فصل االجامعات عن السياسة
د. محمد عبد القادر سبيل
خلاصة ما سأقوله تالياً : ان الجامعات السودانية تحولت بفعل فاعل الى منصات لإنتاج الفرقة وصناعة الاضطرابات والصراعات السياسية، ما هبطت بها الى مستويات دنيا في التحصيل الاكاديمي والمرتبة العلمية بين الجامعات العالمية.
في البدء دعونا نهنئ أبناءنا الطلبة الناجحين المقبلين على الدراسة الجامعية. وبهذه المناسبة نقول..
رأى السياسي المرموق محمد أحمد محجوب في كتابه ( الديمقراطية في الميزان) أن النهضة الوطنية الشاملة تتطلب ارتباط الفكر والوعي العلمي بواقع الحياة الاجتماعية والسياسية لبناء الدولة الحديثة. ولعل مبعث كلامه هذا هو امتعاضه من ان يستبعد مثقف مثله من كرسي الحكم بعد أن ناله بالانتخاب ليتولاه عنوة ضابط مغمور في الجيش( نميري) ليفعل في الدولة والناس ما يشاء.
وغالب ظني ان المحجوب نفسه _ وهو أيقونة السياسة في بلادنا_ لم يكن رئيس وزراء رائعاً، رغم علمه وخبراته ومواهبه، حيث لم يقطف السودان من بستانه المزهر سوى ثلاث ثمرات فقط مع الشوك: أولاهن الوقوف بجانب الأزهري وهو يرفع العلم، والثانية الخطب الرنانة المثقفة تحت قبة البرلمان والثالثة قصيدة (الفردوس المفقود) التي رثى فيها مجد العرب في الاندلس. واما الشوك فصراعه السياسي مع السيد الصادق المهدي منافسه داخل حزب الأمة على رئاسة الوزارة من جهة، ومع الزعيم اسماعيل الازهري منافسه من جانب الحزب الوطني الاتحادي …
وإذا قال قائل: إن كتابه هذا (الديمقراطية في الميزان) وحده انجاز يستحق الاحتفاء، فسأقول : كلا لا يستحق كل هذا الانبهار الذي يبديه الناس، فهو مدونة خواطر انطباعية غير علمية ولا دقيقة كما انه مليء بالمغالطات ورأيه في العساكر عامة يدحضه قبوله برئاسة سلفه الجنرال عبد الله بك خليل ويدحضه فلاح تشرشل وديغول وعبد الناصر. وحتى عنوان كتابه غير صحيح، لعله يقصد ( تجربتنا الديمقراطية في الميزان) فهذا ما كان يعنيه وليس محاكمة الدينقراطية في ذاتها. ومهما يكن فهذا شأن آخر.
ما يهم هنا هو أن الرجل على عظمته واحترامنا لمقامه، لم تكن له رؤية وطنية خلاقة للنهضة وبناء الدولة الوطنية أو خطة استراتيجبة للتنمية الشاملة للأسف، ولكنه للحق نظم بنجاح مؤتمر اللاءات العربية الثلاث لصالح الجنرال عبد الناصر.
بالتالي فهو لم يحكم السودان ويستوعب تنوعه بطريقة معرفية منهجية وانما ركز كل التركيز على جانب (الفن) في مفهوم السياسة. حيث إن التعريف الرصين للسياسة يشير الى أنها: (فن) وعلم إدارة شؤون المجتمع وتوزيع القوة والنفوذ وحل النزاعات لتحقيق الصالح العام. هو اهتم بالفن ولعبة الحكم فقط بمافيها: استلهام نموذج ويست مينستر ومسائل الغالبية المطلقة والغالبية الميكانيكية واتفاق الجنتلمان وسحب الثقة الخ والشعب منبهر طبعا.
وفي الحقيقة، منذ تجربة جيل المحجوب والزعيم الازهري في الخمسينات وإلى يوم الناس هذا، ظلت السياسة في السودان هكذا تدار بعقلية(فن الممكن. واللعبة القذرة. والتحالفات. والصراعات. والبرغماتية الميكافيلية) لذلك ظلت دائماً ميدانا فسيحا يسع كل من هب ويرغب في التنازع اللا اخلاقي على كيكة السلطة بالدهاء والتآمر والخديعة حيث كل شيء جائز في سبيل ذلك حتى ما يضر الشعب وسيادة الدولة وتسليم السلطة للجيش نكاية بالمعارضة.
الاحزاب الراهنة إنما تجتر اخطاءهم وتتأسى بهم فحسب ولكن بضحالة.
على أن من اغرب الظواهر واخطرها إطلاقا في التجربة السياسية السودانية، مسألة استخدام العلم ومؤسسات العلم في تكريس الصراع السياسي الجهول.
