ثورة النوايبة ضد النظارة.. هل بدأ تفكيك الرزيقات في إطار تفكيك القبائل ؟

ضل الحراز: علي منصور حسب الله

 

هناك قبائل لا يمكن قراءة تاريخها من خلال حاضرها وحده ولا يمكن فهم مواقفها الراهنة من دون العودة إلى الجذور وإلى الطريقة التي تشكلت بها قياداتها وإدارتها الأهلية وإلى الصراعات والتحالفات التي صنعت مكانتها في تاريخ السودان ودارفور وقبيلة الرزيقات واحدة من أبرز القبائل العربية البقارية في السودان وشرق تشاد وهي قبيلة واسعة الانتشار متعددة البطون والفروع عاشت تاريخاً طويلاً في فضاء جغرافي لم تكن فيه الحدود السياسية الحديثة قادرة على فصل حركة الإنسان والماشية والمصالح والعلاقات الاجتماعية بين دارفور وما جاورها ولذلك فإن إعلان فرع النوايبة وهو أحد أكبر وأبرز فروع قبيلة الرزيقات خروجه من نظارة الرزيقات وعدم تبعيته لإدارة الناظر المعزول محمود موسى مادبو وفق بيان مصور تلاه أحد العمد مؤكدا بأنه وقع عليه (24) عمدة يمثلون فرع النوايبة فلا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خلاف عابر بين أفراد أو مشادة داخلية حول موقع إداري فالحدث يعتبر موقفاً اجتماعياً وإدارياً للنوايبة يفتح الباب أمام سؤال أكبر بكثير هل بدأت عملية تفكيك البنية التاريخية لقبيلة الرزيقات من الداخل؟ وهل ما يجري اليوم هو مجرد رد فعل على مواقف الناظر المعزول محمود موسى مادبو من الحرب ومليشيا الدعم السريع أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى مشروع أوسع لإعادة تشكيل الإدارة الأهلية في دارفور بحيث يجري إضعاف النظارات التاريخية واستبدالها بقيادات جديدة وكيانات أصغر وأكثر قابلية للسيطرة؟ والأخطر أن الإجابة عنه لا ينبغي أن تُبحث فقط في إعلان النوايبة الأخير وإنما في سلسلة من الوقائع التي شهدتها دارفور خلال الفترة الماضية فإعلان النوايبة خروجهم من نظارة الرزيقات وعدم تبعيتهم لإدارة الناظر المعزول محمود موسى مادبو لم يكن مفاجئاً لمن يتابع مجريات الأمور في دارفور بل إنني أرى أن هذا الإعلان يأتي في سياق مخطط أُعد له بعناية أو على الأقل في سياق سياسي وأمني واجتماعي جعل مثل هذه الخطوة ممكنة ومفهومة وقد ذكرنا عشرات المرات أن أسرة دقلو تسعى إلى تفكيك بنية الإدارة الأهلية التقليدية وإقامة إدارة أهلية جديدة على أنقاض الإدارات التاريخية إدارة لا تقوم بالضرورة على التسلسل الاجتماعي المتوارث أو على الشرعية التي صنعتها القبائل عبر التاريخ وإنما على موازين القوة والنفوذ والولاء وفي قلب هذا التصور وفق هذا التحليل يبرز مشروع يقوم على إعادة ترتيب الهرم الأهلي نفسه بحيث يصبح محمد حمدان دقلو في موقع (الملك) ويتولى عمه جمعة دقلو موقع (الأمير) لإدارة شؤون القبائل بينما يجري تفكيك القيادات التقليدية التي يمكن أن تشكل مراكز قوة مستقلة قد يرى البعض في هذا الكلام مجرد قراءة سياسية لكن ما يجري على الأرض يستحق أن يُقرأ في هذا الاتجاه لا باعتباره حوادث منفصلة لا رابط بينها فحين تُعزل قيادات أهلية تاريخية ويُعيّن بدلاً منها أشخاص جدد وحين يجري إنشاء إمارات جديدة لفروع القبائل وحين تتحول الفروع إلى كيانات ذات رؤساء وأمراء مستقلين فإن النتيجة الطبيعية هي إضعاف المركز التقليدي للقبيلة وإذا ضعفت النظارة وتفتتت العمائر والبطون إلى كيانات منفصلة أصبح من السهل التعامل مع كل مجموعة على حدة وهنا يكمن جوهر الخطر فقبل حرب 15 أبريل خرج محمود موسى مادبو بتهديدات واضحة تجاه سكان الخرطوم وتحدث بلغة الحرب والحرق والدمار وقتها تعامل البعض مع حديثه وكأنه مجرد تهديد سياسي أو خطاب تعبوي عابر لكن بعد اندلاع الحرب احترقت الخرطوم ودُمرت أحياء ونُهبت منازل ومؤسسات وتحولت أقوال قيلت في المنابر إلى واقع عاشه أهل العاصمة وهنا لا بد من التوقف عند المسألة بعيداً عن الانفعال عندما تختار قيادة أهلية الانحياز إلى خطاب الحرب فإنها لا تتحدث باسم نفسها فقط في نظر الناس حتى لو لم يكن من حقها قانوناً أو اجتماعياً أن تتحدث باسم كل القبيلة فالقيادة الأهلية بحكم موقعها تُحمّل تلقائياً مسؤولية معنوية عن الخطاب الذي يصدر عنها خصوصاً عندما يكون الخطاب متعلقاً بالحرب والسلاح والدم واليوم يدفع الرزيقات في تقديري جزءاً من ثمن هذا الارتهان السياسي والعسكري لأسرة دقلو من خلال تصاعد التصدعات الداخلية وفي مقدمتها خروج النوايبة من نظارة الرزيقات وقد يكون ما نراه اليوم بداية لتفكك حقيقي داخل القبيلة وغداً قد تخرج خشوم بيوت أخرى ثم تظهر نظارات جديدة وتنشأ كيانات جديدة ويظهر (أمراء) جدد وبعد ذلك تصبح القبيلة الواحدة عشرات الكيانات المتفرقة لكل كيان قيادته ومركز نفوذه ومصالحه وتحالفاته وهنا يصبح السؤال أليس هذا هو جوهر المشروع الذي يؤدي في نهايته إلى إضعاف النظارات التاريخية وتفكيك القبائل؟