د/الهادي ابوضفيرة يكتب : بين شرارة البداية..تأملات في انحراف الثورة ( 4)

بين شرارة البداية وخيانة الطريق: تأمّلات في انحراف الثورة رقم 4

٢٠٢٦/٠٤/٢٤
د. الهادي عبدالله أبوضفائر

ليست المعضلة في أن الشعوب تثور، بل في أن الثورة، حين تفقد معناها، تتحول من أفقٍ للخلاص إلى شاهدٍ على تعثّره. فهي في أصلها فعلُ حياة، غير أنها إذا تكررت بالشروط ذاتها كشفت خللاً في الوعي قبل أن تفضح اختلالاً في بنية السلطة. ومن هنا يتبدل السؤال: لا لماذا تثور الشعوب، بل لماذا تعود إلى الثورة؟ ولماذا تعجز عن العبور من لحظة الانفجار إلى مسارٍ يعيد تأسيس الشروط بدل إعادة إنتاجها؟

إن تكرار الثورة لا يُقرأ كعلامة عافية، بل كدليلٍ على خللٍ بنيوي في طبيعة الفعل ذاته. فالثورة التي تستدعي نفسها سريعاً تفصح عن أنها لم تُنجز تحولها العميق، إذ لا يُقاس أثرها بزخم الانفجار، بل بقدرتها على تثبيت الفكرة بعد انحسار العاصفة. وحين يُعاد الفعل دون تجدد الوعي، يتحول التكرار إلى استنزافٍ للتجربة، ويغدو التاريخ دائرةً مغلقة تُعيد إنتاج الأزمة بدل تجاوزها.

غير أنّ الفارق لا يكمن في تكرار الفعل، بل في كيفية إعادته. فالتكرار ليس سوى استنساخٍ أعمى للتجربة بما تحمله من شروطٍ قديمة وأخطاءٍ متوارثة، بينما التكرير فعلٌ واعٍ يعيد فحص المسار بقصد تطهيره مما علق به من عجزٍ واضطراب. إنه انتقالٌ من إعادة الإنتاج إلى إعادة التكوين، أشبه بصهر الخام لا من أجل مضاعفته، بل لاستخلاص جوهره وتحريره من شوائب التجربة الأولى.

الثورة ليست في حاجةٍ إلى التكرار، بقدر ما هي محتاجة إلى التكرير. تكرير الفكرة حتى تُستوعب، وتكرير العاطفة حتى تُضبط، وتكرير المؤسسة حتى تُبنى على أساسٍ صلب. فالثورة التي لا تُخضع أدواتها للنقد، ولا تُنقّي خطابها من فائض الانفعال، تبقى أسيرة الشعار، قادرة على استنفار الجماهير، عاجزة عن اجتياز المسافة الأشدّ تعقيداً. المسافة الفاصلة بين لحظة الهدم ومعنى الدولة.

أخطر ما يهدد الثورات هو غياب العقل المنظِّم. فعندما تنسحب النخب الفكرية أو تُقصى، يتحول المجال العام إلى فضاءٍ شعبوي تُستبدل فيه القراءة العميقة بأمثالٍ مبسطة لا تحتمل تعقيد الواقع، وتُدار اللحظة بمنطقٍ انفعالي سريع. وفي هذا الفراغ، تتقدم القوى الأكثر تنظيماً، وإن كانت أقل شرعية، لملئه، لأن الفراغ في السياسة لا يدوم، بل يُشغَل دائماً بمن يملك الفعل لا بالضرورة من يملك الرؤية.

وعلى امتداد التجارب، يتّضح أن كل ثورة لاحقة تصبح أكثر كلفةً وتعقيداً من سابقتها، لا لأن الشعوب تضعف، بل لأن القوى المضادة تتعلّم. فهي تطوّر أدواتها، وتعيد تشكيل مؤسسات الدولة بما يجعلها أكثر قدرة على امتصاص الصدمات. وهكذا، تجد الثورة نفسها في كل مرة أمام خصمٍ أكثر خبرة، بينما تدخل هي المعركة بذات الأخطاء القديمة، فيختلّ ميزان التعلم لصالح من يُفترض أنه الطرف الأضعف أخلاقياً.

