعلق بالأدوار المؤسسية فقد كان من المعلن أن يرعى حفل تدشين المشروع عضو مجلس السيادة الفريق مهندس بحري ركن إبراهيم جابر كريم وهنا لا يتعلق السؤال بالرعاية البروتوكولية في حد ذاتها وإنما بطبيعة الدور المؤسسي فهل اقتصر دور مجلس السيادة على الرعاية السياسية للمشروع أم كانت له مشاركة في مراحل الإعداد أو اتخاذ القرار؟ وأين تقف حدود الاختصاص بين السلطة التنفيذية والبنك المركزي والجهات الأخرى في مثل هذه الملفات؟ إن وضوح الاختصاصات ليس مسألة شكلية بل هو أحد أهم مبادئ الحوكمة الرشيدة لأنه يمنع تضارب المسؤوليات ويضمن مساءلة كل جهة عن اختصاصها المحدد ومن القضايا التي تستحق الوقوف عندها أيضاً مسألة المسؤولية القانونية فإذا وقع لا قدر الله اختراق إلكتروني أو تعطل واسع في الخدمة أو فقدان لبيانات أو أخطاء أثرت في التحويلات المالية فمن يتحمل المسؤولية القانونية؟ هل تتحملها الشركة المشغلة باعتبارها المسؤولة عن التشغيل؟ أم يتحملها بنك السودان المركزي باعتباره الجهة المنظمة والمشرفة؟ أم أن المسؤولية ستكون مشتركة وفقاً للعقود المبرمة بين الطرفين؟وهل تتضمن تلك العقود بنوداً واضحة تتعلق بالتعويضات واستمرارية الخدمة وخطط الطوارئ وحقوق الدولة في التدخل أو استرداد إدارة النظام عند الضرورة؟
كما يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية يتعلق بسلطات الرقابة فهل يحتفظ بنك السودان المركزي بحق التدخل الفوري في تشغيل المنظومة إذا ظهرت مؤشرات على وجود خلل أو مخاطر تهدد استقرار النظام المالي؟
وهل يستطيع تعليق الترخيص أو سحبه بصورة مباشرة إذا أخلت الشركة بالشروط الفنية أو التنظيمية؟ وهل توجد مراجعات دورية مستقلة للتأكد من استمرار التزام المشغل بجميع المعايير التي منح الترخيص على أساسها أم أن الرقابة تقتصر على مرحلة الترخيص فقط؟ إن أفضل الممارسات الدولية تؤكد أن الرقابة لا تنتهي بمنح الترخيص بل تبدأ بعده فالمشروعات التي تمس البنية التحتية الوطنية تحتاج إلى متابعة مستمرة وتقييم دوري وتحديث دائم لمعايير الأمن السيبراني وإدارة المخاطر لأن التهديدات التقنية تتطور باستمرار
ومن زاوية أخرى تفرض هذه القضية سؤالًا يتعلق بحق المجتمع في المعرفة فالمشروعات السيادية لا يكفي أن تكون قانونية بل يجب أن تكون شفافة أيضاً ومن حق المواطنين والقطاع المصرفي والجهات الاقتصادية أن يعرفوا الأساس الذي بُنيت عليه القرارات والمعايير التي استندت إليها والضمانات التي تحمي النظام المالي إن الإفصاح المؤسسي لا يضعف الدولة بل يقويها لأنه يعزز الثقة في قراراتها ويمنحها المصداقية أمام الرأي العام والمستثمرين والشركاء الدوليين ولهذا فإن القضية في جوهرها ليست قضية ترخيص مُنح ثم أُلغي وليست قضية شركة خاصة أو مؤسسة عامة وإنما هي اختبار حقيقي لقدرة مؤسسات الدولة على إدارة الملفات الاستراتيجية وفقاً للقانون وبأعلى درجات الشفافية والحوكمة والمساءلة فالدول الحديثة لا تُبنى فقط على قوة القوانين وإنما على حسن تطبيقها ولا على امتلاك التكنولوجيا وحدها وإنما على امتلاك المؤسسات القادرة على إدارة هذه التكنولوجيا بكفاءة واستقلالية ومسؤولية وعندما يتعلق الأمر بمنظومة تتحكم في تدفقات الأموال وتخدم المصارف