الإدارة الأهلية في دارفور لم تكن مجرد مسميات ومناصب النظارة والعمودية والمشيخة والشياخة كانت جزءاً من بنية اجتماعية معقدة تقوم على النسب والعرف والتاريخ والقبول الاجتماعي والقدرة على حل النزاعات وحماية المصالح وتنظيم العلاقة بين المكونات المختلفة ولهذا فإن العبث بهذه البنية لا يعني فقط تغيير أسماء في كشوفات إدارية إنه يعني إعادة هندسة المجتمع فإذا كان فرع من القبيلة يحصل على (إمارة) وبطن آخر يحصل على (نظارة) ومجموعة ثالثة يجري تعيين أمير لها فإن السؤال يصبح من يملك حق إنشاء هذه المواقع؟ ومن يمنحها الشرعية؟ وهل يستطيع قرار عسكري أو أمني أن ينشئ شرعية اجتماعية؟ الإجابة في تقديري واضحة يمكن للقوة أن تفرض شخصاً لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تمنحه قبولاً اجتماعيا والإدارة الأهلية التي تُفرض بالقوة قد تملك سلطة الأمر الواقع لكنها تظل في حاجة إلى الاعتراف الاجتماعي حتى تتحول إلى مؤسسة مستقرة قبل ان يجف الحبر الذي كتب به إعلان انسلاخ النوايبة جاء بيان قبيلة أولاد أم سلمة لتعلن تضامنها مع قبيلة النوايبة ووقوفها ضد الناظر المعزول محمود موسى مادبو حيث جاء في البيان الممهور بتوقيع عشرة عمدة من عمد قبيلة أم سلمة وهم العمدة سعيد دقيس محمد والعمدة محمد عبدالرحمن مجوك والعمدة عيسى الفاضل عيسى والعمدة صلاح عبدالرحمن محمد والعمدة صالح عبدالهادي طه والعمدة حسب الرسول توم والعمدة منزل علي جواد والعمدة محمد احمد محمد عيسى والعمدة مادبو محمد صالح والعمدة عبدالله صغيرون جماع وقالوا في بيانهم إن الذي دعاهم لإخراجه هو الإشادة بالبيان الذي أصدرته قبيلة النوايبة والتي أعلنت بموجبه الانسلاخ من إدارة الناظر محمود موسى وذلك للمظالم التاريخية التي سردوها في بيانهم الذي تم نشره على نطاق واسع في الأسافير وإزاء ذلك اشادوا بشجاعة النوايبة وخروجهم من هذا الناظر الظالم الكذوب ودعوا جميع الأهل من الأفخاذ الأخرى من الرزيقات أن يتحرروا من هذا الناظر الظالم وذكروا بأنهم لديهم ترتيبات إدارية تصب في مصلحة الأهل أولاد أبو سلمة وذلك بالتفكير جادين في الإنفصال من هذا الناظر الظالم وتكوين نظارة منفصله أو الإتجاه إلي تكوين الإمارات حيث أنه تعمد شخصياً على استهدافهم وقد تم سجن المئات بإيحاء منه والزج بهم في سجن دقريس من غير أي أسباب أو دوافع وساعد في إبعادهم عن المشاركة في الحكومة الانتقالية وفي جميع مناحي الحياة العامة هذا الاستهداف الممنهج سببه أن هذه القبيلة تعتبر الرائدة في الدفاع عن أرض الرزيقات وقد قدمت الآلاف من الشهداء ولكن هذا كله قد راح هباءً منثوراً كما أن الناظر نفسه قد تآمر على هذه القبيلة وذلك بخلق وافتعال مشاكل مع المكونات داخل محلية أبو جابرة وذلك بهدف طرد أولاد أبو سلمة من أرضهم وبموجب هذه الفتنة فقدت القبيلة فرساناً قد لا يجود الزمان بمثلهم وهذا الناظر لم يكلف نفسه بأداء واجب العزاء في هؤلاء الشهداء رغم أن عددهم كبير جدا ولم يتدخل لحل هذا الصراع حتى أتت الإدارة الأهلية من غرب كردفان وقامت برأب الصدع ولم يقم هو بزيارة لهذا الوفد ولذلك إنهم كعمد احاطوا الأهل علما بأنهم في ترتيبات وسوف يخطوا خطوات جادة واتخاذ نفس خطوات الأهل النوايبة والتحرر من هذا الناظر الفاسد وذلك بتكوين نظارة خاصة بهم أو الإتجاه إلي تكوين الإمارات الأخطر أن هذا البيان الغاضب اصدره بطن أم سلمة هو أحد البطون التابعة لفرع الماهرية إحدى فروع قبيلة الرزيقات الثلاثة أي من أقرب البطون للناظر نفسه الذي ينحدر من الماهرية وسبق ذلك اعتقال عمدة المسيرية بمنطقة أم دخن العمدة أبوعكاز وترحيله إلى سجن مدينة الخير بنيالا المعروف شعبياً باسم (سجن دقريس) سيئ السمعة والذي يصفه البعض بـ(غوانتانامو مليشيا الدعم السريع) بتهمة العمل لصالح القوات المسلحة قد يبدو للوهلة الأولى مجرد إجراء أمني فإن قراءته في سياق ما يجري للإدارة الأهلية تكشف شيئاً آخر فهذا الإجراء ليس مجرد تدبير أمني عابر بل يأتي ضمن مسار أوسع لإنهاء أو إضعاف الإدارة الأهلية التقليدية حتى تلك الإدارات التي ظلت تعمل في استنفار الشباب لصالح المليشيا وقبيلة المسيرية بوصفها إحدى كبريات مكونات غرب السودان تمثل ثقلاً اجتماعياً لا يُستهان به ومن ثم فإن استهداف رموزها الأهلية يعني عملياً فتح جبهة توتر جديدة مع حاضنة اجتماعية حساسة والسؤال هنا ليس فقط لماذا اعتُقل العمدة أبوعكاز؟ بل لماذا أصبحت الرموز الأهلية نفسها موضع اشتباه وملاحقة حتى داخل البيئات التي كانت تُعد حاضنة اجتماعية للمليشيا؟ ولم يكن ما حدث للعمدة أبوعكاز معزولاً عن تغييرات أخرى طالت الإدارة الأهلية فقد قامت مليشيا الدعم السريع بعزل وكيل ناظر المسيرية غلام الدين التجاني عبد القادر نجل الناظر ثم قامت بتعيين النذير يونس أميراً للقبيلة وهنا تتكرر المسألة نفسها إبعاد قيادة ذات جذور اجتماعية ثم استحداث موقع أو تعيين قيادة بديلة وإذا كانت الإدارة الأهلية تقوم أساساً على التوافق والقبول فإن فرض قيادة جديدة بقوة السلاح قد يحولها من مؤسسة اجتماعية إلى ذراع سياسية وأمنية وهذا بالضبط ما يجب التحذير منه وفي زالنجي حدث إجراء مماثل حيث تم إعفاء الديمنقاوي تجاني سيسي ووكيله سيسي فضل سيسي وهما من رموز الإدارة الأهلية التاريخية لوسط دارفور ثم جرى تعيين محمود صوصل أميراً للقبائل العربية وتزداد دلالة الخطوة حين نضع في الاعتبار أن وسط دارفور تاريخياً من حواكير قبيلة الفور كما تم تعيين صالح علي أميراً ورئيساً لإدارة فرع النوايبة بولاية وسط دارفور رغم أن هذا المستوى من الإدارة يُنشأ في الأصل للقبائل لا لفروع القبائل وهنا لا نتحدث عن خلاف شخصي نحن نتحدث عن تغيير في هرم الإدارة الأهلية ذاته والمسألة لا تقف هنا ففي شمال دارفور تم كذلك تعيين محمد سليمان رابح بليلة أميراً لقبيلة الزيادية في مليط رغم أن مليط حاكورة لقبيلة البرتي وملكها الملك ياسر أحمداي وفقاً لقرار صادر في فبراير 2026 بتعيين محمد سليمان رابح بليلة أميراً لإمارة الزيادية بمحلية مليط ضمن حزمة تعيينات شملت عمدًا آخرين واعتُبرت الخطوة جزءاً من سعي الدعم السريع لترسيخ سلطة إدارية وأهلية في المناطق التي يسيطر عليها وهذا ما يطرح سؤالاً مشروعاً حول طبيعة السلطة التي تقوم بإعادة ترتيب هذه المواقع والأساس الاجتماعي والقانوني الذي تستند إليه وفي سياق التدخل في البنى الأهلية تدخلت المليشيا في أمر قبيلة المحاميد حيث تم تعيين علي أحمد عبود ناظراً لقبيلة المحاميد بدلاً عن الشيخ موسى هلال الذي تم عزله بقرار من المليشيا بالاعتماد على فخذ صغير من المحاميد وهم أولاد جلال التابعة لفرع الجلول وهذه المسألة لا يمكن فصلها عن تاريخ الصراع بين الشيخ موسى هلال ومحمد حمدان دقلو فمستريحة لم تكن مجرد موقع جغرافي كانت عنواناً لصراع داخل البيت الرزيقي نفسه ولم يتوقف الأمر عند المحاميد فقد تدخل محمد حمدان دقلو نفسه وأرسل موسى السميح وموسى أمبيلو للضغط على ناظر البني هلبة التوم دبكة وإجباره على القبول بأحمد عيسى تبلدية أميراً لقبيلة البني هلبة في نيالا مما يعني تجريد سلطة الناظر المعزول التوم الهادي عيسى دبكه ويجعله ناظرا على جزء من البني هلبه وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة فإذا كان الناظر لا يستطيع اختيار أو رفض الأمير الذي يُفرض على قبيلته فماذا تبقى من معنى النظارة؟ وما هى سلطات الناظر وإذا كان القرار الحقيقي يأتي من قائد مليشيا فهل نحن أمام إدارة أهلية أم أمام إدارة أمنية ترتدي ثوب الإدارة الأهلية؟ وفي منطقة مهاجرية بولاية شرق دارفور أفادت المعلومات بأن قوة تابعة لمليشيا الدعم السريع اعتقلت زعيم الإدارة الأهلية في المنطقة العمدة عمر أديبو عمدة الزغاوة وحتى إذا اختلفنا حول التفاصيل والملابسات فإن تكرار استهداف الرموز الأهلية في مناطق مختلفة يستحق القراءة باعتباره ظاهرة لا باعتباره حوادث منفصلة أما في خزان جديد فقد قُتل عبدالله أبوالقاسم قائد المليشيا قطاع شعيرية وياسين إثر اشتباكات بمنطقة خزان جديد بين عناصر من المليشيا نفسها وعبدالله أبوالقاسم الشهير بـ(دولي) هو شقيق ناظر البرقد محمد أبوالقاسم كما قُتل الشرتاي محمد جعفر كرم الدين في ذات الصراع ومحلية خزان جديد تتبع إدارياً لولاية شرق دارفور وقد أسفرت الاشتباكات عن مقتل الشرتاي محمد جعفر كرم الدين شرتاي منطقة خزان جديد واثنين من أبنائه كما قُتل عبدالله أبوالقاسم الشهير بـ(دولي) القائد الثاني لمجموعة إيتو واثنان من مرافقيه إلى جانب سقوط قتلى آخرين والدلالة هنا ليست في عدد القتلى وحده وإنما في أن الصراع وصل إلى الرموز التي يفترض أن تكون جزءاً من منظومة الوساطة الاجتماعية وكذلك مقتل محمد جعفر كرم الدين وعبد القاسم (دولي) بما يؤكد أن الملف يحتاج إلى قراءة تتجاوز الجانب العسكري إلى أثره على البنية الأهلية والاجتماعية فالإدارة الأهلية بطبيعتها تقوم على التوازن والوساطة واحتواء النزاعات وحماية المجتمع من الانزلاق الكامل نحو العنف وقد لا تكون دائماً مؤسسة مثالية وقد تشهد صراعات ومنافسات وانحيازات لكنها في المجتمعات المحلية تظل في كثير من الأحيان جسراً بين المجتمع والدولة وبين القبيلة والقبيلةووبين الأفراد والسلطة ولهذا فإن استهدافها أو إعادة تشكيلها قسرياً يشي بأن المليشيا باتت تشك حتى في أقرب الدوائر إليها وعندما تبدأ القوة في الشك في حاضنتها