ضل الحراز ..علي منصور يكتب: ابيي اطماع الضم وأخطاء الداخل السوداني (1)

ضل الحراز

أبيي بين أطماع الضم وأخطاء الداخل السوداني

(1)

بقلم علي منصور حسب الله

يمثل قرار المفوضية القومية للانتخابات في جمهورية جنوب السودان بإعتماد منطقة أبيي ضمن الدوائر الجغرافية للانتخابات العامة المقرر إجراؤها في 22 ديسمبر 2026 تطوراً سياسياً وقانونياً بالغ الحساسية ليس فقط لأنه يعيد قضية أبيي إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي وإنما لأنه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع السياسي حول واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في تاريخ العلاقات السودانية والجنوب سودانية ومن الناحية القانونية لا تزال منطقة أبيي تخضع لوضع خاص وفق بروتوكول أبيي الملحق باتفاقية السلام الشامل لعام 2005 كما أن الوضع النهائي للمنطقة لم يُحسم حتى الآن عبر تسوية تفاوضية نهائية بين الخرطوم وجوبا ولذلك فإن أي إجراءات أحادية الجانب من أي طرف تُعد خروجاً على روح الاتفاقيات السابقة بما في ذلك اتفاقية الترتيبات المؤقتة لعام 2011 فضلاً عن قرارات مجلس الأمن الدولي التي دعت بصورة متكررة الطرفين إلى الامتناع عن اتخاذ خطوات يمكن أن تغيّر الوضع القائم أو تفرض حقائق جديدة على الأرض فلا يمكن النظر إلى قرار جوبا باعتباره مجرد إجراء انتخابي داخلي ضمن (102) دائرة انتخابية جغرافية وإن قيل إنها تستند إلى حدود الدوائر المعتمدة في انتخابات عام 2010 لعدم إجراء تعداد سكاني بل إنه يحمل جملة من الرسائل السياسية الواضحة أولها أن حكومة جنوب السودان تسعى إلى تعزيز حضورها الإداري والسياسي داخل أبيي وترسيخ واقع جديد في المنطقة مستفيدة من حالة الفراغ السياسي والأمني التي تعيشها منذ سنوات أما الرسالة الثانية فتتمثل في محاولة توظيف قضية أبيي داخلياً لتعزيز التماسك الوطني وحشد التأييد الشعبي قبيل الانتخابات المقبلة باعتبار أن قضية أبيي تمثل قضية رمزية شديدة الحساسية داخل الوجدان السياسي لدولة جنوب السودان خاصة لدي أبناء أبيي ممن لهم تأثير وفي المقابل تنظر الخرطوم إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة لفرض الأمر الواقع وتقويض مسار التفاوض وهو ما يفسر الموقف السوداني الرافض والاحتجاج الرسمي الذي صدر تجاه القرار كما تثير هذه التطورات مخاوف إضافية بشأن مستقبل العلاقات السودانية الجنوب سودانية خاصة في ظل هشاشة الأوضاع الأمنية في المناطق الحدودية بين البلدين واحتمالات انتقال الخلاف السياسي إلى توترات ميدانية أو قبلية فقد وُصفت أبيي في الماضي بأنها (الجسر الذي يربط شمال السودان بجنوبه) لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى إحدى أعقد بؤر النزاع في المنطقة وتعود جذور الأزمة إلى عقود طويلة من التداخل السكاني والمنافسة حول الأرض وموارد الرعي الموسمية بين قبيلتي المسيرية ودينكا نقوك وقد تعمقت هذه الخلافات بفعل الحرب الأهلية الأولى ثم الحرب الأهلية الثانية وفشل اتفاقية أديس أبابا قبل أن تصبح قضية أبيي أحد البروتوكولات الرئيسية لاتفاقية السلام الشامل لعام 2005 لقد كان العنف السياسي في أبيي جزءاً لا يتجزأ من الصراع الأكبر بين شمال السودان وجنوبه كما أن الحروب المتعاقبة خلقت مظالم متبادلة وعمقت مشاعر عدم الثقة والعداء بين المكونات المحلية ولا تمثل أبيي أهمية