انقذوا بنك السودان من آمنة ميرغني

كتب: د. محمد عبدالقادر سبيل

 

من اعجب ما قرأت حول قصة راتب آمنة ميرغني محافظ بنك السودان حجاج المدافعين عنها، فهي قد تأسست على نظرية المؤامرة، فقد وصف بعضهم انتقاد دخلها الفاحش بأنه ضرب من الكيد الحقود لأن هذا المبلغ ٤٤ مليون +و+و+ لم تحدده هي لنفسها وإنما سارت المسكينة على منوال من سبقوها، كما أنه مبلغ زهيد يقل عن 10 آلاف دولار بما يجعله يتضاءل إذا قورن برصفائها من مدراء البنوك في الخارج؟

ترى كم يبلغ راتب هؤلاء المدافعين اذا كانوا موظفين في الخدمة العامة بالسودان؟. طبعاً يستحيل أن يكونوا كذلك لأن وكيل الوزارة في بلادنا الظالم اهلها لا يتقاضى الاربعة ملايبن التي تعلو فوق الاربعين مليون الميرغنية.

لا وبعضهم اصطف وراءها بدوافع جهوية ( اولاد الجزيرة ومدني.. تخيل؟) وبعضهم لخلفيات سياسية ( الكيزان).. وهؤلاء جميعا ما فعلوا سوى أنهم دافعوا عن الباطل بطرق واهية.

لماذا؟

لأن واجب الصحافة أساساً هو الانتبهاه الى ما كشفه هذا التقرير من معلومات خطيرة، وما نبه إليه من عورات واعوجاجات في القوانيين العامة والسياسات المتباينة التي تنظم لا تنظم مؤسساتنا الحكومية، وكأنما هي كنتونات أو اقطاعيات معزولة، وان كل جهة تعمل في مجال الايرادات ( الزكاة، الضرائب، شرطة المرور، البنوك، المحاكم،صندوق المعاشات، المحليات) فإنها محظوظة ومن (حقها) ان ترضع هي أولاً من ثدي دخل تلك المؤسسة حتى تشبع ثم تمرر ما تبقى باشمئزاز للخزينة العامة، دون رادع أو وازع..

أين تحدث مثل هذه الاستباحة والاستحواذ على المال العام إلا في السودان؟.

واجب الصحافة هو كشف هذا واستنكافه (وليس الدفاع عن زولنا ظالما او مظلوما) واجبها التركيز على انتقاد نقاط الزلل الهيكلي من منطلق تحمل المسؤولية.

يا سادتي، هنالك تشوها وخللا مريعا في مستويات المرتبات في بلاد هي الأفقر على مستوى العالم. نحن لا نقول ان مرتب مدير البنك ينبغي ان يكون قريبا من مرتب المدير في اي مؤسسة أخرى عبر مفاصل الدولة، ولكن لا ينبغي ان يكون ثلاثة أضعافه، حرام، ولا يمكن السماح بأن يتقاضى موظف حكومة راتبه بالعملة الاجنبية او ان يرتبط ويرتهن بسعر الدولار في السوق الاسود بينما بقية الموظفين تحتسب اجورهم بالعملة الرديئة. وتزداد الحرمة فجوراً حينما يطبع محافظ بنك السودان للشعب عملة وطنية تجسد سيادته وعندما يفشل في تحقيق استقرارها وتعزيز قوتها _ وهذا من أوجب واجباته _ تجده يهرب منها ويربط مرتبه ومن معه بالدولار ثم يقول انا لم افعل ذلك وانما فعله السابقون وانا على أمة. فلا الاخلاق ولا الدين ولا القانون يسمح بهكذا تبرير وهكذا خطيئة.. ذلك مما ينبغي الاعتناء به ومواجهته ودحره من جانب الصحافة النبيلة بدلاً من الممالأة والتعاطف.