الاجتماعية فإنها لا تعالج الأزمة بإعادة الثقة، وإنما تبدأ بإعادة هندسة الحاضنة نفسها فتفرض قيادات جديدة وتقسم خشوم البيوت وتتعامل مع كل مجموعة بصورة منفصلة وتمنح بعض الأشخاص ألقاباً جديدة ثم يصبح لكل مجموعة مركزها وقيادتها وهكذا تتحول القبيلة الواحدة إلى مجموعة كيانات منافسة وسبق أن رأينا هذا النهج عندما فرض حميدتي وعبدالرحيم واقعاً جديداً داخل خشم بيت أبو جلول بفرض ناظر جديد واليوم انتقل المشهد إلى النوايبة وغداً قد يكون الدور على غيرهم وهذا هو أخطر ما في المسألة لأن تفكيك القبيلة لا يبدأ عادة بإعلان يقول (سنفكك القبيلة) بل يبدأ بخطوات تبدو منفصلة تعيين هنا وإعفاء هناك إمارة جديدة وناظر جديد وعزل شيخ وتقوية خشم بيت وإضعاف خشم بيت آخر ثم بعد سنوات يكتشف الجميع أن المؤسسة الاجتماعية التي كانت تجمعهم قد اختفت ومن سلّم قرار القبيلة إلى (عيال دقلو) فلا يستغرب عندما يستيقظ يوماً ويجد القبيلة نفسها قد تحولت إلى نظارات وكيانات متفرقة ولكي نفهم خطورة ما يحدث اليوم علينا أن نعود إلى التاريخ منذ أن عاد الرزيقات إلى دارفور بعد سقوط المهدية كان أمامهم تحدٍ كبير كيف يعيدون بناء وجودهم الاجتماعي والسياسي في ديارهم؟ استقر الناظر موسى إبراهيم مادبو وعشيرته من الماهرية في أبو جابرة واستقر الشيخان جقر وبناني مع عشيرة المحاميد في أم سيريبو بينما واصل شارف ولد تكيتك مع النوايبة واستقروا بحرازة وكان الهدف الاستراتيجي الأول هو العودة بالرزيقات سالمين إلى الديار ثم بقي هدفان توحيد عشائر الرزيقات ثم استعادة زعامة القبيلة وهما هدفان لم يلبث موسى مادبو أن حققهما بصبره وسعة حيلته ومعرفته وإصراره على ما يريد كان موسى يعلم أن زعامة الرزيقات لن تتحقق إلا بعد الاتفاق أو إخضاع منافسيه على زعامة القبيلة وهذه المرحلة من تاريخ الرزيقات لا يمكن فهمها بعيداً عن شخصية موسى مادبو الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز رموز النظارة في تاريخ القبيلة فقد تولى الناظر موسى مادبو النظارة في الفترة من 1887 إلى 1920 وترد في المصادر والروايات التاريخية إشارات إلى دوره في توحيد بطون الرزيقات وإعادة بناء قوة النظارة بعد مرحلة شديدة الاضطراب وكان موسى مادبو ابن مادبو بن علي بن برشم بن عبد الحميد (حسكنيت) بن ضو البيت وفي ذلك الزمن لم تكن الزعامة أمراً سهلاً ولم تكن النظارة مجرد لقب اجتماعي كانت الزعامة تعني القدرة على جمع الكلمة وإدارة التوازنات بين البطون وحماية مسارات الرعي والتعامل مع السلاطين والقوى الإقليمية والاستعمارية التي كانت تتنافس على النفوذ في دارفور والسودان وتروي المصادر التي تناولت تاريخ موسى مادبو أنه واجه منافسين أقوياء داخل الرزيقات منهم شارف ولد تكيتك وجقر وبناني وعقيل ود الجنقاوي زعيم بطن أولاد أم سلمة وكان كل واحد من هؤلاء فارساً ذا شهرة واسعة ويتطلع إلى القيادة وتقول الرواية إن محاولات موسى السلمية لمعالجة التنافس لم تنجح فاصطدم بجقر وبناني وحاربهما حتى اضطرهما الأمر إلى اللجوء إلى السلطان علي دينار في الفاشر ثم لقيا حتفهما بعد ذلك على يد السلطان أما شارف ولد تكيتك فتروي الرواية أن موسى استعمل الحيلة حتى تمكن من أسره ليموت شارف بعد ذلك في السجن في أبي جابرة أما عقيل فعلى الرغم من نجاح موسى في اعتقاله فإن استبسال عشيرته وسرعتهم في نجدته مكناه من الإفلات من الأسر وبغض النظر عن التفاصيل التي قد تختلف فيها الروايات الشفوية والتاريخية فإن النتيجة التي تتكرر في المصادر والروايات المحلية هي أن اختفاء هؤلاء الزعماء من مسرح الأحداث أفسح المجال أمام موسى مادبو لتثبيت قيادته وأن بطون الرزيقات دانت له بالقيادة فانتقل بعد ذلك إلى مواجهة التحديات الخارجية وتشير إحدى الروايات التاريخية المنشورة إلى أن موسى كان قائداً عسكرياً بارزاً منذ شبابه وأنه شارك في أحداث الثورة المهدية ثم عاد إلى دارفور بعد سقوط أم درمان حيث ارتبط اسمه بإعادة توحيد الرزيقات لم تكن علاقة الرزيقات بالسلطان علي دينار علاقة بسيطة يمكن اختزالها في الولاء أو العداء كانت علاقة سياسية وقبلية معقدة تتداخل فيها السيادة السلطانية واستقلال الإدارة الأهلية، ومصالح الرعاة وحركة القبيلة وقد شهدت العلاقة بين موسى مادبو وعلي دينار توترات وصدامات وتذكر مصادر تاريخية أن الرزيقات كانوا من القبائل التي ظلت في علاقة مقاومة أو تفاوض مع سلطة السلطان في دارفور

