د/محمد سبيل يكتب : ما لايعرفه البعض عن فضل التظاهر بالعبادة

ما لا يعرفه البعض عن فضل التظاهر بالعبادة

د. محمد عبد القادر سبيل

على هامش حادثة صلاة تلك السيدة المسلمة في مطعم بدبي قبل أيام، الأمر الذي انتهى بإقالة مدير المطعم من منصبه لأنه منعها من الصلاة في قاعة الزبائن خوفاً على بريستيج المطعم ، وما تبع ذلك من ردود فعل واسعة ومتعارضة.. أقول:
لست عالماً يفتي، ولكنني مسلم يزعم أنه عرف كثيرا من مراد الله بدينه، ومن بين ذلك التفريق بين التظاهر الحميد بالدين والتظاهر المنكر.
كلامي هذا لا ينصب على حادثة ذلك المطعم تحديدا ولكنني لحظت في الآونة الاخير حملة واسعة تملأ الأسافير حول ما يسمونه ظاهرة (التدين الصوري) أو الشكلاني الذي يسخرون منه وينادون بقوة إلى نبذه والامتناع عنه.
وفي الواقع فإن ذوي المعتقد الليبرالي المتطرف في المجتمع المسلم تجدهم الأحرص دوما على إخفاء شعائر الدين والأشد تبرماً وانتقادا لظهوره في المجتمع معتبرين أن في ذلك قدراً كبيراً من الرياء والنفاق، وفي الحقيقة فإنهم يريدون للدين ان يصبح كالممنوعات التي يجب دسها في الظلام حتى لا تكون شاناً عاما وثقافة تهيمن على تصورات المجتمع وطريقة تفكيره.
ولأن مثل هذا التبرم معيب ويتناقض مع زعمهم بأنهم ليسوا ضد الدين وإنما هم مع حقيقة الدين وجوهره، تجدهم يتعللون بأن الإيمان الصادق المخلص هو ما خلا من المظاهر والدعاية الاجتماعية وأن الدين هو مكارم الأخلاق والقيم السمحاء في المقام الأول وان معظم المتظاهرين به كذابون تنقصهم هاتيك القيم السامية المتحضرة التي يحبها الله ورسوله وبالتالي فإن عملهم الصوري قمين بأن يحبط وينفر الناس لأنه محض تظاهر سطحي يعد من باب الشرك الخفي استناداً إلى مقولات الدين ذاته.
هؤلاء علموا شيئاً وغابت عنهم أشياء. لأن التظاهر بالدين لا يقل اهمية واجراً أحيانا من التخفي والإسرار به.
كيف؟
أولاً دعونا نثبت حقيقة أساسية لا خلاف عليها، وهي أن مسألة الرياء هذه التي يعولون عليها للنيل من فضيلة الاحتفاء بالشعائر المفروضة إنما محلها القلب، فإذا أخلصت النية لله وحده في أي عمل فلا يضرك أن تتظاهر به أو تخفيه حتى لو كان ذِكراً لله. ذلك لان الله تعالى يقول في حديث رواه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني ملأ ذكرته في ملأ خير منه).
ومن منا لا يعلم ان صلاة الجماعة علناً أفضل من صلاة الفذ خفاءً بدرجات؟. فلماذا؟
وإذا كنا نعرف ان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة رجل ينفق بيمينه ما لا تعلم شماله، فإننا نعلم أيضاً قوله الله عز وجل ( وإن تبدوا الصدقات فنعمّا هي) البقرة ٢٧١
ويقول ( ..وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ) فاطر٢٩ وإننا لنعلم كم أنفق ابوبكر علناً وأن عمر قد جاء بشطر ماله، ونعلم ما أنفق عثمان لشراء بئر اليهودي ولتجهيز جيش العسرة وما انفق عبد الرحمن بن عوف فهل هؤلاء النجوم الزواهر منافقون مراؤون وكان الافضل لهم ان يكتموا صدقتهم؟ أم أنهم مبشرون بالجنة وقد نالوا شهادة الرضوان من لدن رب العالمين سبحانه وتعالى؟
إن الله ربنا تبارك وتعالى يحب التظاهر بطاعته الخالصة لوجهه ليري عصاته ما يفعل عباده الصالحون ويباهي بهم الملائكة ليغيظ الكافرين.
انظر الى صلاة الجمعة تجدها صلاة تظاهر بامتياز دون ان تكون رياء وبطرا، فالمطلوب فيها التزين بأجمل الثياب والتطيب ولا يجوز ان تصليها إلا في جماعة امام أعين الناس. وكذلك صلاة العيد حيث الخروج اليها بالتهليل والتكبير في الطرقات وكذلك الحج والعمرة لا تؤدى خفية وإنما تظاهراً وجماعة بدوي التلبية والجأر بالدعاء فالله يحب ان يرى عباده المخلصين _ وما اقلهم _ يظهرون طاعته امام الغافلين الكثر عسى ان يكون في ذلك مدعاة لهم حتى تلين قلوبهم النافرة عن عبادة ربهم فيؤمنوا ويلتحقوا بجماعة المسلمين فيغزروا سوادهم يوما.
هذا كله يجهله أو يتجاهله أعداء المجاهرة بعبادة الله في الأماكن العامة، ربما لما ينتابهم من قلق ناجم عن إنتشار ثقافة الدين وهيمنة معتقداته على النفوس والعقول فتضطرب بذلك تجارة العقائد المادية.
ختاماً، تلح علي خاطرتان لابد من إيرادهما بهذا الصدد، الاولى قوله تعالى( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون ) الاعراف ٢٠٤ ما يعني أن قراءته في ملأ فضيلة واستماع المجمتع له واجب، تماما كما أن قراءته في التهجد فضيلة، ربما لأن في تشارك تلاوته تعبد ودعوة إلى الله عز وجل في آن معاً.
وأما الخاطرة الثانية فهي أن عمر بن الخطاب سمي بالفاروق يوم جاهر وتظاهر بإسلامه مخلصاً لربه الواحد الأحد فطاف حول الكعبة جهاراً كما هاجر جهارا نهاراً فغضب لذلك أعداء الدين وكارهو هيمنته على سلوك المجتمع ، بينما اعتز الإسلام بهذا التظاهر.

د. محمد عبد القادر سبيل