انتصارات عسكرية وهزائم اقتصادية

كتب: د. محمد عبد القادر سبيل

 

بقدرما يتقدم جيشنا العظيم مظفرا نحو حسم الحرب لصالحه بانتصارات تاريخية تقترب من المعجزة، بقدرما تتعرض البلاد خلفه لهزائم متلاحقة في ميدان الاقتصاد وذلك بسبب جنجويد الاقتصاد الذين تمثلهم الرأسمالية الطفيلية المهيمنة على ثروات البلاد.

ولعل المقياس الاكثر مصداقية على مدى مرارة تلك الهزائم اليومية التي لم تحقق الحكومة فيها نصراً واحدا هو تدهور سعر الجنيه السوداني بصور مذهلة وعلى نحو لا نجد له مثيلاً في العالم قاطبة، إذ لا توجد تجربة فشل أدت الى انخفاض سعر العملة في بلد منا الى النصف خلال عام واحد، كما يندر ان تجد عملة تتآكل قيمتها بمعدل يومي بالصورة التي تجري عندنا .

إن الهزائم الاقتصادية المتلاحقة تمثلت في ارتفاع نسبة التضخم على نحو كبير حيث يقترب سعر قطعة الخبز (بالوزن إياه) من ٥٠٠ جنيه. وقس على ذلك بقية السلع.

واما الهزائم على صعيد الطاقة ( كهرباء ووقود) فحدث ولا حرج، مع ان الطاقة هي رافعة الانتاج وأوكسجينه الحيوي.

 

فمن هم هؤلاء الخونة الذين يطعنون الجيش من خلفه ويهزمون شعبا ينتصر له قادته وجنوده في معارك القتال؟

 

قلنا إنهم هم الرأسمالية الطفيلية، ولكن من هم أولئك بالتحديد؟

 

هل يعقل ان يكون بنك السودان مثلاً جزء من منظومة الرأسمالية المعادية؟

لماذا نفترض ذلك؟

لأنه قرر رسميا تفويض البنوك لتقوم بالمضاربة بالعملة في السوق الاسود من خلال السماح لهم بتحديد سعر صرف العملة الوطنية( رمز السيادة). فهل ينظر ان تحدد البنوك سعر صرف الجنيه اليتيم الموكول اليها تربيته دون مشورة عتاة تجار العملة في السوق الاسود؟

طبعا مستحيل. وفي هذه الحالة فإن من يحدد سعر صرف عملتنا هم تجار السوق الاسود بتفويض رسمي ( غير مباشر) من الدولة. إذاً فما هو التواطؤ والتآمر ضد الدولة إذا لم يكن هذا هو بعينه؟

وعندما تتوارد الانباء المتطابقة بأن التجار الاجانب والمصريين بالذات يصلون الى البلاد بكميات من أوراق العملة السودانية المطبوعة في الخارج ( والله أعلم) ليشتروا بها منتجاتنا المختلفة ثم يعبروا الحدود بأمان وسلام، فهل سنقول بعد ذلك ان موظفي الدولة المعنيين بريئون وغير متواطئين على هزيمتنا النكراء اقتصاديا؟.

وحينما تصر جهات حكومية على منع الدولة من استلام زمام تصدير السلع النقدية الكبرى وعلى رأسها الذهب وترك هذا الأمر الجلل لصالح تجار الرأسمالية الطفيلية يستمتعون بأكثر من 10 مليار دولار سنويا والشعب يتلوى من المسغبة فهل يمكن اعتبار ذلك شيئاً غير الاستسلام وطعن للجيش وهزيمة للشعب واذلاله حتى لا يذوق للنصر طعماً؟.

 

ولخطورة هذا الواقع على أمن الدولة نرفع الاذان ونقول: إذا لم يتول البرهان بنفسه قيادة معركة الاقتصاد ضد جنجويد الصادرات وجنجويد التهريب وجنجويد السوق الأسود، فإن الهزائم لا محالة ستتوالى، حتى الانهيار الكامل للدولة والشعب معاً.

فلقد اشتد الوغى وحمي الوطيس في حرب الاقتصاد والدولار تجاوز السبعة آلاف والطابور الخامس وافر في وزارة المالية وفي اتحاد المصدرين وفي بنك السودان وفي الوزارات الاقتصادية جميعا ووسط مستشاري القيادات العليا والله اعلم بكيدهم.

 

وأما النصر الاقتصادي المبين الذي ينبغي ان يترافق مع النصر العسكري فإنما يتحقق بما يلي فوراً:

 

١. إنشاء مؤسسة حكومية للتجارة السيادية والاستثمار الانمائي.

2. يوكل اليها احتكار تصدير ست فئات من السلع النقدية هي: الذهب، المنتجات الحيواتية، الصمغ العربي، الحبوب الزيتية، القطن والذرة.

3. تلتزم مؤسسة التجارة السيادية باحتكار استيراد ست فئات من السلع المهمة وهي: الوقود، القمح والدقيق، الادوية البشرية والبيطرية، مدخلات الانتاج الزراعي، مدخلات الانتاج الصناعي، احتياجات الحكومية من الاجهزة والمعدات المستوردة.

4. حيث ان قيمة ايرادات صادر السلع النقدية يتوقع ان تكون في حدود 15 مليار دولار وتكلفة السلع المستوردة جميعا في حدود 9 مليار دولار فإن فائض ايرادات المؤسسة ينبغي ان يوجه نحو إقامة المشاريع الانمائية بحسب اولويات المرحلة الراهنة وفي مقدمتها تقوية الجيش وتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح والوقود فضلا عن حل مشكلة الكهرباء جذريا وصيانة الطرق واصحاح البيئة ثم خدمات والتعليم المجاني والعلاج المجاني . حينها سنستشعر مذاق النصر ونحلق في سماء المجد بجناحين: النصر العسكري المستحق والنصر الاقتصادي المحقق للكرامة الحقة.

والله غالب على امره.

 

د. محمد عبد القادر سبيل

خبير اداري ومحلل اقتصادي