وتحفظ بيانات ملايين المواطنين فإن وضوح الإطار القانوني والمؤسسي يصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي الاقتصادي وليس مجرد تفصيل إداري يمكن تجاوزه بعد استعراض الجوانب الفنية والقانونية والمؤسسية للقضية يبقى محور آخر لا يقل أهمية يتعلق بالشركة التي حصلت على الرخصة وطبيعة خبرتها وشراكاتها ومدى جاهزيتها لإدارة مشروع بهذه الحساسية فبحسب المعلومات المنشورة فإن شركة ASD Smart Digital Solutions تأسست عام 2022 ثم دخلت في شراكات تقنية مع عدد من المؤسسات المصرفية وأبرمت في عام 2026 شراكة مع شركة BanknBox المصرية المتخصصة في حلول التكنولوجيا المالية قبل أن تحصل لاحقاً على أول رخصة لتشغيل محول المعاملات المصرفية ولا شك أن الشراكات التقنية مع شركات متخصصة تمثل ممارسة مألوفة في قطاع التكنولوجيا المالية ولا يمكن اعتبارها في حد ذاتها مؤشراً سلبياً أو دليلاً على ضعف الشركة فمعظم شركات التكنولوجيا الكبرى حول العالم تعتمد على تحالفات وشراكات استراتيجية لتطوير حلولها التقنية لكن في المقابل فإن طبيعة المشروع تفرض أسئلة مشروعة ينبغي أن تجد إجابات واضحة فهل كانت الخبرة التشغيلية المتراكمة للشركة كافية لإدارة منظومة وطنية بهذا الحجم؟ وهل سبق لها تشغيل أنظمة مماثلة داخل السودان أو خارجه؟ وهل خضعت قدراتها الفنية لتقييم مستقل وفق معايير دولية؟ وهل تمتلك الكوادر البشرية ومراكز الدعم، والبنية التقنية وخطط الطوارئ التي تؤهلها لإدارة نظام يعمل على مدار الساعة ويُتوقع أن يدير ملايين العمليات المالية مستقبلاً؟ كما يبرز سؤال يتعلق بطبيعة الشراكة مع الشركات الأجنبية فهل تقتصر تلك الشراكات على توفير البرمجيات والدعم الفني ونقل المعرفة أم تمتد إلى تشغيل أجزاء من المنظومة أو إدارة بعض مكوناتها؟ وهل تحتفظ الدولة بالسيادة الكاملة على البيانات ومفاتيح التشفير، والكود المصدري وحق إدارة النظام في جميع الظروف؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تحمي الدولة وحدها بل تحمي كذلك الشركة نفسها من أي اتهامات أو تأويلات لا تستند إلى حقائق ومن زاوية أخرى أثار حفل تدشين المشروع وما صاحبه من تغطية إعلامية واسعة قدراً كبيراً من الجدل فقد اختير أحد الفنادق الفاخرة بمدينة بورتسودان لاستضافة المناسبة في وقت تمر فيه البلاد بظروف اقتصادية وإنسانية معقدة ورغم أن مكان انعقاد أي فعالية لا يحدد مشروعية المشروع من عدمها فإن المؤسسات العامة مطالبة بمراعاة الرسائل الرمزية التي تبعث بها إلى المواطنين خاصة في أوقات الأزمات حيث يصبح ترشيد الإنفاق وإظهار الحس بالمسؤولية جزءاً من بناء الثقة العامة كما أثار غياب بعض المسؤولين الذين كان من المتوقع حضورهم وفي مقدمتهم الفريق مهندس بحري ركن ابراهيم جابر ومحافظ بنك السودان المركزي وعدد من مديري المصارف تساؤلات في الأوساط الاقتصادية والإعلامية ولا يجوز تفسير هذا الغياب على أنه دليل على وجود خلافات أو اعتراضات دون معلومات رسمية لكن توضيح أسبابه كان كفيلاً بإغلاق باب التكهنات لأن إدارة الملفات السيادية تحتاج إلى أعلى درجات الوضوح والاتساق في الخطاب المؤسسي ومن القضايا التي تستحق الوقوف عندها أيضاً ورشة الدفع الإلكتروني التي سبقت منح الرخصة والتي أوصت بتوحيد منصة المدفوعات وتعزيز الشمول المالي والاستفادة من القدرات التقنية المتاحة ولا خلاف حول أهمية هذه التوصيات لكن يبقى السؤال هل كانت الورشة مجرد منصة لتبادل الرؤى والأفكار أم أصبحت جزءاً من المسار المؤسسي الذي انتهى بمنح الرخصة؟ وإذا كانت كذلك فما هي المراحل القانونية والفنية التي مرت بها التوصيات قبل أن تتحول إلى قرار تنفيذي؟ إن الورش العلمية تسهم في صناعة الأفكار لكنها لا تغني عن الإجراءات القانونية ولا تحل محل التقييم الفني ولا تعفي الجهات المختصة من واجب الالتزام بمبادئ المنافسة والشفافية ولعل أهم ما كشفته هذه القضية هو الحاجة إلى تطوير الإطار المؤسسي المنظم لأنظمة الدفع في السودان بما يواكب التحولات العالمية في التكنولوجيا المالية ويجمع بين تشجيع الابتكار وحماية الأمن الاقتصادي ومن هنا فإن هذه القضية تفرض جملة من الاستحقاقات المؤسسية، من أبرزها نشر معايير منح تراخيص مشغلي أنظمة الدفع بصورة واضحة ومتاحة للجميع ووضع إطار تنافسي يضمن تكافؤ الفرص بين جميع الشركات المؤهلة وإخضاع المشروعات ذات الطبيعة السيادية لمراجعات فنية وقانونية مستقلة قبل اعتمادها وتعزيز الرقابة المستمرة على مشغلي البنية التحتية المالية وعدم الاكتفاء بمرحلة الترخيص وضمان أن تظل ملكية البيانات ومفاتيح التشفير والبنية التحتية السيادية تحت السيطرة الكاملة للدولة ونشر نتائج أي تحقيق أو مراجعة تتعلق بهذا الملف حتى تُبنى الثقة على الحقائق لا على الشائعات وفي الوقت نفسه ينبغي أن يكون واضحاً أن تشجيع الشركات الوطنية الناشئة والاستفادة من الابتكار، يمثلان هدفًا مشروعاً لا يتعارض مع متطلبات الأمن المالي بل إن الاقتصادات الحديثة تقوم على إتاحة الفرصة للكفاءات الجديدة شريطة أن تخضع للمعايير نفسها التي تُطبق على الجميع دون استثناء أو تمييز لقد أثارت هذه القضية نقاشًا واسعاً وربما كان ذلك في حد ذاته أمراً صحياً لأنه أعاد إلى الواجهة قضايا الحوكمة والشفافية والمساءلة والسيادة الرقمية وهي موضوعات ستظل حاضرة بقوة كلما اتجه السودان نحو التحول الرقمي وتحديث مؤسساته المالية وفي ختام هذه السلسلة يبقى التأكيد على أن القضية ليست قضية شركة ولا قضية أشخاص ولا حتى قضية ترخيص مُنح ثم أُلغي.إنها قضية تتعلق بكيفية إدارة الدولة لملفاتها الاستراتيجية وبقدرة مؤسساتها على اتخاذ قرارات تستند إلى القانون وتُبنى على الكفاءة وتُدار بالشفافية وتخضع للمساءلة فالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي نظام مالي وهذه الثقة لا تُصنع بالبيانات الإعلامية ولا بحملات التأييد أو المعارضة وإنما تُبنى عندما تكون الإجراءات واضحة والمعايير معلنة والقرارات قابلة للمراجعة والمؤسسات قادرة على محاسبة نفسها قبل أن يحاسبها الآخرون وعندما تصل الدولة إلى هذه المرحلة، فلن يكون السؤال لماذا مُنحت الرخصة لهذه الشركة؟ بل سيكون السؤال الأهم هل انتصرت المؤسسات للقانون وحمت المال العام وصانت الأمن الاقتصادي ورسخت ثقة المواطنين في مستقبل النظام المالي السوداني؟
ذلك هو التحدي الحقيقي… وهو المعيار الذي سيحكم عليه التاريخ لا أسماء الشركات ولا الأشخاص ولا الضجيج الذي يرافق كل مشروع جديد