لكن المعضلة الأعمق لا تكمن في قوة الخصم، بل في هشاشة البديل. فالثورة التي لا تحمل مشروع دولة، تظل فعل هدمٍ بلا أفق بناء. ومشروع الدولة ليس بياناً سياسياً، بل منظومة متكاملة. رؤية فكرية واضحة، ومنهج علمي في الحكم، ومؤسسات تخطيط، وهوية جامعة، وقيادة تُقدّم الفكرة على المصلحة. من دون ذلك، تصبح الثورة كائناً هشاً، يولد قبل اكتمال شروط الحياة.

ومن هنا تتجلّى مركزية الفترة الانتقالية، لا بوصفها جسراً زمنياً بين نظامين، بل بوصفها لحظة تأسيس عميقة يُعاد فيها تعريف الدولة ذاتها. فهي المرحلة التي ينبغي أن تُبنى فيها قواعد الحكم الرشيد، ويُصاغ فيها عقد المواطنة على أساس المساواة والحقوق، وتُرسّخ فيها مؤسسات الضبط والمساءلة. غير أن العدالة في هذه المرحلة لا ينبغي أن تتحول إلى أداة انتقام، بل إلى عملية متوازنة تجمع بين المساءلة عن الجرائم الجسيمة والمصالحة الاجتماعية، لأن الصلح في سياقات الهشاشة ليس ضعفاً، بل شرطٌ للاستقرار.

وفي موازاة ذلك، لا يمكن لأي انتقالٍ سياسي أن يصمد إذا لم يُسنده استقرارٌ اقتصادي. فالإنسان، قبل أن يكون حاملاً لفكرة، هو كائنٌ يبحث عن حد الكفاية. ولذلك فإن توفير الاحتياجات الأساسية من غذاء وصحة وتعليم وأمن معيشي ليس ملفاً خدمياً ثانوياً، بل هو الوقود الذي يُبقي المجتمع قادراً على الاستمرار في مشروع التحول. فالدولة التي تعجز عن تأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة، تُفقد مواطنيها الثقة، وتفتح الباب لعودة الاستبداد تحت غطاء الاستقرار.

ومن هذا المنطلق، ينبغي إعادة ترتيب العلاقة بين السياسة والاقتصاد. فالأصل أن تكون السياسة في خدمة الاقتصاد، لا العكس. لأن اقتصاداً متماسكاً هو الذي يمنح الدولة القدرة على تقديم خدماتها، ويخلق شرعيةً واقعية تتجاوز الخطاب. ومن دون ذلك، تبقى السياسة صراعاً على موارد شحيحة، لا إدارةً عقلانية لإمكاناتٍ متنامية.

كما أن بناء الدولة لا يكتمل دون رؤية استراتيجية طويلة المدى، تُصاغ بتوافقٍ وطني واسع، لا بإرادة فئةٍ أو لحظة. هذه الرؤية يجب أن تحدد أولويات التنمية، وتوازن بين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية، وتعيد توزيع الفرص بما يخفف من اختلالات المركز والهامش. فالدولة التي لا تُخطط لمستقبلها، تظل أسيرة حاضرها، مهما تعددت ثوراتها.

وفي العمق، يكشف تكرار الثورات عن خللٍ في العلاقة بين المجتمع والدولة، حيث تبدو الدولة ككيانٍ منفصل يعيد إنتاج نفسه، بينما تبقى البنية الاجتماعية على حالها. وهذا يعني أن التغيير لم يصل إلى الجذور، بل توقف عند السطح. لذلك، فإن التحول الحقيقي لا يبدأ بإسقاط النظام، بل بإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وبناء إنسانٍ جديد قادر على حمل فكرة الدولة، لا مجرد الاحتجاج عليها.

إن المخرج، إذن، لا يكمن في انتظار ثورةٍ جديدة، بل في تحويل الثورة من حدثٍ إلى عملية تكريرٍ مستمرة للوعي والقيم والنخب والمؤسسات. فالثورة الحقيقية ليست تلك التي تملأ الشوارع، بل تلك التي تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والوطن، بين السلطة والمسؤولية، بين الحق والواجب.

وفي النهاية، ليست المأساة أن تثور الشعوب مراراً، بل أن تفعل ذلك دون أن تتغير. لأن الثورة التي لا تُهذّبها الفكرة، ولا تضبطها الأخلاق، تتحول إلى دائرةٍ مغلقة، يُعاد فيها إنتاج الفشل بأشكالٍ مختلفة. وعندها، لا يفقد الوطن فقط استقراره، بل يفقد معناه ذاته، حين يصبح ساحةً للتجربة بدل أن يكون غايةً للبناء.
abudafair@hotmail.com