كما تشير روايات ووثائق إلى أن موسى مادبو حصل على سلاح وذخيرة من الإدارة البريطانية في سياق الصراع مع علي دينار بل إن روايات منشورة تشير إلى إمداد البريطانيين لموسى مادبو بالسلاح والذخيرة في سياق موقفه من علي دينار وهذا يكشف بوضوح أن العلاقات السياسية في ذلك الزمن كانت تقوم على المصالح والتحالفات المتغيرة وليس على ثنائية بسيطة من نوع (مع) أو (ضد) وتروي الروايات أن موسى مادبو رفض الانصياع للسلطان علي دينار وأن السلطان أرسل حملات عسكرية ضخمة للقضاء عليه إلا أن موسى تمكن من إلحاق الهزيمة بتلك الحملات مستفيداً كذلك من التقارب مع الإنجليز الذين زودوه بالسلاح في معاركه مع السلطان علي دينار ومن المهم هنا ألا نقرأ هذه الوقائع بعين السياسة المعاصرة وحدها فموسى مادبو كان يتحرك في سياق سياسي مختلف كانت فيه القوى المحلية والإقليمية والاستعمارية تتصارع على النفوذ وكان زعماء القبائل يستخدمون ما يتاح لهم من تحالفات لحماية مواقعهم ومصالح جماعتهم ولم يكن التحدي بالنسبة لموسى مادبو محصوراً في الفاشر أو في علاقة الرزيقات بالسلطان علي دينار وتذكر الرواية أنه حارب زعيم الدينكا أداو اللعسر عندما حاول الأخير منع بادية الرزيقات من التوغل جنوباً لارتياد المراعي فحاربه موسى حتى قضى على الخطر الذي كان يراه ماثلاً أمام حركة بادية الرزيقات وهنا أيضاً ينبغي فهم الواقعة ضمن طبيعة العلاقة التاريخية بين الرعاة والمجتمعات المستقرة في مناطق التماس حيث كانت مسارات الرعي والمياه تمثل جزءاً من الأمن الاقتصادي والاجتماعي للقبائل كما كانت في الوقت نفسه سبباً متكرراً للاحتكاك والصراعربعد أن تمكن موسى مادبو من توحيد القبيلة واستعادة الزعامة لم يتوقف عند الانتصار على منافسيه بل تفرغ لإعادة ترتيب البيت الرزيقي وسعى إلى معالجة الجراحات التي خلفها التعامل العنيف مع منافسيه وهنا تكمن إحدى أهم النقاط في تاريخ الرجل فالزعيم الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المعارك التي انتصر فيها وإنما بقدرته على تحويل الانتصار العسكري إلى وحدة اجتماعية وسياسية وتنسب الرواية إلى موسى مادبو نجاحه في تحقيق ذلك ولذلك يُنسب إليه فضل كبير في توحيد الرزيقات وتقوية مكانة نظارته وتذكر المصادر أن الناظر موسى مات عام 1920 لتنتقل النظارة بعده إلى ابنه الناظر إبراهيم موسى مادبو المعروف بأبي فانوه،ة الذي تولى الإدارة عام 1920 واستمر حتى وفاته عام 1960 وتصف مصادر الرزيقات إبراهيم موسى بأنه أول من حمل لقب (ناظر عموم) كما تذكر أنه مُنح رتبة (السير) من الإدارة البريطاني ولم يكن انتقال النظارة إلى إبراهيم موسى مجرد انتقال عائلي للقب وإنما كان استمراراً لمشروع المحافظة على وحدة الرزيقات وتنظيم إدارتهم الأهلية وتشير المصادر إلى أن إبراهيم موسى عمل على ترسيخ وحدة بطون الرزيقات وتنظيم شؤون الإدارة وأقام علاقات مع الإدارة البريطانية مستفيداً من العلاقة التي كان والده قد أسسها خلال صراعه مع السلطان علي دينار وهكذا ظلت صورة الرزيقات في جانب مهم من تاريخهم مرتبطة بفكرة النظارة الجامعة التي تتجاوز حدود البطن والعشيرة إلى إطار القبيلة الكبيرة ومن الخطأ في خضم الصراعات السياسية الحالية أن يُنظر إلى النوايبة باعتبارهم مجرد بطن تابع لا يملك تاريخاً خاصاً أو إدارة أهلية خاصة فالنوايبة أحد الفروع الرئيسية للرزيقات ولهم تقسيمهم الداخلي إلى ضمرة وجمّول وتنقسم إلى عشائر وخشم بيوت ولهم رئاسة تاريخية في الفردوس التي عُرفت سابقاً باسم (أضان الحمار) قبل أن يقوم الرئيس جعفر محمد نميري في إحدى زياراته بتغيير الإسم إلى الفردوس ومن أشهر عمدها العمدة محمود خالد (عمدة النوايبة) الذي ولد سنة 1932 وتوفى سنة 2020م والفردوس ليست مجرد اسم على الخريطة إنها حاضرة النوايبة وذاكرتهم الاجتماعية ويمتد وجود النوايبة إلى الضعين والفردوس وكاس وغرب زالنجي والجنينة كما توجد أعداد منهم خارج دارفور في ولايات سودانية أخرى مثل الخرطوم والقضارف وسنار وتمتد صلات ووجود بعضهم إلى شرق دولة تشاد وهذا الانتشار لا يعني مجرد حركة سكانية عابرة وإنما يعكس طبيعة المجتمع الرعوي والزراعي في دارفور حيث كانت حركة القبائل مرتبطة بالماء والمرعى والأسواق والمراحيل وبعلاقات اجتماعية تتجاوز حدود الولايات والدول التي رسمتها السياسة الحديثة وتؤكد المصادر أن النوايبة من العمائر الرئيسية للرزيقات وأن رئاستهم في الفردوس في حين ترتبط فروع الرزيقات الأخرى بمراكز إدارية واجتماعية مختلفة وهذا التفصيل مهم جداً لأن الإدارة الأهلية في دارفور لم تكن تاريخياً مؤسسة واحدة مركزية بالمفهوم الحديث بل كانت شبكة من النظارات والعموديات والمشيخات والقيادات المحلية ولكل مكون مجال نفوذ اجتماعي وجغرافي ومن ثم فإن الحديث عن وحدة الرزيقات يجب ألا يتحول إلى إلغاء للخصوصيات الداخلية كما أن الاعتراف بالخصوصية لا يعني بالضرورة هدم وحدة القبيلة تواصلت مسيرة النظارة بعد الناظر إبراهيم موسى مادبو وجاءت أجيال متعاقبة من آل مادبو