الحوار السوداني ـ السوداني.. من إطفاء الحرب إلى بناء الدولة (1)

ضل الحراز : علي منصور حسب الله

 

الحوار السوداني ـ السوداني وفق ما طُرح أخيراً من رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره نشاطاً سياسياً ثانوياً أو مبادرة إضافية تُضاف إلى قائمة المبادرات المطروحة لإنهاء الحرب وإنما يجب أن يُنظر إليه باعتباره ضرورة وطنية قصوى وربما واحدة من أهم بوابات الخروج من الأزمة السودانية بصورة مستدامة فالهدف من الحوار لا ينبغي أن يتوقف عند إيقاف نزيف الدم على أهمية ذلك وضرورته وإنما يجب أن يتجاوز وقف إطلاق النار إلى السؤال الأكبر كيف نبني دولة سودانية لا تعود إلى الحرب بعد سنوات أو عقود؟ وهذا هو جوهر المسألة فالسودان لم يدخل الحرب في 15 أبريل 2023 من فراغ ولم تبدأ أزمته السياسية والاجتماعية يوم اشتعلت المواجهات عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة المدعومة إماراتياً من قبل الدعم السريع وإنما جاءت هذه الحرب نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية واجتماعية واقتصادية وعسكرية عجزت النخب السودانية المتعاقبة عن معالجتها بصورة جذرية ولذلك فإن اختزال الأزمة السودانية في انقلاب فاشل قاده حميدتي بايعاز من سياسيين ودعم خارجي يُبقي البلاد أسيرة تفسير ناقص للأزمة لأن الحرب الحالية كشفت عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة نفسها وبطريقة إدارة السلطة والثروة والتنوع وبالعلاقة بين المركز والأقاليم وبمسألة الجيش الواحد وبغياب المشروع الوطني الجامع وعقلية الاقصاء المتحكمة على عقول السافالشعب السوداني ظل يبحث عن دولة مستقرة منذ الاستقلال وظل السودان يعيش حالة من عدم الاستقرار السياسي المتكرر حكومات مدنية قصيرة العمر نعقبها انقلابات عسكرية ثم انتفاضات شعبية وحروب أهلية وتمردات مسلحة وأزمات اقتصادية وصراعات جهوية وانقسامات أيديولوجية ثم انتقالات سياسية لم تستطع أن تتحول إلى نظام مؤسسي مستقر والنتيجة أن البلاد لم تنجح حتى الآن في بناء توافق وطني طويل الأمد حول سؤال بسيط في ظاهره وعميق في جوهره أي سودان نريد؟ هل نريد دولة مركزية تتحكم فيها العاصمة في كل شيء؟ أم دولة تعترف بتعدد أقاليمها ومجتمعاتها وتمنحها نصيباً عادلاً من السلطة والثروة؟ هل نريد دولة تتنافس فيها النخب على السيطرة على المركز أم دولة تتوزع فيها السلطة وفق قواعد دستورية واضحة؟ هل نريد تعدد الجيوش والقوات المسلحة والمليشيات أم دولة يكون فيها السلاح حصراً على مؤسساتها النظامية؟ هل نريد ديمقراطية تقوم على الانتخابات والمؤسسات أم ديمقراطية تتحول بعد كل أزمة إلى صراع صفري ينتهي بانقلاب أو حرب؟ هذه الأسئلة لا تستطيع معالجتها البنادق ولا المؤتمرات الدولية وحدها ولا المبادرات الإقليمية وإنما تحتاج إلى حوار سوداني حقيقي واسع ومسؤول لا يستثني أحداً بسبب انتمائه السياسي ولا يمنح أحداً حق احتكار السودان باسم الثورة أو القبيلة أو الدين أو الجيش أو المدنية لأن اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 كان نقطة انفجار في مسار طويل من الأزمات وقد أدت الحرب إلى كارثة إنسانية هائلة شملت النزوح واللجوء وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية وتدمير البنية التحتية وتعطيل الاقتصاد والإنتاج وانتشار الجوع والأمراض وتصف الأمم المتحدة الأزمة بأنها واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم فيما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن عشرات الملايين يحتاجون إلى المساعدة وأن النظام الصحي تعرض لضربات واسعة منذ اندلاع الحرب لكن السؤال الذي يجب ألا نهرب منه هو لماذا وصل السودان إلى هذه المرحلة؟ والإجابة لا تكمن في 15 أبريل وحده لقد سبقتها عقود من الصراع على السلطة وضعف المؤسسات وتمليش القبائل وتعدد مراكز القوة وانتشار السلاح والانقسامات الأيديولوجية وفشل النخب في الاتفاق على قواعد ثابتة لإدارة الدولة ولهذا فإن وقف الحرب دون معالجة هذه الجذور قد يمنح السودان هدنة مؤقتة لكنه لن يمنحه بالضرورة سلاماً دائماً نعم الاستعمار ترك تعقيدات.. لكن السودانيين يتحملون مسؤولية ما بعد الاستقلال فلا يمكن قراءة تاريخ السودان الحديث من دون التوقف عند الفترة الاستعمارية والسياسات التي اتبعتها الإدارة البريطانية خصوصاً ما عُرف بالسياسة الجنوبية والإدارة المنفصلة في بعض مناطق الجنوب واستخدام نظم الإدارة الأهلية والسياسات اللغوية والتعليمية المختلفة وتشير دراسات تاريخية إلى أن ما عُرف بالـسياسة البريطانية تجاه جنوب السودان وسياسة المناطق المقفولة أسهما في تعميق الاختلاف الإداري والثقافي بين أجزاء من السودان مع اختلاف الباحثين في تقدير حجم ودور تلك السياسات في صناعة الانقسام الذي تطور لاحقاً لكن من الخطأ أن نجعل الاستعمار شماعة دائمة نعلق عليها كل أزماتنا فالاستعمار خرج من السودان لكن النخب الوطنية ورثت الدولة وكان أمامها أكثر من ستة عقود لإعادة بناء مشروع وطني يتجاوز تلك التشوهات غير أن المشكلة أن السودان كثيراً ما تعامل مع التنوع باعتباره مشكلة ينبغي إخضاعها بدلاً من أن ينظر إليه باعتباره ثروة ينبغي إدارتها وكان الصراع السياسي والفكري أحد أكثر العوامل تأثيراً في التاريخ السوداني الحديث ومن أبرز خطوط هذا الصراع التنافس بين التيارات المحافظة والتقليدية والإسلامية من جهة والتيارات اليسارية والقومية والمدنية من جهة أخرى لكن من الضروري ألا نختزل المشهد في ثنائية جامدة تقول إن كل اليمين كتلة واحدة وإن كل اليسار كتلة واحدة فالتجربة السودانية أكثر تعقيداً من ذلك فداخل القوى التقليدية نفسها تعددت الرؤى وداخل التيارات الإسلامية تعددت المشاريع كما أن اليسار السوداني لم يكن كتلة سياسية واحدة بل ضم الشيوعيين والبعثيين والقوميين والناصريين وغيرهم فضلاً عن التيارات الليبرالية والمدنية والمستقلة ومع ذلك ظل هناك صراع عريض حول قضايا أساسية ما هو شكل الدولة؟ وما علاقة الدين بالدولة؟ وما مصدر التشريع؟ وما حدود دور المؤسسة العسكرية؟