استراتيجية بسبب موقعها وثرواتها فقط وإنما أيضاً بسبب رمزيتها السياسية الكبيرة بالنسبة للنخب الحاكمة في الخرطوم وجوبا فضلاً عن قدرة كل من المسيرية ودينكا نقوك على الحشد العسكري والاجتماعي يذكر بأن هناك خطوات متراكمة نحو ضمها إلى جنوب السودان وإن قرار يوليو 2026 ليست الخطوة الأولى في هذا المسار بل يأتي ضمن سلسلة من التحركات التي تبنتها جوبا خلال السنوات الماضية ومن أبرزها تنظيم الاستفتاء الأحادي في أكتوبر 2013 والذي أعلنت خلاله قيادات محلية أن غالبية المشاركين صوتوا لصالح الانضمام إلى جنوب السودان بنسبة فاقت ال99٪ رغم أن الاستفتاء لم يحظى باعتراف السودان أو المجتمع الدولي وإنشاء إدارة خاصة لأبيي تتبع لجوبا وإنشاء مؤسسات تعليمية وإدارية مرتبطة بحكومة جنوب السودان وحملات دبلوماسية متواصلة لدى الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة للاعتراف بنتائج الاستفتاء وإدراج أبيي بصورة متكررة ضمن الترتيبات السياسية والانتخابية في جنوب السودان ورغم أن هذه الخطوات لا تمنح جنوب السودان سيادة قانونية على المنطقة فإنها تمثل محاولات تدريجية لترسيخ واقع سياسي وإداري جديد
هنالك شخصيات فاعلة في مشروع ضم أبيي
حيث برزوا خلال العقود الماضية وتبنت بصورة علنية أو عملية موقف ضم أبيي إلى جنوب السودان منهم (دينق ألور كوال) الذي يُعد أحد أبرز الوجوه السياسية المرتبطة بقضية أبيي منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل وقد ظل يؤكد بصورة متكررة أن أبيي جزء لا يتجزأ من جنوب السودان كما دعا إلى الاعتراف بنتائج استفتاء 2013 وممارسة ضغوط دولية لحسم القضية لصالح جوبا و(شول دينق ألاك) بصفته كبير الإداريين لمنطقة أبيي الخاصة من قبل جنوب السودان قاد عدداً من المبادرات الرامية إلى تعزيز المؤسسات الإدارية التابعة لجوبا داخل المنطقة ورفض المبادرات المتعلقة بالحكم الذاتي التي يرى أنها قد تؤدي إلى إبعاد أبيي عن خيار الانضمام للجنوب
و(فرانسيس مادينق دينق) ويُعد من أبرز الشخصيات الفكرية والدبلوماسية المنحدرة من أبيي وقد طرح في مراحل مختلفة أفكاراً تتعلق بالحكم الذاتي والإدارة المشتركة الأمر الذي أثار انتقادات من بعض قيادات دينكا نقوك التي اعتبرت تلك الطروحات ابتعاداً عن مشروع الضم الكامل
فضلاً عن بعض منظمات المجتمع المدني والزعامات التقليدية لدينكا نقوك المتمسكة بنتائج استفتاء 2013 والمطالبة باعتراف إقليمي ودولي بها مع رفض أي ترتيبات تؤدي إلى تقاسم دائم للمنطقة أو منحها وضعاً مستقلاً و(الرئيس سلفا كير ميارديت) رغم تبنيه خطاباً أكثر حذراً في بعض المراحل فإن حكومته ظلت تتعامل مع أبيي باعتبارها جزءاً من جنوب السودان عبر إنشاء مؤسسات إدارية وسياسية مرتبطة بجوبا وكان آخرها إدراج المنطقة ضمن الدوائر الانتخابية لانتخابات 2026 إن أخطر ما في التطورات الحالية هو احتمال انتقال النزاع من الإطار السياسي إلى الإطار الأمني والعسكري
فالحديث المتزايد عن تسليح بعض المجموعات المحلية خاصة دينكا نقوك التي سلحتها مليشيا الدعم السريع بالإضافة إلى التنافس الإقليمي على النفوذ واستغلال حالة الانقسام السوداني الداخلي وانحياز القيادات القبلية للمسيرية للدعم السريع رغم تصريحات عبد الرحيم دقلو التي تؤكد بأن أبيي جنوبية كلها عوامل تجعل من أبيي مرشحة لتكون إحدى بؤر التوتر المستقبلية