وتشير مصادر إلى تسلسل قيادات النظارة من موسى مادبو إلى إبراهيم موسى مادبو ثم محمود إبراهيم موسى مادبو وإبراهيم موسى إبراهيم مادبو ثم سعيد محمود موسى مادبو وأخيراً محمود موسى مادبو الذي تسبب في شق الرزيقات وتشير مصادر إلى أن الناظر سعيد محمود موسى مادبو جاء بعد الناظر إبراهيم موسى مادبو وكان وكيلاً للناظر موسى إبراهيم موسى عام 1989 ثم تولى رئاسة الإدارة الأهلية لعموم الرزيقات في التسعينيات حتى وفاته عام 2016روتوفي الناظر سعيد محمود موسى مادبو في مدينة الضعين في أغسطس 2016 عن عمر يناهز 85 عاماً وكان يوصف بأنه من أبرز قيادات الإدارة الأهلية في دارفور والسودان ومن أصحاب الحكمة في إدارة القبيلة وقد أشادت مصادر سودانية مختلفة عند وفاته بحكمته ورزانته ودوره في إصلاح ذات البين والحد من الاحتراب القبلي واللافت في سيرة سعيد أن مصادر متعددة نسبت إليه موقفاً رافضاً لزج الرزيقات في الحرب ضد الحركات المسلحة بل نقل عنه أنه كان يرى أن حمل السلاح في مواجهة الحركات المسلحة مسؤولية الحكومة وليست مسؤولية القبيلة وهذه نقطة تستحق التوقف عندها طويلاً فالناظر الذي يحمل إرث قبيلة كبيرة لا ينبغي أن يكون مجرد حامل لرمز اجتماعي وإنما يجب أن يكون حارساً لوحدة القبيلة وحريصاً على ألا تتحول العصبية القبلية إلى أداة في يد السلطة أو المليشيا أو السياسي وظلت قبيلة الرزيقات عبر تاريخها الطويل تعرف الخلافات الداخلية لكن الخلافات لم تكن دائماً تعني انهيار البناء العام غير أن السنوات الأخيرة حملت تحولات عميقةرخاصة بعد الصراع بين المحاميد والماهرية وما ترتب عليه من مواجهة بين موسى هلال ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) وكانت أحداث مستريحة في نوفمبر 2017 محطة شديدة الخطورة في تاريخ الرزيقات المعاصر ففي ذلك العام اندلعت مواجهة مسلحة بين قوات الدعم السريع ومسلحين في منطقة مستريحة وانتهت باعتقال الشيخ موسى هلال وعدد من معاونيه وتشير المصادر إلى أن المواجهة خلقت انقساماً وتباعداً اجتماعياً ونفسياً بين بطني المحاميد والماهرية كما أن مصادر صحفية وثقت هجوم قوات الدعم السريع على مستريحة في نوفمبر 2017 واعتقال موسى هلال وسقوط قتلى وأسرى بينهم الأمير آدم خاطر الذي توفي لاحقاً في الخرطوم بعد نقله من مستريحة والأهم أن الناظر محمود موسى مادبو ظهر في تلك الأزمة في موقع مختلف؛ فقد قاد وفداً لتقديم واجب العزاء في العميد عبد الرحيم دقلو في أم القرى بجنوب دارفور، كما قاد مساعي لعلاج الأزمة بين الدعم السريع وموسى هلال وهنا بدأت الأسئلة الكبرى حول حدود دور الناظر هل هو جامع للقبيلة أم طرف في صراع داخلها؟ وهل يستطيع الناظر أن يحتفظ بمسافة واحدة من أبنائه المختلفين عندما تتحول الخلافات إلى صراع مسلح؟ عندما تتحول النظارة من مظلة جامعة إلى سبب للاقسام فقد ظلت نظارة الرزيقات تاريخيا وفق الروايات التي تؤكدها مصادر متعددة مرتبطة بفكرة وحدة القبيلة لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ماذا حدث لهذه الوحدة؟ فالناظر موسى مادبو واجه منافسيه ثم أعاد بناء البيت الداخلي والناظر إبراهيم موسى مادبو عمل على تثبيت وحدة الرزيقات وتنظيم إدارتها والناظر سعيد محمود موسى مادبو عُرف بمواقفه الداعية إلى التعايش وعدم جر القبيلة إلى الصراعات المسلحة فكيف وصلنا إلى مرحلة أصبحت فيها القبيلة نفسها مهددة بالتشظي؟ هنا لا بد من تسمية الأشياء بأسمائها إن مليشيا الدعم السريع لم تكن مجرد قوة عسكرية منفصلة عن البيئة الاجتماعية والسياسية في دارفور وإنما ارتبط تكوينها وصعودها بعلاقات قبلية وسياسية معقدة وكان من بين أبرز قياداتها أبناء من الرزيقات وفي مقدمتهم محمد حمدان دقلو (حميدتي) لكن هذه الحقيقة لا تعني بأي حال من الأحوال أن الرزيقات جميعاً دعموا الدعم السريع ولا يجوز تحميل قبيلة كاملة مسؤولية خيارات أفراد أو قيادات منها بل إن تاريخ الرزيقات نفسه يثبت أن مواقف أبنائها كانت متعددة ومختلفة وأن الخلاف داخل القبيلة ليس جديداً واليوم تقف الرزيقات أمام واحدة من أصعب لحظات تاريخها فبحسب الرواية التي تطرحها هذه المقالة فإن الناظر المعزول محمود موسى مادبو وهو من الماهرية اختار دعم مليشيا الدعم السريع المتمردة في وقت كانت فيه القبيلة تواجه اختباراً تاريخياً جديداً ولا بد هنا من التفريق بين موقف شخص أو قيادة أهلية وبين موقف قبيلة بأكملها فالرزيقات ليسوا حميدتي كما أن حميدتي ليس هو الرزيقات والماهرية ليسوا الدعم السريع والنوايبة ليسوا خصماً للماهرية والمحاميد ليسوا جميعاً في اتجاه واحد القبيلة أكبر من الأشخاص والتاريخ أطول من اللحظة السياسية ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للرزيقات