وكيف تُدار التعددية الثقافية والعرقية؟ وكيف تُدار العلاقة بين المركز والأقاليم؟ والمشكلة لم تكن في وجود الاختلاف فالاختلاف طبيعي في المجتمعات الديمقراطية لكن المشكلة كانت في عدم القدرة على إدارة الاختلاف فبدلاً من أن يصبح الاختلاف منافسة سياسية سلمية تحول في مراحل عديدة إلى محاولة لإقصاء الآخر أو نزع شرعيته أو السيطرة على الدولة عبر القوة وهنا تحديداً يكمن أحد جذور المأساة السودانية فحين يفشل السياسيون في إدارة الاختلاف يبدأ السلاح في التقدم إلى الصفوف الأمامية وحين تفشل الأحزاب في بناء توافق حول قواعد اللعبة يصبح الجيش مرشحاً للتدخل وحين تصبح الدولة نفسها غنيمة سياسية تتحول الانتخابات من وسيلة للتداول السلمي للسلطة إلى معركة صفرية إما أن تحكم أنت أو أحكم أنا وهذه واحدة من أخطر مشكلات التجربة السودانية فقد شهد السودان منذ الاستقلال أكثر من تجربة انقلابية وحكم عسكري كما شهد فترات ديمقراطية قصيرة لم تتمكن من ترسيخ قواعد مؤسسية تحمي النظام الديمقراطي من الانهيار والدرس هنا ليس أن المدنيين فشلوا وحدهم أو أن العسكريين فشلوا وحدهم فالدرس الأهم أن الدولة نفسها لم تُبنَ على قواعد يتفق عليها الجميع وربما لا توجد قضية أكثر حضوراً في تاريخ السودان الحديث من قضية العلاقة بين المركز والأقاليم فقد ظلت السلطة والثروة والخدمات والقرار السياسي متركزة بدرجات متفاوتة في المركز بينما شعرت مناطق واسعة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق والشرق وغيرها بأن نصيبها من الدولة لا يتناسب مع حجم مساهمتها في الوطن ومن هنا نشأت حركات احتجاج وتمرد وحركات مسلحة رفعت شعارات العدالة والتنمية والمشاركة السياسية لكن المشكلة أن بعض النخب تعاملت مع مطالب الأقاليم باعتبارها تهديداً للوحدة الوطنية بينما تعاملت بعض الحركات المسلحة مع السلاح باعتباره الطريق الأقصر للحصول على الحقوق وهكذا دخل السودان في دائرة مفرغة تظلم → تمرد → حرب → اتفاق سلام → عدم تنفيذ كامل → عودة التظلم → تمرد جديد وهذه الدائرة لا يمكن كسرها باتفاق سلام جديد فقط وإنما بإعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم على أساس دستوري واضح ومن أهم القضايا التي يجب أن تكون في قلب الحوار السوداني ـ السوداني مسألة احتكار الدولة للسلاح فلا يمكن بناء دولة مستقرة في ظل تعدد الجيوش والمليشيات والسؤال هنا لا ينبغي أن يكون موجهاً إلى طرف واحد فقط وإنما إلى الجميع كيف وصل السودان إلى مرحلة أصبحت فيها البلاد تمتلك مراكز متعددة للقوة المسلحة؟ وكيف أصبحت بعض القوى السياسية تنظر إلى القوة العسكرية باعتبارها ضمانة سياسية؟ وكيف أصبح السلاح وسيلة للتفاوض على السلطة والثروة؟ لذلك الحوار الوطني الحقيقي يجب أن يصل إلى إجابة واضحة لا مستقبل لدولة مستقرة دون جيش وطني واحد مهني قومي يخضع للسلطة الدستورية ولا يتم تجييش القبائل وتصبح أداة بيد جماعة أو قبيلة أو تيار أيديولوجيا وفي المقابل لا يمكن أن تكون عملية بناء الجيش فالحرب السودانية لم تعد شأناً داخلياً خالصاً فاستمرار تدفق السلاح والمقاتلين الأجانب والدعم الخارجي والمصالح الإقليمية والدولية جعل الصراع أكثر تعقيداً وأطول عمراً وقد تناولت تقارير حديثة أدواراً متعددة لشبكات خارجية ومقاتلين أجانب في الحرب بما يؤكد أن الصراع السوداني أصبح متشابكاً مع البيئة الإقليمية والدولية وهنا يجب أن يكون الحوار السوداني واضحاً فلا يمكن بناء سلام دائم إذا ظل السودان ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين لكن مواجهة التدخل الخارجي لا تكون بالشعارات فقط بل ببناء دولة قوية ذات شرعية وطنية ومؤسسات قادرة على حماية حدودها وقرارها السياسي واقتصادها وهنا يجب التفريق بين الحوار وبين التسوية السياسية فالحوار الوطني ليس صفقة بين النخب وليس مؤتمراً لتوزيع المناصب وليس مناسبة لإعادة إنتاج الوجوه القديمة وهو أيضاً ليس عفواً عن الجرائم ولا إلغاءً للعدالة ولا مساواة بين الضحية والجلد بل هو مساحة للاتفاق على المستقبل مع ترك ملف العدالة للقانون والمؤسسات المختصة كما أن الحوار لا يعني أن يشارك كل من يحمل السلاح بوصفه ممثلاً شرعياً للسودانيين أو مكون إقليم معين فالتمثيل الحقيقي يجب أن يستند إلى المجتمع وإلى القوى السياسية شريطة أن تكون القوة السياسية مبراة من البيوتات والإدارات الأهلية بل تمثل النقابات والمهنيين والشباب والنساء والنازحين واللاجئين ومكونات الأقاليم والمجتمع المدني وأصحاب المصلحة الحقيقيين وإذا كان الحوار سوداناً فيجب ألا تتحول بعض القوى المسلحة إلى أوصياء على مناطقها كما لا يجوز أن تتحول بعض الأحزاب إلى أوصياء على المجتمع المدني فالمطلوب ليس مؤتمر نخب جديداً وأكبر خطأ يمكن أن يقع فيه الحوار السوداني ـ السوداني هو أن يتحول إلى مؤتمر نخب في قاعة مغلقة لأن السودان أكبر من الأحزاب وأكبر من العسكريين وأكبر من الحركات المسلحة وأكبر من الإدارات الأهلية وأكبر من المثقفين وأكبر من التحالفات الاثنية وأكبر من العاصمة فالسودان هو المواطن الذي نزح من قريته والمزارع الذي فقد أرضه والراعي الذي فقد مرعاه والطالب الذي توقفت مدرسته والطبيب الذي ترك مستشفاه والمرأة التي تحملت عبء الحرب والشاب الذي وجد نفسه بين خيار الهجرة لو عبر السمبك أو البندقية ولذلك يجب أن يكون الحوار حوار المجتمع السوداني لا حوار النخب السودانية فقط إذا كان الحوار يريد أن يكون تاريخياً فلا ينبغي أن يكتفي بسؤال كيف نوقف الحرب؟ بل عليه أن يسأل كيف نمنع الحرب القادمة؟ وهذا يتطلب الوصول إلى عقد وطني جديد يقوم على مبادئ واضحة، أهمها