كما أن استمرار الخطوات الأحادية من أي طرف من شأنه أن يضعف فرص الوصول إلى تسوية تفاوضية دائمة، ويفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الخارجية ولا يمكن تحميل الأطراف الخارجية وحدها مسؤولية ما يجري في أبيي فالأزمة كشفت أيضاً عن وجود إخفاقات داخلية سودانية ساهمت في تعقيد الموقف لقد أدى الانقسام السياسي الداخلي وغياب الرؤية الموحدة وضعف الحضور الرسمي في ملف أبيي إلى فتح المجال أمام الآخرين للتحرك وفرض وقائع جديدة كما أن الانقسام داخل مجتمع المسيرية نفسه وتباين المواقف السياسية أسهما في إضعاف الموقف التفاوضي التاريخي للقبيلة
ويُعد قرار تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) الخاص بتذويب ولاية غرب كردفان وتوزيع محلياتها بين شمال وجنوب كردفان أحد التطورات التي أثارت مخاوف واسعة وسط قطاعات كبيرة من أبناء المنطقة الذين اعتبروا أن ذلك من شأنه إضعاف الثقل السياسي والإداري للمسيرية في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بأبيي وقد عبّرت الإدارة الأهلية لولاية غرب كردفان عن رفضها لهذه الخطوة من خلال المذكرة التي رفعتها إلى اللجنة التحضيرية للتحالف
وأخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الظروف هو تحويل قضية أبيي إلى ورقة مساومة في الصراعات السياسية والعسكرية الجارية فأي تصريحات أو مواقف تصدر من قوى سودانية بشأن تبعية أبيي حتى وإن كانت لا تملك أي أثر قانوني فإنها قد تُستغل سياسياً وإعلامياً من قبل الأطراف الأخرى لإضعاف الموقف السوداني ونعني بذلك مثل تصريحات عبد الرحيم دقلو كما أن حالة الانقسام الداخلي تمنح الأطراف الإقليمية والدولية فرصة أكبر للتدخل وإعادة صياغة الملف وفقاً لمصالحها إن مستقبل أبيي سيظل مرهوناً بقدرة السودان وجنوب السودان على العودة إلى طاولة التفاوض والالتزام بالاتفاقيات السابقة، مع تبني مقاربة متوازنة تراعي اعتبارات السيادة وحقوق المجتمعات المحلية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي كما أن حماية حقوق سكان المنطقة سواء كانوا من المسيرية أو دينكا نقوك تتطلب تجنب الخطابات التصعيدية والابتعاد عن أي إجراءات أحادية يمكن أن تؤدي إلى إعادة إنتاج العنف لقد أثبتت التجارب السابقة أن الحلول العسكرية أو فرض الأمر الواقع لا تؤدي إلى تسوية دائمة بل تؤدي إلى إنتاج أزمات جديدة وتعميق الانقسامات إن أبيي ستظل إحدى أكثر القضايا حساسية في الإقليم وستبقى اختباراً حقيقياً لقدرة السودانيين والجنوبيين على إدارة خلافاتهم بالحوار والتفاوض بدلاً من الصراع والمواجهة
وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة فإن أي فراغ سياسي أو انقسام داخلي قد يدفع بالمنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة إن قضية أبيي ليست مجرد نزاع حدودي بل هي قضية ترتبط بالتاريخ والهوية والتعايش والمصالح المشتركة بين شعوب المنطقة ومن ثم فإن أي تسوية مستقبلية ينبغي أن تستند إلى القانون والاتفاقيات الدولية وإرادة السكان المحليين، بعيداً عن منطق فرض الأمر الواقع أو استغلال ظروف الحرب والانقسام ويبقى السؤال الكبير هل تنجح الأطراف المختلفة في منع تحول أبيي إلى بؤرة صراع جديدة أم أن المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً في ظل الرسائل السياسية المتبادلة وتداخل الحسابات المحلية والإقليمية والدولية؟