فمثلا لا توجد جامعة محترمة حول العالم تتحول الى ساحة نزال يومي بين الطلاب ونزاع وعنف سياسي يؤدي الى الانصراف عن المحاضرات نحو قتل الزملاء بعضهم بعضا وتعليق الدراسة سنوات، جيلاً بعد جيل، الا عندنا في السودان، كأنما ليس لطلابنا احلام واعمار تمضي واهل ينتظرون تخرجهم بالتصبر.
هذا العبث والتلوث السياسي يحدث بإيعاز وحفز سلبي من جانب الاحزاب التي ما انفكت تعدي الحياة الجامعية بأزماتها وامراضها المزمنة التي تعرف السياسة عمليا على أنها: النشاط العام الذي يهدف الى تصفية الخصوم واسقاط الحكومات الواحدة تلو الأخرى مهما تكن، والسعي للوصول الى السلطة من اجل الاحتفاظ بها الى الابد.
بالله أين العلم والمعرفة في هذا الطابع والواقع السياسي؟ وهل ايقاف عجلة الجامعات وغمرها بالشحناء والعنف فيما بين ابناء الدفعة هو توظيف للعلم والوعي في السياسة؟
هل تدريب الطلبة على جهود النضال السري لاسقاط الحكومات، كل الحكومات، سواء أكانت عسكرية أو انتقالية او منتخبة هو نوع من استخدام الوعي العلمي أو العقلاني لصالح الوطن وإنسانه؟
إن التفكير السياسي السوداني الذي يورث للجامعات هو: إما أنا، وكل شيء لي، أو ان تسقط هذه الحكومة اللعينة حتى لو كان الحزب شريكا فيها. إنها نظرية التساقط السياسي والشقاق الوطني.
لا، بل قد يستخدم وقار العلم في السياسة بصورة اخرى أشد سلبية مثل توظيف الفتوى العلمية الدينية لتصفية الخصم السياسي كما حدث للحزب الشيوعي المنتخب في برلمان الستينات حينما طرد بموجب فتوى ادت الى تعديل الدستور من جانب فقهاء القانون لهذا الغرض ( بينهم المحجوب ذاته).
وكما يحدث استغلال لعلم الفقه الديني يحدث ايضا استغلال لعلم الطب الذي يستغل لإدانة الحكومة او الخصوم السياسيين كما هو حال لجنة اطباء السودان التي تصدر بيانات وشهادات علمية موجهة سياسيا لتأليب المنظمات الدولية ضد الدولة. وهذا لا محالة تشويه لحيادية ووقار العلم وخفة من جانب اهله العلماء حينما يتسيسون.
لذلك كله، ندعو الى فصل (العلم عن السياسة) فالعلم يجب ان يظل محايداً وايجابيا وجامعاً لكل الناس، وليس أداة او مجالاً للاستقطاب والتوظيف في الصراع.
نعود لنقول: من حق أبنائنا في الجامعات ان ينعموا بحياة جامعية سعيدة مستقرة ومعافاة يبنون فيها معارف واسعة وعلاقات زمالة متينة وذكريات حميمة لا ان يخوضوا بالوكالة عن الاحزاب اجواء البغضاء فيما بينهم وقياظة المظاهرات لاسقاط الحكومات.
افصلوا الجامعات نهائياً عن أي تنظيم أو نشاط سياسي إلا التثقيفي، دعوهم يتفرغوا للتحصيل المعرفي المعمق والبحوث العلمية المبدعة.
دعوا جامعات مراتع علم وواحات سلام ونماء للقدرات والابتكار.
ارجوكم. حولوا اتحاد الطلبة المصطخب دائما الى جمعية حضارية تشيع فيهم ثقافة الايجابية وروح الزمالة والتعاون بين الاقران ولتكن للجمعية برامج تدريبية ومنافسات في مجالات الانتاج والفكر والابداع والفن والرياضة والوعي الوطني الديمقراطي. لا تخرجوهم متكارهين ليملأوا حياتنا بعد تخرجهم بغضاء وصراعا صفريا مدى الحياة كما ترون.. هذه الغبائن التي ترونها كلها موروثة من صراعات الاحزاب داخل حرم الجامعات التي لم تعد جامعات بل خلايا واوكار دسائس حزبية، الطلبة هم وحوشها وضحاياها معاً، فهم من يتعرضون للشحذ وغسل الدماغ والتدجين : انتم طلائع الشعب عبر تاريخنا. الحركة الطلابية هي حادية الركب دائما نحو التغيير وشهداؤكم نجوم زواهر في سجل المجد. اذا الشعب يوما اراد الحياة ووو فيموت ثلاثة يا لحرقة الحشا، ويفصل سبعة يا ويب لامهاتهم، وتغلق الجامعة الى اجل غير مسمى، وتزيد الضغائن في المجتمع ويخسر الوطن باستمرار.
والله المستعان.
د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري ومحلل اقتصادي