أولاً المواطنة المتساوية بلا تمييز

ثانياً التداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات

ثالثا استقلال القضاء وسيادة حكم القانون

رابعاً جيش وطني واحد ومؤسسات أمنية مهنية

خامساً منع استخدام القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في الصراعات

سادساً معالجة قضية المركز والهامش بصورة دستورية لا عبر صفقات مؤقتة

سابعا توزيع عادل للسلطة والثروة والموارد

ثامناً الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي والاجتماعي باعتباره جزءاً من الهوية السودانية

تاسعاً بناء نظام حكم يحقق قدراً حقيقياً من اللامركزية مع الحفاظ على وحدة الدولة

عاشراً الاتفاق على دستور دائم لا تكتبه مجموعة سياسية لمصلحة مرحلة انتقالية

حادي عشر بناء منظومة عدالة انتقالية ومحاسبة تنصف الضحايا وتمنع الإفلات من العقاب

وثاني عشر وضع سياسة وطنية واضحة تمنع تحويل السودان إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية فقد طرح رئيس مجلس السيادة لفكرة الحوار السوداني يضع الكرة في ملعب الجميع لكنه في الوقت ذاته يضع الحكومة والقوى السياسية والمؤسسة العسكرية أمام اختبار حقيقي فالحوار الناجح لا يُقاس بعدد المشاركين فيه وإنما بقدرته على إنتاج قواعد جديدة كما أن الدعوة إلى الحوار تفقد معناها إذا كان المقصود منها استقطاب الخصوم أو إقصاؤهم أو منح الشرعية لطرف واحد لذلك المطلوب هو حوار يفتح الباب أمام السودانيين المختلفين لكي يجلسوا إلى طاولة واحدة دون أن يطلب أحد منهم التخلي عن قناعاته ولكن بشرط أن يتفق الجميع على أن الوطن فوق الحزب والدولة فوق الجماعة والقانون فوق الجميع

