ضل الحراز: علي منصور حسب الله
كتبنا أكثر من مرة عن عدم قانونية الامتحانات التي تنظمها أي حكومة موازية غير معترف بها ليس في السودان وحده وإنما من حيث المبدأ في أي دولة في العالم لأن قضية الشهادات التعليمية ليست مسألة سياسية عابرة ولا ورقة توزعها سلطة أمر واقع على الطلاب ثم تطلب من العالم أن يتعامل معها باعتبارها مؤهلاً أكاديمياً معترفاً به فالشهادة التعليمية في نهاية الأمر ليست مجرد ورقة مختومة ولا نتيجة امتحان جرى في قاعة دراسية وإنما هي وثيقة تصدر عن نظام تعليمي قائم على سلطة مختصة وقواعد قانونية ومؤسسات معترف بها وآليات للتحقق والمطابقة والاعتماد وهنا تحديداً تكمن المشكلة الكبرى في امتحانات ما يسمى بـ(حكومة تأسيس) فقد حاولت الدعاية السياسية المصاحبة لهذه الامتحانات أن تقدمها باعتبارها (إنجازاً تعليمياً) وأن تمنحها صفة قانونية لا تملك الجهة التي أصدرتها بحسب الواقع القانوني القائم أن تفرضها على الدولة السودانية أو على الدول الأخرى والأخطر من ذلك أن الحديث عن (الاعتراف الدولي) بهذه الشهادة ظل يتردد وكأنه حقيقة مكتملة بينما السؤال البسيط الذي لم تجب عنه هذه الدعاية إجابة موثقة هو من هي الدولة التي اعترفت بها؟ وما هي الوزارة أو الهيئة التعليمية الأجنبية التي أصدرت قراراً بقبولها؟ وما هي الجامعة التي أعلنت رسمياً أنها ستتعامل معها باعتبارها شهادة ثانوية تؤهل للقبول الجامعي؟
هذا هو السؤال الحقيقي وليس كافياً أن تعلن الجهة التي أصدرت الشهادة أنها (معترف بها دولياً) حتى تصبح كذلك
والاستناد إلى اتفاقيات اليونسكو لا يمكن أن يكون انتقائياً فالاتفاقية العربية المعدلة للاعتراف بالدراسات والدبلومات والدرجات في التعليم العالي التي دخلت حيز النفاذ في 18 أبريل 2026 تضع إطاراً واضحاً للاعتراف بالمؤهلات لكنها لا تقول إن كل ورقة امتحان تصدرها أي سلطة أمر واقع تصبح تلقائياً مؤهلاً معترفاً به في بقية الدول بل على العكس تنص المادة 2.v الخاصة بالمؤهلات التي تسمح بالالتحاق بالتعليم العالي على الاعتراف بشهادات التعليم الثانوي وفق التشريعات الوطنية للدولة التي يطلب الطالب الدراسة فيها كما تجيز للدولة المضيفة فرض شروط إضافية بما في ذلك امتحانات إضافية إذا رأت أن الشهادة الثانوية لا تكفي للالتحاق بالتعليم العالي لديها والأهم أن الاتفاقية نفسها تتحدث عن (السلطة المختصة) وعن المؤسسات والبرامج والشهادات المعترف بها من الجهات الوطنية المختصة بمعنى أكثر وضوحاً اليونسكو لا تمنح شهادة ما يسمى ب(تأسيس) أو غيرها ختم اعتراف دولي بمجرد أن تُجرى الامتحانات لأن الاعتراف شأن قانوني وأكاديمي تحكمه الدولة المعنية وسلطاتها المختصة ونظامها التعليمي وقوانينها وإجراءاتها بل إن الاتفاقية تجعل لكل دولة جهة وطنية مختصة بالمعلومات المتعلقة بنظام التعليم والاعتراف بالشهادات وتؤكد أهمية وجود معلومات موثوقة ومحدثة عن المؤسسات والبرامج والشهادات المعترف بها إذن أين هي هذه الجهة الأجنبية التي أعلنت اعترافها بشهادة ما يسمى ب (تأسيس)؟ وأين هو القرار؟ وأين الجامعة التي قالت لطلاب هذه الشهادة تعالوا سنفتح لكم أبوابنا؟ حتى الآن لا يكفي أن نسمع تصريحات سياسية أو دعائية عن (اعتراف دولي) المطلوب وثيقة رسمية صادرة عن جهة مختصة وحتى الشهادة الرسمية لا تعني قبولاً جامعياً تلقائياً وهذه نقطة أخرى ظلت الدعاية تتجاوزها عمداً أو جهلاً حتى لو افترضنا جدلاً أن الطالب حصل على شهادة ثانوية رسمية فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن أبواب كل الجامعات ستفتح أمامه تلقائياً فالدولة التي يريد الطالب الدراسة فيها تملك وفق قوانينها أن تضع شروطاً إضافية للقبول بما فيها اختبارات أو معادلة أو تحقق من صحة الشهادة أو شروط خاصة بالبرنامج الجامعي أو اللغة أو الطاقة الاستيعابية وهذا منصوص عليه صراحة في الاتفاقية فكيف تكون الحال عندما تكون الشهادة نفسها محل نزاع حول الجهة التي أصدرتها ومدى اعتراف الدولة السودانية بها؟ وفي السودان الأمر أوضح
القبول الجامعي في السودان لا يقوم على مجرد أن الطالب جلس للامتحان وحصل على نسبة معينة هناك إجراءات للمطابقة والتوثيق والتدقيق والإدارة العامة للقبول وتقويم وتوثيق الشهادات بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي تضع إجراءات محددة لمطابقة الشهادات تشمل بيانات الشهادة والمستندات المؤيدة لها وفحصها ومراجعتها واعتمادها كما أن الحصول على رقم المطابقة يمثل جزءاً أساسياً من إجراءات الدخول إلى نظام التقديم الإلكتروني وهذا يعني أن الشهادة ليست مجرد (امتحان ونتيجة) هناك نظام دولة يقف خلفها
هناك وزارة وهناك جهة مختصة وهناك سجلات وهناك تحقق وهناك مطابقة وهناك مسؤولية قانونية عن الوثيقة التي يحملها الطالب ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً ومُلِحاً كيف يمكن لشهادة تصدرها سلطة موازية غير معترف بها من الدولة السودانية ومن المجتمع الدولي أن تقفز فوق كل هذا النظام ثم تطلب من الجامعات السودانية أو الأجنبية أن تتعامل معها باعتبارها شهادة ثانوية وطنية مكتملة الأركان؟ولكن المفارقة الأكثر إيلاماً ليست هنا أن الذين يرفعون اليوم شعار (التعليم حق للجميع) ليبرروا جلوس أبناء وبنات قادتهم في امتحانات الشهادة الثانوية الحقيقية هم أنفسهم الذين حرموا آلاف الطلاب والطالبات في دارفور وكردفان من الوصول إلى مراكز الامتحانات التي حددتها الدولة لقد ظللنا نسمع من أبواق مليشيا الدعم السريع ومن الموالين لها أن الدولة (حرمت) طلاب دارفور وكردفان من الامتحانات ثم عندما ذهب الطلاب بالفعل في طريقهم إلى المراكز الآمنة بدأت تظهر ممارسات منعهم وإعادتهم ووفق ما ورد في شهادات من طلاب كانوا في طريقهم إلى الدبة لمشكلات وعمليات توقيف على الطريق وبعضهم احتُجز في حمرة الشيخ حتى أن بعضهم أطلق سراحهم بعد غروب شمس أول يوم للامتحانات وقد وصل عدد الطلاب الذين حرموا أكثر من 17 ألف طالب وطالبة من دارفور فقط والذين وصلوا إلى الدبه والأبيض حالفهم الحظ لأنهم وجدوا في طريقهم من يسمح لهم بالمرور مقابل أموال لكن بعيداً عن الرقم تبقى القضية الإنسانية والسياسية واضحة ماذا كان ذنب الطالب الذي أراد أن يسافر إلى منطقة آمنة ليجلس إلى امتحان الدولة؟ ماذا كان ذنب الطالبة التي تريد أن تكمل تعليمها؟ وماذا كان ذنب الأب الذي باع ما يملك حتى يوفر لأبنائه فرصة الوصول إلى مركز الامتحان؟ هل هؤلاء أعداء؟ هل هؤلاء (فلول)؟
هل الشهادة السودانية أصبحت جريمة؟ والأكثر إيلاماً أنه تم الزج بعدد من الطلاب والطالبات وأولياء الأمور في سجون نيالا ومن بينها سجن دقريس سيئ السمعة بسبب محاولتهم السفر إلى مناطق آمنة لأداء الامتحانات إذا كان هؤلاء مواطنين سودانيين يريدون ممارسة حقهم الطبيعي في التعليم فما الجريمة التي ارتكبوها؟
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب هو أن تجعل الطفل يدفع ثمن صراع لم يختره والطالب الذي يحمل حقيبته المدرسية لا ينبغي أن يُعامل باعتباره مقاتلاً والطالبة التي تحمل كتابها ليست طرفاً في الحرب والأب الذي يريد أن يرسل ابنه إلى مركز الامتحان لا ينبغي أن يصبح هدفاً للاشتباه والاعتقال ومن المثير للسخرية أن بعض الذين يتحدثون اليوم عن (حرمان دارفور وكردفان من التعليم) يتناسون تاريخ السودان نفسه خلال سنوات حرب الجنوب وحرب جبال النوبة وتمرد مالك عقار وتمرد مني أركو مناوي وتمرد جبريل إبراهيم وحتى خلال الفترات التي شهدت دخول قوات متمردة إلى أم درمان لم يكن أبناء المناطق التي تدور فيها الحرب يُجرّدون من حقهم في الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية باعتبارهم أبناء منطقة متمردة بل ظل الباب مفتوحاً أمام الطلاب وكانت الدولة في كثير من المراحل تتعامل مع طلاب الولايات الأقل نمواً أو المتأثرة بالحرب بسياسات قبول تمنحهم مقاعد أو فرصاً إضافية مراعاة لظروف مناطقهم
وامتياز في الرسوم يصل إلى المجانية ورغم كل أخطاء الحكومات المتعاقبة يؤكد أن هناك تقليداً سودانياً قديماً في فصل حق الطفل في التعليم عن موقف والده السياسي أو انتماء منطقته إلى حركة متمردة وهنا تظهر قيمة المؤسسة العسكرية السودانية في جانبها الأخلاقي الذي لا ينبغي أن ننكره فالجيش السوداني ظل عبر مراحل تاريخية مختلفة مؤسسة وطنية جامعة وربّى أجيالاً على أن الوطن لا يطرد أبناءه بسبب مواقف آبائهم ولهذا لم يكن جلوس أبناء المتمردين لامتحانات الشهادة السودانية خبراً مثيراً
كان ذلك هو الطبيعي كان ابن قائد الحركة المتمردة طالباً سودانياً قبل أن يكون ابناً لقيادي متمرد وكانت مقاعد الجامعات مفتوحة أمامه وفق شروط القبول وهذا في حد ذاته يعكس فارقاً أخلاقياً كبيراً بين أن تعتبر التعليم حقاً وطنياً وأن تحوله إلى أداة في الصراع السياسي لكن لماذا أصبح جلوس أبناء قادة الدعم السريع خبراً؟