ومن جهة أخرى فإن من يريد ان ينافح عن محافظ بنك السودان ( المتنصلة من مسؤولياتها لصالح السوق) يتعين عليه ان يدافع ايضا عن أدائها ليقول انها تستحق ما تحصل عليه وزيادة بما قدمت يداها .. فماذا ياترى قدمت وماذا قدم بنك السودان للسودان سوى التراجع الاقتصادي المتمثل في تدهور سعر العملة والفشل في ادارته باستمرار حتى بلغ الأمر مبلغاً من التضخم والفشل في اسقطاب حصائل الصادر واستقطاب تحويلات المغتربين والفشل في تكوين احتياطي نقدي. ففيم يستحق هؤلاء رواتب؟ ناهيك عن ان تكون باهظة وبالدولار ، ثم تقارن بما يحصل عليه رصفاؤهم الذبن اداروا اقتصاد بلدانهم بكفاءة تمخضت عن نجاحات يشهد لها العالم.

آمنة ميرغني يا سادتي جاء بها لوبي تجار الصادر الذين ينهبون ثروة الشعب ليل نهار على حين تواطؤ من قيادات الحكومة. ومن هنا بنبغي ان يبدأ الحديث والنضال الوطني لنقول:

ماهي مهمتها الآن؟

لاحظوا قراراتها منذ ان تسنمت قيادة البنك.. كيف تتصرف ضد الدولة وضد الشعب وضد سلطة بنك السودان التاريخية كما يلي:

 

اولاً ألغت قرار سلفها برعي الصديق المتعلق باحتكار بنك السودان لتصدير الذهب بوصفه اهم واخطر سلعة نقدية تدر المال للسودان وتساعد البنك على السيطرة الاقتصادية وقامت بتسليم ثروة الشعب (صرة في خيط) للتجار الذين جاؤوا بها وطردوا خصمهم برعي.

 

ثانياً قامت بتكليف شركة العسجد الخاصة للقيام بإدارة ومراقبة التحويلات المصرفية فيما بين البنوك المختلفة وهي من قبيل المقاصة التي هي من صميم واجبات البنوك المركزية في كل العالم وفي ذلك تنصل صريح من المسؤولية وانتقاص من السيادة والرقابة وانحياز للقطاع الخاص( خصخصة) .

 

ثالثا يطبع الجنيه السوداتي منذ سنوات في الخارج والشائعات حول تزويره تملأ الآفاق وزبدة القول ان بنك السودان لا يقوم اليوم بوظيفة طباعة ورق البنكنوت وفق معايير الجودة والتحوطات الأمنية الشديدة ضمانا لعدم التسريب وعدم القابلية للتزوير فأين يطبع الجنيه وما مدى الرقابة عليه كماً وكيفاً. الظاهر هو ان بنك السودان يطلب الان طباعة العملة الوطنية ( السيادية)كما يطلب السلع من السوق وهذه خصخصة.

 

رابعا سمحت السيدة آمنة للبنوك الخاصة اخيراً بأن تقوم مقام بنك السودان في تحديد سعر الصرف فلا صداع بعد اليوم يسمى السياسات النقدية التوسعية او الإنكماشية.

 

خامسا لا حاجة بعد اليوم لبناء احتياطي نقدي اجنبي يستخدم في السيطرة على سعر الدولار مادامت البنوك هي التي تحدد سعره. ولا لتغطية خطابات الاعتماد أو الضمان للواردات لأن البنوك الخاصة ستتولى كل ذلك وتتصرف ( شفتو الشكارة دي). علماً بأن هذا من أوجب واجبات البنوك المركزية في كل العالم.

والله انا اشفق الآن بشدة على موظفي بنك السودان لأن آمنة ميرغني حولتهم الى بطالة مقنعة. لا دور للدولة في ادارة الاقتصاد والسيطرة على مساراته. لا شغلة ولا مشغلة.

أم ماذا بقي من مهام ومسؤوليات سيادية يقوم بها البنك التي تجسد السيادة؟

 

نستنتج من كل ما سبق ان آمنة ميرغني ( مرسلة من جهة ما لتصفية مهام بنك السودان) فجرى تعيينها لمهمة محددة هي التصفية وتسليم المفتاح للسوق.

والنصيبة انه رغم كل هذه التفاصيل المخيفة والواضحة المعالم لجهة المؤامرة التي تحاك ضد الدولة السودانية خطوة وراء خطوة تجد هنالك من يدافع عنها. فمن هم هؤلاء المدافعون عن ما يجري بسرعة وما علاقاتهم بالتجار ومصالحهم الخاصة.

ألا يظن أولئك انهم مبعوثون ليوم عظيم؟.

 

د. محمد عبد القادر سبيل

خبير إداري وباحث اقتصادي.