هو أن تتحول الخلافات السياسية والعسكرية إلى قطيعة اجتماعية دائمة بين بطونها لذلك كان الهجوم على مستريحة في عام 2017 أكثر من مجرد معركة بين قوات الدعم السريع ومجموعة موسى هلال لقد كان جرحاً داخل بيت اجتماعي واحد وكانت خطورته في أنه كشف أن السلاح حين يدخل إلى داخل البنية القبلية لا يترك وراءه منتصراً حقيقياً بل يترك ثأراً وذاكرة وقطيعة وخوفاً ثم عادت مستريحة نفسها إلى واجهة الحرب في السنوات الأخيرة بما يؤكد أن الجروح القديمة لا تختفي بمجرد انتهاء المعركة وهذا هو الدرس الذي يجب أن تفهمه الرزيقات قبل غيرهم فالسلاح يمكن أن يفرض أمراً واقعاً لكنه لا يستطيع أن يصنع شرعية اجتماعية دائمة والناظر الذي يريد أن يبقى ناظراً لكل الرزيقات لا يمكن أن يكون ناظراً لفصيل ضد فصيل أو لبطن ضد بطن وفي هذه اللحظة التاريخية جاء إعلان النوايبة الذي وقعه (24) عمدة ثم تبعه بيان عشيرة أم سلمة الذي وقعه (10) عمدة وكلاهما يمضي نحو عدم تبعيتهم لنظارة الرزيقات ليضع القضية أمام واقع جديد لا يجوز تجاهله فإذا أصر النوايبة على موقفهم وهم أحد أكبر وأبرز فروع الرزيقات أعلنوا عدم تبعيتهم للنظارة فإن القضية لم تعد مجرد خلاف بين أشخاص وإنما أصبحت مؤشراً على أزمة في بنية القيادة الأهلية نفسها وهنا يجب أن نتوقف فالنوايبة ليسوا وافدين جدداً على تاريخ الرزيقات إنهم فرع أصيل ينتسب إلى نايب بن رزيق وهو شقيق كل من ماهر بن رزيق جد الماهرية ومحمود بن رزيق جد المحاميد ولذلك فإن إعلانهم إن استقر كقرار مؤسسي واجتماعي لا ينبغي أن يُقابل بالشتائم أو التخوين أو التهديد بل يجب أن يُقرأ بوصفه جرس إنذار جرس إنذار يقول إن شيئاً ما في إدارة البيت الرزيقي الكبير لم يعد كما كان لقد ظلت الرزيقات موحدة رغم الخلافات عبر مراحل تاريخية شديدة التعقيد ومنذ عهد الناظر موسى مادبو الذي تولى النظارة في أواخر القرن التاسع عشر مروراً بالناظر إبراهيم موسى مادبو الذي تولى عام 1920 ثم القيادات التي جاءت بعده ظلت فكرة وحدة القبيلة حاضرة في الوجدان العام للرزيقات وقد كانت النظارة في أحسن صورها مؤسسة للتوفيق والتحكيم وحفظ التوازن الاجتماعي لكنها تصبح خطراً على ذاتها إذا تحولت إلى طرف في الصراع فالقبيلة لا تحتاج إلى ناظر قوي على حساب أبنائها وإنما تحتاج إلى ناظر قوي بهم جميعاً ولا تحتاج إلى قيادة تنتصر في معركة سياسية وتخسر نصف القبيلة وإنما تحتاج إلى قيادة تمنع المعركة من الوصول أصلاً إلى داخل البيت قد يقول قائل ألم يدعم موسى مادبو الإنجليز في صراعه مع السلطان علي دينار؟ نعم هذه واقعة تاريخية ترد في مصادر وروايات متعددة بل توجد إشارات إلى إمداد البريطانيين لموسى مادبو بالسلاح والذخيرة في سياق صراعه مع علي دينار لكن هناك فرقاً جوهرياً بين السياقين كان موسى مادبو يتحرك في نظام سياسي استعماري مختلف وكانت القوى المحلية تستخدم تحالفاتها في مواجهة سلطة سلطانية قائمة في دارفور أما اليوم فإن السودان يواجه حرباً مدمرة بين الدولة ومليشيا مسلحة تسعى إلى فرض واقع عسكري وسياسي جديد وقد أدى الصراع إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم ولهذا لا يمكن استخدام تاريخ موسى مادبو لتبرير أي موقف معاصر بصورة آلية التاريخ يفسر لكنه لا يمنح صكوك البراءة فالرزيقات أكبر من (حميدتي) هذه هي الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا خوف نعم الرزيقات أكبر من حميدتي وأكبر من محمود موسى مادبو وأكبر من أي ناظر أو أمير أو شيخ أو سياسي فالرزيقات تاريخ اجتماعي ممتد والرزيقات هم النوايبة والمحاميد والماهرية وهم بطون وفروع وأسر وعمد ومشايخ ورعاة ومزارعون وتجار وأكاديميون وموظفون وضباط وجنود ومثقفون وإذا أخطأ فرد فلا تحمل القبيلة خطأه وإذا أصاب فرد فلا تختزل القبيلة في فضله وإذا اختلف بطن مع بطن فلا يجوز أن يتحول الاختلاف إلى حرب هوية إن كان إعلان النوايبة عدم تبعيتهم لنظارة الرزيقات تعبيراً عن احتجاج على أداء القيادة الحالية فليكن احتجاجاً مسؤولًا يحفظ الدم والرحم والتاريخ وإن كان تعبيراً عن رغبة في إدارة أهلية مستقلة، فليكن ذلك عبر الحوار والأعراف والقانون، لا عبر السلاح وإن كان سببه موقف الناظر المعزول محمود موسى مادبو من الدعم السريع فليكن الرد سياسياً واجتماعياً واضحاً، لا تحريضاً ضد الماهرية ولا ضد المحاميد ولا ضد أي بطن من بطون الرزيقات فالمشكلة ليست في اسم البطن المشكلة في تسييس القبيلة وتحويلها إلى أداة حرب ورسالة إلى الرزيقات جميعاً لقد أثبت التاريخ أن وحدة الرزيقات لم تصنعها القوة وحدها موسى مادبو انتصر في معارك لكنه أدرك في النهاية أن القبيلة لا تستمر بالمعركة وإنما بالتصالح بعد المعركة.