هنا بيت القصيد لم يصبح جلوس أبناء بعض قادة مليشيا الدعم السريع للامتحانات خبراً لأن السودان لأول مرة يسمح لأبناء المتمردين بالتعليم
السودان فعل ذلك قبلهم ولم يكن غريباً أن يدخل ابن المتمرد جامعة سودانية ولم يكن غريباً أن يجلس ابنه لامتحان الشهادة السودانية لكن الخبر الحقيقي هو أن بعض الذين كانوا يرددون أنهم يخافون على الطلاب من السفر إلى المناطق الآمنة وأنهم يريدون (حماية أبناء دارفور وكردفان) هم أنفسهم أرسلوا أبناءهم إلى تلك المناطق أو إلى دول الجوار للجلوس إلى امتحانات الشهادة السودانية الرسمية وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة
إذا كانت الامتحانات الرسمية خطراً على الطلاب فلماذا لم تكن خطراً على أبناء القادة؟
وإذا كانت الدولة التي تجري الامتحان (عدواً) كما تقول الدعاية فلماذا يُرسل إليها أبناء القيادات؟ وإذا كانت امتحانات ما يسمى ب (تأسيس) معترفاً بها دولياً فعلاً فلماذا لم يكتفِ بها بعض القادة لأبنائهم؟ أبناء القادة يعرفون شيئاً لا يعرفه المواطن البسيط؟
هنا تبدأ الأسئلة الصعبة فقد جلس بعض أبناء وبنات قيادات في مليشيا الدعم السريع للامتحانات الرسمية في مدن الشمال ونهر النيل والنيل الأبيض أو في دول الجوار بينما كان أبناء المواطنين العاديين يُدفعون نحو امتحان موازٍ ومن بينهم كوكو جقدول وزير التربية والتعليم في ما يسمى بحكومة تأسيس الذي أُرسل أبناءه إلى الدامر وجلسوا لامتحان الشهادة الثانوية الرسمية وكذلك حافظ أحمد عمر وزير التربية والتعليم بجنوب دارفور في ما يسمى بـ الإدارة المدنية هو الآخر ارسل ابنته وجلست للامتحان في كوستي أما في نيروبي عاصمة كينيا جلست ابنة اللواء حسن محجوب أحد قادة مليشيا الدعم السريع لامتحان الشهادة الثانوية وفي ليبيا جلس أبناء وبنات عدد من قادة المليشيا للامتحانات ومن بينهم حسين محمد طبيق والسر أحمد السنوسي
وفي كمبالا عاصمة أوغندا جلس أبناء وبنات بعض قادة ومنسوبي مليشيا الدعم السريع للامتحانات ومن بينهم مجاهد علي صافي النور ومحمد آدم شين أزرق وفي مصر نجد أن ابنة الطاهر حجر وابنة يوسف إدريس يوسف رئيس الإدارة المدنية في جنوب دارفور جلستا للامتحانات مع الإشارة إلى أن يوسف إدريس يوسف مسجون حالياً على خلفية اتهامات بالاختلاس وفي الإمارات جلست زهراء عبد الرحيم دقلو ابنة عبد الرحيم دقلو قائد ثاني مليشيا الدعم السريع لامتحانات الثانوية قد بلغ عدد أبناء وبنات قادة المليشيا الذين جلسوا لامتحان الشهادة الثانوية الحقيقية امتحانات الفلول أو دولة 56 كما يقولون أكثر من ثلاثمائة طالب وطالبة هذه المعلومات مثبتة بالوثائق الرسمية وليست مجرد تفاصيل جانبية لذلك تتحول إلى سؤال سياسي وأخلاقي كبير لماذا يبحث القادة عن الامتحان الذي يحمل اسم جمهورية السودان لأبنائهم بينما يُطلب من أبناء الفقراء والمساكين أن يجلسوا لامتحان موازٍ؟ لماذا يعرف أبناء القيادات طريق الدبة والدامر وعطبرة وكوستي و