وتشير تقارير حديثة إلى وجود مشاورات مرتبطة بالإعداد لحوار وطني سوداني شامل وهو ما يجعل السؤال الآن ليس عن الحاجة إلى الحوار فقط وإنما عن كيفية تصميمه وضمان استقلاله واتساع تمثيله وقدرته على إنتاج نتائج ملزمة لا نحتاج إلى انتصار طرف على طرف.. بل إلى انتصار السودان لقد جرب السودان انتصار الحزب على الحزب وجرب انتصار المؤسسة العسكرية على السياسيين وجرب اتفاقيات السلام التي انتهت إلى إعادة إنتاج الصراع وجرب الثورات التي أسقطت الأنظمة العسكرية لكنها لم تستطع دائماً أن تبني النظام البديل المستقر وجرب السودان أيضاً سياسة إقصاء الآخر فكانت النتيجة أن كل طرف ظل ينتظر اللحظة التي يستطيع فيها إقصاء الطرف الآخر ليرد الصاع صاعين وهذه الدائرة يجب أن تنتهي فالسودان لا يحتاج إلى منتصر يفرض رؤيته على الآخرين بقدر ما يحتاج إلى دولة تنتصر على منطق الغلبة نفسه إن السلام الحقيقي ليس أن يصمت السلاح ليوم أو شهر أو سنة فالسلام الحقيقي هو أن يقتنع السوداني بأن حقه في الدولة لا يحتاج إلى قبيلة تحميه ولا حزب يحميه ولا بندقية تحميه ولا دولة أجنبية تحميه ولا يحتاج السياسي إلى رافعة قبلية ليصل إلى مبتغاه وأن يعرف المواطن في كل إقليم أن حقه محفوظ بالقانون وأن يعرف المواطن في كل مكان أن ثروته ليست ملكاً للمركز وأن يعرف المواطن في إقليم أن أرضه وموارده ليست غنيمة وأن يعرف المواطن في كل اتجاه شرق وغرب ووسط شمال وجنوب أن حقوق الآخرين لا تهدد حقوقه وأن يعرف الجميع أن السودان ليس ملكاً لنخبة ولا لقبيلة ولا لحزب ولا لمؤسسة عسكرية ولا لحركة مسلحة لأن السودان ملك لكل السودانيين لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً بسبب عجزها عن الحوار قبل أن يتحول الاختلاف إلى صراع وقبل أن يتحول الصراع إلى تمرد وقبل أن يتحول التمرد إلى حرب شاملة واليوم وبعد أن وصل السودان إلى واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية والسياسية لم يعد أمام السودانيين ترف تأجيل الأسئلة الكبرى لقد أصبح الحوار ضرورة لكن الحوار المطلوب ليس حواراً لتقاسم السلطة وليس حواراً لتبييض صفحة أحد وليس حواراً لإقصاء أحد إنه حوار لإعادة تأسيس الدولة حوار من أجل دستور دائم وجيش واحد وسلطة مدنية منتخبة وعدالة مستقلة وتنمية متوازنة ومواطنة متساوية وسلام لا ينتهي بانتهاء المؤتمر وهنا تكمن قيمة الحوار السوداني ـ السوداني الذي ينبغي أن يتحول من شعار سياسي إلى مشروع لبناء للدولة السودانية فإذا كان السودان قد ظل طوال تاريخه الحديث يدفع ثمن غياب المشروع الوطني الجامع فإن اللحظة الراهنة ربما تكون أقسى لحظاته لكنها في الوقت نفسه قد تكون فرصته التاريخية لإعادة تأسيس نفسه فليس المطلوب أن نتفق على كل شيء لكن المطلوب أن نتفق على كيفية اختلافنا دون أن نقتل بعضنا وليس المطلوب أن نلغي اليمين أو اليسار ولا أن نمحو التيارات الإسلامية أو القومية أو الليبرالية أو الاشتراكية أو التقليدية المطلوب أن نجعل الدولة أوسع من الجميع وحين تصبح الدولة ملكاً للجميع يصبح اختلاف السودانيين مصدر ثراء لا سبباً للحرب أما إذا ظل كل طرف يعتقد أن السودان لا يصلح إلا إذا حكمه هو فإن الحرب ستتوقف اليوم لتبحث عن ذريعة جديدة غداً ولهذا فإن الحوار السوداني ـ السوداني ليس طريقاً لإيقاف الحرب فحسب بل هو الطريق إلى أن يصبح وقف الحرب آخر حروب السودان لا مجرد هدنة بين حربين