د/ محمد سبيل يكتب : لاتصدروا سندات خزينة اطبعوا عملة

لا تصدروا سندات خزينة.. اطبعوا عملة

د. محمد عبد القادر سبيل

تزمع الحكومة اصدار سندات خزينة عامة استثمارية treasury bonds مماثلة لشهادات شهامة وشهاب وغيرهما، والغرض من ذلك كما أعلن.. أولاً مواجهة عجز الموازنة العامة. وثانياً لامتصاص السيولة المحتجزة لدى التجار والسماسرة.
وفي رأينا أن هذه الخطوة ستجابه عقبات جمة ربما تفشلها، والأجدى هو طباعة عملة اضافية وزيادة عرض النقود من خلال النفقات الحكومية دون وجل من تفاقم التضخم … كيف؟

بداية يجب ان نعلم أنه في ظل عدم الاستقرار الحالي فلن تكتسب صكوك وسندات الخزانة العامة ثقة واسعة مهما يكن هامش ربحها واسعاً لأن التدهور المستمر في قيمة العملة سيستنزف اية ارباح حتى لو كانت كبيرة، والتجار شطار، وبالتالي فمن هم المستهدفون بهذه المنتج المالي؟

أضف الى ما تقدم ثقل تكاليف انتاج وادارة مثل هذه السندات الحساسة، في السوق المالية داخليا وخارجيا، مما قد يجعلها اهدارا للمال العام في حالة الفشل أو النجاح المحدود. إذ سيضطر المسؤولون الى السفر مراراً إلى الخارج ( وما ادراك ما التذاكر والبدلات والحوافز المتكررة بحجة المتابعة) فضلاً عن سداد رسوم اسواق المال الخليجية نظير ذلك، حتى لكأنني بهم في نهاية المطاف يرضون من الغنيمة بالإياب.
ثم.. هل يجهل بنك السودان او يجهل أحد أن هنالك احتمالاً كبيراً لوجود عملة مزيفة بدرجة دقيقة قد لا تكشفها ماكينات الفحص التي تملكها البنوك وبالتالي فهل نحن مستعدون لاستيعاب الكميات المهولة واللا محدودة منها وفتح الباب لغسيل الاموال عبر هذه السندات الجديدة وتشكيل غطاء قانوني لها؟.
ومن قال إن سندات الخزينة لا تعد جزء من عرض النقود بالمفهوم الواسع m3 خاصة في ظل تداولها في سوق الاسهم والسندات فهذه درجة من السيولة؟

إن مسألة اصدار وادارة صكوك وسندات الخزينة تتطلب وقتا طويلا جدا وهذا لا يناسب الاستعجال والالحاح الراهن _ سد عجز الموازنة_ الذي من اجله تم اللجوء الى هذا الخيار .
إذاً فماذا نرى؟

الخيار الذي رفضه الاقتصاديون في بنك السودان وفي وزارة المالية ( طباعة عملة وزيادة عرض النقود m2) هو الأجدى والأكثر فاعلية.. لماذا؟
لأن مفهوم العامة المتمثل في أن زيادة الكتلة النقدية المتاحة للتداول العام تزيد بالضرورة معدلات التضخم فهذه الفكرة التقليدية الدوغمائية تحتاج إلى تريث من جانب المتخصصين لأنها ليست مسلمة من ابجديات علم الاقتصاد، بل هي غير صحيحة بهذا الاطلاق. واحيانا اصبح حلا لمشكلة عميقة.
كيف؟
اولا يجب تشخيص الظاهرة الاقتصادية الماثلة بروية ودقة ومن كل الجوانب قبل أن نجيب عن السؤال المحوري: هل نحن بصدد تضخم يقع في جانب الطلب demand pull inflation ام في جانب العرض supply push inflation؟
الذي هو في جانب الطلب( وهو الشائع لدى العامة) يتسبب فيه الطلب الزائد في ظل العرض الثابت أو المحدود من السلع والخدمات وهذا النوع من التضخم يواجه ويعالج بسياستين انكماشيتين: مالية ونقدية، وأما تضخم جانب العرض فهو ما يعرف بتضخم التكاليف او التضخم الركودي stagflation وهذا تسببه الزيادة في تكاليف السلع والخدمات من جراء احدى أو بعض المصادر الآتية: الزيادة المفاجئة في اسعار المواد الاولية والوقود وزيادة الاجور او الارباح الجشعية لدى السماسرة والتجار، وازعم أنني _ عبر رسالتي للدكتوراه_ قد اضفت الى هذه المصادر منبعاً جديدا يتمثل في الضرائب غير المباشرة وأسميت هذا النوع من التضخم ( Taxflation) لأنه ناجم غالبا عن ضرائب الجمارك والقيمة المضافة والدمغة ورسوم الانتاج وجبايات المحليات وطرق العبور الخ، فهذه كلها يحمّلها التاجر على أسعار السلع فترتفع ويتحملها المستهلك النهائي.
ولعل هذه هي اهم علل الاقتصاد السوداني في هيئته الراهنة. فالظاهرة التضخمية تميل بشدة الى جانب العرض (تضخم تكاليف) مما يتسبب في ركود السلع وعجز المستهلك عن شرائها رغم وفرتها كاللحوم مثلا وغيرها فيصبح لسان حال الناس ( العين بصيرة واليد قصيرة) ولسان القصاب يلهج( والله ما بتغطي معنا).
حسناً.
إن تضخم التكاليف أو التضخم الركودي _ كما يعلم خبراء الاقتصاد _ يواجه بسياستين توسعيتين، مالية ونقدية expantionary policies
ومن ضمن تلك السياسات التوسعية: خفض الضرائب وزيادة السيولة ( الكتلة النقدية m2) في السوق، من اجل الانعاش ومجابهة الركود او الانكماش المصاحب لهذا النوع من التضخم.

وبالتالي فمن يلجأ الى سندات الخزينة في هذه الحالة فإنه يرتكب خطأ حيث يزيد الركود تقشفاً حين يسحب السيولة من السوق فيعرقل الطلب وبالتالي يقل العرض فترتفع الاسعار اكثر.

لذلك ننصح باتخاذ خطوتين حلاً للمشكلة:
أولاً احتكار تصدير الذهب لامتلاك العملة الصعبة وحل كل ازمات التمويل والاستيراد والسيطرة على سعر الصرف والدخول في استثمارات حكومية تشكل مصادر ايرادات حقيقية.
ثانيا طباعة عملة جديدة ومختلفة لزيادة عرض النقود من اجل تحريك الطلب العام الراكد فيزيد الانتاج وتزيد الايرادات. فما يمكن ان ينجم عن ذلك من تضخم مؤقت سيكون تضخما (كينزياً ) حميدا ، الاقتصاديون يعرفون نظرية اللورد كينز فيما يتعلق بنقطة التوظيف الكامل full employment.
ثم ان احتكار تصدير الذهب سيضمن تحقيق استقرار سعر الصرف الذي بدوره سيخفض معدلات التضخم. وحينئذ يمكن اصدار سندات الخزينة في ظروف اكثر استقراراً ومواءمة، وغالبا فلن تحتاجوا الى اصدارها.

يبقى ان نهمس في آذانكم أنه إذا كنتم ماضون لا محالة الى اصدار الصكوك والسندات الجديدة فعليكم بإلزام البنوك بشرائها بالكامل ولا تهدروا عملة صعبة في سفر مناديبكم الى دول الخليج للترويج فهذا أمر انتم تعلمون انه بلا جدوى الان.
والله الهادي الى سواء السبيل

د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري واقتصادي