ونيروبي وطرابلس وكمبالا والقاهرة وأبوظبي بينما يُقال للطالب البسيط اجلس لامتحان ما يسمى بـ (تأسيس)؟ هنا تتكشف المفارقة كاملة امتحان لأبناء القادة وامتحان لأبناء المواطنين شهادة يريدون لأبنائهم أن يحملوها باسم جمهورية السودان وشهادة يريدون للمواطن أن يحملها باسم سلطة موازية غير معترفة في القبل الأربعة أبناء القادة يُرسلون إلى المراكز الخارجية والولايات الآمنة حتى (يلحقوا بالركب) وأبناء الفقراء يُتركون في الداخل ليواجهوا شهادة لا توجد جهة ستقبلها فهل هذه قضية حتى يموت الشباب وهم يهتفون القضية القضية فهل لهم أهداف تجاه التعليم؟ أم أنها صناعة طبقة جديدة من (أبناء السادة) وترك أبناء الفقراء لمصير مجهول؟ هم يعرفون الحقيقة والأشد قسوة أن من يرسل أبناءه إلى الامتحان الرسمي في الخارج أو في المناطق الآمنة ثم يطالب أبناء الآخرين بالجلوس لامتحان موازٍ يبدو وكأنه يعرف جيداً الفرق بين الشهادة التي تحتاجها الجامعات والشهادة التي تصلح للاستهلاك السياسي والدعاية الإعلامية فالأسرة القادرة مالياً تستطيع أن تدفع تكلفة السفر والإقامة ورشاوي الطريق وتكاليف السفر الى الخارج لكن ماذا عن ابن المزارع؟ ماذا عن ابنة النازح؟ ماذا عن طفل الأسرة التي فقدت معيلها؟ ماذا عن الطالب الذي لا يملك ثمن تذكرة من نيالا إلى الدبة؟ وإذا تحصل عليها أين له بالملايين التي يدفعها كرشوة وإذا وجدها هل يضمن أن يسمح لهم بالمرور أم يأخرون لحين نهاية اليوم الأول للامتحانات هؤلاء هم الذين دفعوا الثمن بل ماذا عن الطالب الذي اجتهدت أسرته ووفرت تكاليف السفر لكنه منع من السفر أو أعيد من حمرة الشيخ أو حتى منطقة أخري هؤلاء هم الذين لا يملكون (خياراً احتياطياً) كان يمكن لمن يسيطر على دارفور أو أجزاء من كردفان ويقول نحن نريد حماية الطلاب وكان يمكنه أن يسمح للطالب أن يغادر كان يمكن أن يبحث عن سبل أخرى تتيح للطلاب والطالبات الجلوس للامتحانات بدون مضايقة لكن أن تمنع الطالب من السفر إلى مركز الامتحان ثم تنشئ له امتحاناً موازياً ثم تقول إن شهادتك معترف بها دولياً بينما ترسل أبناءك إلى الامتحان الرسمي خارج مناطق سيطرتك فهذه ليست حماية للتعليم هذه ازدواجية موجعة لأن ثمنها لا يدفعه القائد ولا الوزير وإنما يدفعه الطالب الفقير نحن لا نقول إن أبناء قادة مليشيا الدعم السريع يجب أن يُحرموا من التعليم على العكس تماماً نقول إنهم يجب أن يتعلموا وأن يمتحنوا وأن يدخلوا الجامعات وأن يعيشوا مثل بقية أطفال السودان لكن إذا كان هذا حقاً لهم فهو حق لأبناء المواطن الذي يعيش في دقريس وفي نيالا وفي الضعين وفي الفاشر وفي زالنجي وفي برام وفي بابنوسة وفي كل قرية ومدينة سودانية لا يمكن أن يكون التعليم حقاً لأبناء القادة وامتيازاً لأبناء القادرين بينما يصبح امتحاناً مجهول المستقبل لأبناء الفقراء وإذا كان التعليم حقاً للجميع فليكن للجميع وإذا كانت الشهادة رسمية فليجلس الجميع لها وإذا كان الامتحان معترفاً به فليقدموا لنا أسماء الجامعات والدول والوزارات التي أعلنت الاعتراف به أما إطلاق عبارة (اعتراف دولي) بلا قرار من جهة مختصة فليس اعترافاً إنه دعاية والسؤال الذي سيبقى
