الحوار السوداني ـ السوداني.. من إطفاء الحرب إلى بناء الدولة (2)

ضل الحراز: علي منصور حسب الله

 

الحوار السوداني ـ السوداني سيولد ميتاً إذا وُلد من رحم النخبة وحدها وأُنتج في مطابخها المغلقة وبالآليات القديمة نفسها التي ظلت عاجزة عن تقديم إجابات حقيقية لأزمات البلاد المتراكمة فقد أضاع السودانيون عبر تاريخهم الحديث فرصاً عديدة كان يمكن أن تفتح أبواباً للحل وأن تحول دون انتقال الخلافات السياسية والاجتماعية إلى حروب ولذلك فإن نجاح الدعوة التي طرحها السيد الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان للحوار السوداني ـ السوداني لن يكون رهناً بمجرد انعقاد مؤتمر جديد ولا بكثرة المشاركين فيه ولا بعدد الأوراق التي ستُتلى على منصة المؤتمر وإنما بقدرته على كسر القاعدة القديمة التي جعلت الحوار شأناً نخبوياً ثم تركت نتائجه معلقة بين إرادة السياسيين وتقلبات السلطة وموازين القوة فإذا أردنا حواراً مختلفاً فعلينا أولاً أن نتعلم من الحوارات التي سبقتنا والتاريخ السوداني يقدم لنا دروساً قاسية في هذا المجال فمن المحطات المهمة في تاريخ الحوار السوداني مؤتمر جوبا عام 1947 الذي انعقد يومي 12 و13 يونيو في مدينة الرجاف بالقرب من مدينة جوبا بمشاركة ممثلين من الجنوب والشمال ومسؤولين بريطانيين وكان الهدف الأساسي منه بحث مستقبل الجنوب وعلاقته ببقية السودان في ظل التحول في السياسة البريطانية تجاه جنوب السودان وقد انتهى الاتجاه العام للمؤتمر إلى قبول فكرة السودان الموحد ومشاركة الجنوب في الجمعية التشريعية مع بقاء مخاوف جنوبية عميقة تتعلق بالتفاوت في التعليم والخبرة السياسية والتنمية والحاجة إلى ضمانات تحمي خصوصية الجنوب ومصالحه وهنا تكمن أولى العبر فالقضية لم تكن مجرد خلاف بين شمال وجنوب وإنما كانت قضية ثقة وضمانات وشعور بالمساواة والقدرة على المشاركة وكان الجنوبيون يدركون أنهم يدخلون إلى العملية السياسية من موقع أضعف من حيث التعليم والخبرة والتمثيل ولذلك ظهرت الحاجة إلى معالجة هذا التفاوت قبل أن يتحول إلى إحساس دائم بالتهميش وتشير وثائق المؤتمر إلى أن بعض المشاركين الجنوبيين رأوا ضرورة تطوير الحكم المحلي والمؤسسات السياسية في الجنوب وإعداد كوادر قادرة على المشاركة في الجمعية التشريعية بثقة واقتدار وهذه القضية لا تزال صالحة لقراءة واقع السودان اليوم فالمشكلة ليست دائماً في غياب الاتفاق على العناوين الكبرى وإنما في غياب الضمانات التي تجعل الأطراف المختلفة مطمئنة إلى أن الاتفاق لن يتحول غداً إلى وسيلة لإقصائها أو السيطرة عليها لقد اتفق السودانيون في محطات كثيرة على عناوين جميلة الوحدة السلام الديمقراطية العدالة المشاركة التنمية وتقاسم السلطة والثروة لكن السؤال الذي ظل بلا إجابة هو من يضمن تنفيذ هذه العناوين؟ وهنا بدأ الخلل بعد ما يقارب عقدين عاد السودان إلى طاولة الحوار في مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965 الذي انعقد في الخرطوم لبحث قضية جنوب السودان ومحاولة الوصول إلى تسوية سياسية تنهي الحرب وكانت المسألة أكثر تعقيداً هذه المرة فقد دخلت القوى السياسية الجنوبية إلى الحوار بمطالب تتراوح بين الفيدرالية والحكم الإقليمي وحق تقرير المصير بينما تمسكت قطاعات واسعة من القوى الشمالية بمفهوم الدولة الموحدة مع اختلافها حول شكل الحكم والإدارة وانتهى المؤتمر دون تسوية نهائية للقضية ليواصل السودان طريقه نحو مزيد من الصراع والدرس هنا واضح ليس المهم أن يجلس المتحاورون حول طاولة واحدة