وسعيد محمود موسى مادبو ترك نموذجاً في الإدارة الأهلية ارتبط بالحكمة وإصلاح ذات البين، وبشهادة مصادر نعت الرجل عند وفاته، كان يُنظر إليه باعتباره واحداً من حكماء الإدارة الأهلية السودانية أما اليوم فإن الرزيقات أمام امتحان مختلف.

الامتحان ليس في قدرتها على حمل السلاح فهذا أمر أثبته التاريخ مرات عديدة فالامتحان الحقيقي هو هل تستطيع أن تمنع السلاح من تمزيق البيت من الداخل؟ََوهل تستطيع أن تفرق بين القبيلة وبين المليشيا؟ وبين البطن وبين الموقف السياسي؟ وبين الناظر وبين القبيلة؟ وبين التاريخ وبين اللحظة العابرة؟ لا تجعلوا التاريخ يعيد نفسه بصورة أسوأ لقد عاد الرزيقات إلى دارهم بعد سقوط المهدية وتفرقوا بين أبو جابرة وأم سيريبو وحرازة وغيرها من مناطق دارهم ثم جاء موسى مادبو ليجمعهم وكان يمكن أن تنتهي قصة الرزيقات عند حدود الصراع بين موسى ومنافسيه لكن الرجل أدرك أن الانتصار على المنافسين ليس هو نهاية الطريق فالمعركة الحقيقية تبدأ بعد الانتصار كيف تعيد الذين اختلفت معهم إلى البيت؟ وهذا هو الدرس الذي تحتاج إليه الرزيقات اليوم ليس المطلوب أن ينتصر النوايبة على الماهرية ولا أن ينتصر الماهرية على النوايبة ولا أن ينتصر المحاميد على غيرهم ولا أن ينتصر خشم بيت على خشم بيت المطلوب أن تنتصر الرزيقات على مشروع تفكيكها لأن محمد حمدان ومحمود موسى سلكا طريق التفكيك ليس وحدة الرزيقات وحدهم بل جميع مكونات المجتمع السوداني لذلك يجب إبعادهما وابعاد كل من يؤمن بمشروعهما التدميري لأن القبيلة إذا تحولت إلى عشرات الكيانات فلن يكون أحد منتصراً سيكون الجميع خاسرين واليوم أمام الرزيقات خياران لا ثالث لهما إما أن تتحول الخلافات السياسية والعسكرية إلى قطيعة اجتماعية دائمة فتتفكك النظارة وتخرج البطون وتظهر الإمارات والنظارات الجديدة ويتحول التاريخ المشترك إلى مجرد ذكريات وإما أن تدرك القيادات والعمد والمشايخ وأصحاب الرأي أن اللحظة أكبر من الأشخاص وأن إنقاذ وحدة الرزيقات لا يعني الدفاع عن شخص بعينه وإنما الدفاع عن المؤسسة الاجتماعية نفسها ليس مطلوباً من الرزيقات أن يتفقوا على السياسة ولا أن يتفقوا على الأشخاص لكن المطلوب ألا يسمحوا بتحويل الاختلاف إلى قطيعة قبلية ولا يسمحوا لمن يفرقهم بأن يتقدم فالنوايبة لهم حق أن يختلفوا والمحاميد لهم حق أن يختلفوا وكل بطن من بطون الرزيقات له حق أن يراجع موقفه ويحاسب قياداته لكن الاختلاف شيء وتفكيك القبيلة شيء آخر والاعتراض على الناظر شيء وإلغاء النظارة التاريخية شيء آخر ومحاسبة القيادة شيء وهدم البيت كله شيء آخر ولذلك فإن إعلان النوايبة يجب ألا يُقرأ باعتباره نهاية الرزيقات لكنه بالتأكيد إنذار شديد اللهجة بأن البيت الكبير يمر بأخطر أزماته منذ عقود فإذا لم تنتبه الرزيقات إلى هذا الإنذار فقد يأتي يوم لا يعود فيه السؤال من هو ناظر الرزيقات؟ بل يصبح السؤال هل بقيت هناك رزيقات كقبيلة موحدة حتى يكون لها ناظر؟ وحينها لن تكون الكارثة في سقوط ناظر بل الكارثة ستكون في سقوط الفكرة نفسها فكرة القبيلة الجامعة تلك الفكرة التي قاتل من أجلها موسى مادبو وحافظ عليها إبراهيم موسى مادبو وحاول سعيد محمود موسى مادبو أن يصونها والتي لا ينبغي أن تتحول اليوم إلى ضحية لحسابات أو لمصالح مليشيا أو الأشخاص أو المصالح العابرة الرزيقات أكبر من الأشخاص وأكبر من المليشيا

وأكبر من أي ناظر والتاريخ لا يرحم من يفرط في وحدة أهله