غداً عندما يحمل طالب شهادة ما يسمى بـ (تأسيس) ويطرق باب جامعة في الخرطوم أو القاهرة أو نيروبي أو كمبالا أو طرابلس أو أي عاصمة أخرى سيسأله موظف القبول سؤالاً بسيطاً من الجهة التي أصدرت هذه الشهادة؟
وسيطلب التحقق منها ثم يرفضها لأنها لم تكن صادرة عن نظام تعليمي معترف به في بلدها الأصلي وهنا سيكتشف الطالب الحقيقة التي كان ينبغي أن يعرفها قبل أن يجلس للامتحان أن مستقبله ليس مجالاً للتجارب السياسية الشهادة ليست منشوراً على (فيسبوك) وليست بياناً سياسياً وليست نصراً إعلامياً وليست وسيلة لإثبات وجود حكومة موازية إنها مستقبل إنسان وسنوات عمر وحلم أسرة وربما حياة كاملة فلا تقتلوا مستقبل جيل كامل الحرب تنتهي والحكومات تتغير والقيادات تذهب لكن الطالب الذي يفقد أربع سنوات من عمره بسبب شهادة غير معترف بها لن يستطيع استعادتها والفتاة التي تضطر إلى إعادة المرحلة الثانوية لأن شهادة الامتحان الموازي لم تقبلها الجامعة لن تعيد سنوات عمرها والأسرة التي دفعت مالها في سفر طويل حتى يصل ابنها إلى مركز امتحان آمن لا ينبغي أن تُتهم بأنها (تخدم أجندة الآخر) هؤلاء سودانيون والتعليم حقهم والشهادة السودانية ليست ملكاً لحزب ولا لحكومة ولا لمليشيا ولا لحركة مسلحة الشهادة السودانية ملك للسودان
ولهذا فإن أخطر ما في امتحان ما يسمى بـ (تأسيس) ليس ورقة الأسئلة ولا قاعة الامتحان ولا النتائج التي أعلنت فالأخطر هو أن يُزرع في عقول آلاف الطلاب حلمٌ بشهادة ليست لها قيمة ولا يوجد من من يعترف بها والسؤال الذي يجب أن تجيب عنه الجهة التي نظمت الامتحان لا بالشعارات وإنما بالوثائق هو أين الجامعات التي ستقبلها؟ وأين وزارات التعليم التي اعترفت بها؟
وأين الجهة الوطنية أو الدولية المختصة التي منحتها صفة الاعتراف؟
وإذا لم تكن هناك إجابة موثقة فليكن واضحاً للجميع ليس من الأخلاق أن تجعلوا أبناء الفقراء حقل تجارب لمشروع سياسي بينما تحجزون لأبنائكم مقاعدهم في الامتحان الذي تقولون إنه غير شرعي هذه ليست معركة بين (فلول) و(ثوار) وليست معركة بين (جيش) و(مليشيا)
هذه معركة على مستقبل طفل سوداني والطفل لا ذنب له في حرب الكبار فلا تجعلوا مستقبل جيل كامل هو الضحية الصامتة لهذه الحرب الذين يبررون لامتحان ما يسمى بـ تأسيس ويبررون جلوس أبناء وبنات قادة المليشيا بتبريرات واهية تأكدوا بأن التاريخ لا يرحم ما تكتبوه اليوم سيبقي شاهداً على تواطؤ ضد الطلاب والطالبات وأولياء الأمور والذين يعرفون قيمة الشهادة الحقيقية وأرسلوا أبناءهم إلى حيث يجلس الطلاب باسم جمهورية السودان اتقوا الله أما أبناء البسطاء فلا يجوز أن يُقال لهم بعد سنوات لقد خدعناكم لأن مستقبل الإنسان ليس ورقة يمكن تمزيقها ثم إعادة طباعتها