وإنما المهم ماذا يحمل كل طرف إلى الطاولة وماذا يستطيع أن يقدم وماذا يملك من ضمانات لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه فالطاولة قد تجمع المتخاصمين لكنها لا تصنع وحدها الثقة والحوار قد يوقف إطلاق النار، لكنه لا يبني بالضرورة دولة والاتفاق السياسي قد ينهي جولة من القتال لكنه لا يمنع بالضرورة اندلاع جولة جديدة إذا بقيت جذور الأزمة على حالها وهذا ما يجب أن ينتبه إليه الحوار السوداني المرتقب ولم تكن مشكلة السودان في غياب اتفاقيات السلام فالسودان عرف اتفاقية أديس أبابا عام 1972 ثم اتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997 واتفاقية نيفاشا عام 2005 واتفاقية أبوجا عام 2006 واتفاقية الدوحة عام 2011 ثم اتفاق جوبا للسلام عام 2020 وغيرها من المبادرات والاتفاقات لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس كم اتفاقية وقعنا؟ بل لماذا لم تستطع هذه الاتفاقيات أن تؤسس لسلام دائم؟والجواب لا يكمن في نصوص الاتفاقيات وحدها وإنما في البيئة السياسية التي أنتجتها وفي ضعف المؤسسات التي كان يفترض أن تحميها وفي غياب الإرادة الوطنية المستدامة لتنفيذها وفي التعامل مع السلام أحياناً باعتباره صفقة بين النخب المسلحة والسياسية وليس عقداً وطنياً يشارك المجتمع كله في صياغته وحمايته لقد كان الخلل في كثير من الأحيان أن الاتفاقية تنتهي بتوقيع الأطراف، بينما يبدأ بعدها الصراع حول تنفيذها وكأن السودان كان ينجح في الوصول إلى السلام على الورق ثم يفشل في تحويله إلى سلام في الواقع ولعل تجربة الحوار الوطني التي بدأت في عهد الرئيس المعزول عمر البشير تقدم مثالاً أكثر قرباً إلى الذاكرة فقد أُطلقت المبادرة في يناير 2014 ثم انعقدت الجمعية العامة للحوار في أكتوبر 2015 وانتهت العملية في أكتوبر 2016 بإقرار (الوثيقة الوطنية) التي قُدمت باعتبارها أساساً للدستور الدائم وإعادة بناء الدولة لكن قوى سياسية ومعارضة مسلحة رئيسية قاطعت العملية أو تحفظت على نتائجها مطالبة بتهيئة المناخ السياسي والحريات وتحقيق قدر أكبر من الشمول قبل الدخول في حوار شامل وقد أشار تقرير للأمم المتحدة لاحقاً إلى أن المعارضة انتقدت مخرجات الحوار باعتبارها غير شاملة وغير توافقية ورأت أن الوثيقة بقيت عامة وغير حاسمة في قضايا جوهرية مثل الدستور الدائم والحقوق السياسية ودور الأجهزة الأمنية وآليات التنفيذ وهنا نصل إلى جوهر المسألة فالحوار الذي لا يشارك فيه المختلفون الحقيقيون ليس حواراً وطنياً كاملاً اذا اقيم بمبدأ عدا الجهة الفلانية حتى لو امتلأت قاعته بالمشاركين لن يكون حوارا شاملا فالعدد لا يصنع الشرعية والتصفيق لا يصنع التوافق والوثيقة لا تصبح وطنية لمجرد أن مجموعة من السياسيين وقعت عليها لا نريد مؤتمراً جديداً.. نريد عقداً وطنياً جديداً إذا كان الحوار السوداني ـ السوداني المرتقب يريد أن ينجح فعليه ألا يبدأ من سؤال من سيجلس على المنصة؟ بل من سؤال أكبر ما السودان الذي نريد أن نبنيه بعد الحرب؟ فالسودان لا يحتاج إلى مؤتمر جديد يكرر خطاب المؤتمرات السابقة وإنما يحتاج إلى عملية سياسية واجتماعية واسعة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن وبين المركز والأقاليم وبين السلطة والمجتمع وبين الجيش والقوى السياسية وبين الحقوق والواجبات نحن لا نحتاج فقط إلى إطفاء الحرب وإنما إلى إزالة الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة أصلاً وهذا يعني أن الحوار يجب أن يناقش بجرأة قضايا ظلت مؤجلة لعقود

– شكل الدولة ونظام الحكم

– العلاقة بين المركز والأقاليم

– العدالة الانتقالية والمساءلة والمصالحة

– التهميش التنموي والسياسي

– قضايا الأرض والحواكير والموارد

– العلاقة بين المدنيين والمؤسسة العسكريك

– إصلاح الخدمة المدنية والمؤسسات العدلية

– الهوية الوطنية وقبول التنوع

– بناء نظام ديمقراطي يقوم على الانتخابات والمؤسسات لا على التسويات المؤقتة

– وضع قواعد واضحة تمنع إنتاج الميليشيات والجيوش الموازية

– معالجة آثار الحرب من نزوح ولجوء ودمار وفقدان للممتلكات هذه ليست أجندة مؤتمر سياسي عابر هذه أجندة بناء دولة من يمثل السودان؟ وهناك سؤال أكثر حساسية ينبغي ألا نهرب منه من يملك حق التحدث باسم السودانيين؟ فقد ظلت النخبة السياسية، بمختلف اتجاهاتها تميل إلى الحديث باسم الشعب بينما ظل الشعب نفسه في كثير من الأحيان بعيداً عن صناعة القرار ولذلك فإن الحوار القادم ينبغي ألا يكون مجرد حوار بين الأحزاب والحركات والقادة العسكريين والسياسيين وإنما يجب أن يمتد إلى النقابات والمزارعين والرعاة والنساء والشباب والإدارات الأهلية والمهنيين والمثقفين والنازحين واللاجئين ورجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني والجامعات والصحفيين والإعلاميين والطرق الصوفية والقيادات المجتمعية وكل الفئات التي دفعت ثمن الحرب فمن دفع ثمن الحرب يجب أن يكون له صوت في صناعة السلام ومن عاش النزوح لا يجوز أن يتحدث الآخرون وحدهم عن قضيته ومن فقد منزله أو أرضه أو مصدر رزقه يجب أن يكون جزءاً من النقاش حول مستقبل الدولة السلام الذي لا يسمع أصوات الضحايا قد يوقف الرصاص لكنه لا يحقق العدالة من حوار النخبة إلى حوار المجتمع الخطأ الذي ينبغي تجنبه هو تحويل الحوار إلى (موسم سياسي) جديد يجتمع فيه السياسيون يتبادلون الكلمات ثم يعود كل طرف إلى موقعه منتظراً الجولة التالية من الصراع فالحوار الحقيقي يجب أن يبدأ قبل المؤتمر وينتهي بعده يبدأ من القرى والمدن والأقاليم ومن المجتمعات التي عانت من الحرب ثم تنتقل مخرجات تلك الحوارات إلى المستوى القوميروبذلك يصبح المؤتمر القومي تتويجاً لحوار المجتمع لا بديلاً عنه وهذا هو الفارق بين حوار يبحث عن شرعية مؤقتة، وحوار يبحث عن تأسيس دولة ومن أكبر الأخطاء التاريخية أن السودانيين كانوا يكتبون الاتفاقيات بإتقان ثم يتركون تنفيذها رهناً بالظروف السياسية لذلك فإن أي حوار جديد يحتاج منذ يومه الأول إلى آلية واضحة لتنفيذ مخرجاته وجداول زمنية محدد وجهة رقابية مستقلة ومؤشرات يمكن من خلالها قياس ما تم تنفيذه وما لم يتم لا يكفي أن نقول اتفقنا يجب أن نسأل ماذا اتفقنا؟ ومن ينفذ؟ ومتى؟ ومن يراقب؟ وماذا يحدث إذا لم ينفذ أحد؟ هذه الأسئلة قد تبدو إجرائية لكنها في الحقيقة هي التي تفصل بين الاتفاق السياسي والاتفاق القابل للحياة الحرب فرصة مؤلمة لإعادة بناء الدولة والحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 خلفت خسائر بشرية واجتماعية واقتصادية هائلة، وعمقت الانقسامات وأضعفت مؤسسات الدولة لكنها في الوقت نفسه كشفت عيوباً ظلت الدولة السودانية تخفيها أو تؤجل معالجتها لعقود ولذلك لا ينبغي أن يكون هدف الحوار مجرد العودة إلى السودان الذي كان قائماً قبل الحرب فالسودان الذي كان قبل الحرب هو نفسه الذي أنتج الحرب وهذه الحقيقة يجب أن تكون حاضرة في أي حوار جاد نحن لا نريد إعادة إنتاج الدولة القديمة بوجوه جديدة ولا نريد إعادة تدوير النخب نفسها ولا استبدال تحالف سياسي بآخر ولا استبدال مركز سيطرة بمركز سيطرة جديد نريد دولة يكون فيها القانون فوق الجميع والمواطنة أساس الحقوق والواجبات والسلطة تُكتسب عبر الإرادة الشعبية والثروة تُدار لمصلحة المجتمع والسلاح تحت سلطة الدولة والاختلاف السياسي لا يتحول إلى حرب الحوار ليس نهاية الطريق ولذلك، فإن الحوار السوداني ـ السوداني إذا أُريد له النجاح يجب أن يُنظر إليه باعتباره بداية لمسار طويل لبناء الدولة، وليس نهاية للحرب فقط فإطفاء الحرب ضرورة عاجلة لكن بناء السلام يحتاج إلى سنوات وبناء الدولة يحتاج إلى مشروع وطني وبناء الثقة يحتاج إلى أجيال والسودانيون لا يحتاجون هذه المرة إلى اتفاق جديد يختلفون على تفسيره بعد توقيعه وإنما يحتاجون إلى عقد وطني واضح يتوافقون فيه على قواعد اللعبة السياسية وحدود السلطة وحقوق المواطن وشكل الدولة وآليات تداول الحكم ومكانة المؤسسة العسكرية وكيفية إدارة التنوع والموارد لقد أثبت التاريخ أن تجاهل الخلافات لا يلغيها وتأجيلها لا يحلها وقمعها لا ينهيها وكل أزمة مؤجلة تعود في السودان بصورة أكثر عنفاً ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس هل يستطيع السودانيون أن يتحاوروا؟ لقد تحاوروا كثيراً السؤال هو هل يستطيع السودانيون أن يحولوا الحوار هذه المرة إلى مشروع لبناء دولة لا تحتاج إلى حرب جديدة حتى يجلس أبناؤها إلى مائدة جديدة؟ ذلك هو الاختبار الحقيقي وذلك هو الفارق بين حوار ينتهي ببيان ختامي وحوار يفتح صفحة جديدة في تاريخ السودان

 

وللحديث بقية…