ضل الحراز: علي منصور حسب الله
من أكثر ما يسعد الكاتب أن يرى أفكاره تتجاوز حدود المقالات إلى فضاء الفعل، وأن تتحول الأطروحات التي ظل يدافع عنها إلى مبادرات عملية تتبناها قوى المجتمع. فالكتابة لا تبلغ غايتها الحقيقية إلا عندما تصبح جزءًا من صناعة الوعي وإحداث التغيير.
ولسنوات ظللنا نكتب عن واحدة من أخطر الأزمات التي يعاني منها السودان، وهي اختطاف إرادة الشعب، والتحدث باسمه دون تفويض، واحتكار القرار الوطني بواسطة قوى سياسية أو عسكرية أو أيديولوجية تدّعي تمثيل السودانيين، بينما لم يمنحها الشعب هذا الحق عبر انتخابات حرة ونزيهة.
لذلك، كان من دواعي التفاؤل أن يلتئم جمع غفير بمدينة بورتسودان، في قاعة نادي الموانئ، ليعلن في بيانه التأسيسي قيام المنبر السوداني للعدالة الاجتماعية – إنصاف، وهو منبر يسعى إلى إعادة الاعتبار للمجتمعات السودانية، وتمكينها من استرداد قرارها المسلوب، وترسيخ مبدأ أن الشعب وحده هو مصدر السلطات، وصاحب الحق الأصيل في اختيار من يحكمه، وفي مساءلته وعزله عبر الوسائل الديمقراطية. وقد تشرفت بتلقي الدعوة لحضور هذا الحدث، وألحّ عليّ الأخ الأستاذ إبراهيم بابجي بالحضور من أم درمان لأشهد لحظة ميلاد هذه الفكرة، التي أرى أنها تمثل خطوة مهمة في مسار استعادة السياسة من قبضة الوصاية والاحتكار.
لقد جاء في البيان التأسيسي للمنبر أن السودان واجه خلال العقود الماضية أزمة عميقة تمثلت في اختطاف صوت المجتمعات، ومصادرة حقها في التعبير عن إرادتها الحرة، وادعاء التحدث باسمها دون تفويض شعبي حقيقي. وهي حقيقة يصعب إنكارها؛ إذ أصبحت النخب المختلفة تتحدث باسم الشعب أكثر مما يستمع الشعب إليها.
وقد ترتب على هذا الاختطاف أن زُجّ بالمجتمعات في حروب وصراعات لم تخترها، ودُفعت أثمان باهظة من أمن المواطنين واستقرارهم ومستقبل أبنائهم. وكان المواطن السوداني هو الضحية الأولى للنزوح واللجوء، والانتهاكات، وانهيار الخدمات، وتراجع التنمية، وتفكك النسيج الاجتماعي، بينما ظل المتحدثون باسمه يتنازعون السلطة والنفوذ. كما أثبتت التجربة السودانية أن أي شرعية تُبنى خارج الإرادة الشعبية، سواء استندت إلى القوة العسكرية، أو إلى سياسة الأمر الواقع، أو إلى شرعية ثورية، أو توافقات سياسية مغلقة، أو أي صيغة أخرى لا تستند إلى تفويض شعبي حر، فإنها تظل شرعية منقوصة، وعاجزة عن بناء دولة مستقرة، لأنها تؤسس للإقصاء، وتعزز الانقسام، وتطيل أمد الأزمات.
فالشرعية في الدولة الديمقراطية لا تُستمد إلا من الإرادة الحرة للمواطنين عبر انتخابات دورية حرة ونزيهة وشفافة، تتيح للشعب اختيار من يحكمه، ومحاسبته، واستبداله بالوسائل الدستورية. أما الشرعيات الانتقالية أو الثورية أو التوافقية، فهي بطبيعتها شرعيات مؤقتة، تنتهي بانتهاء الظروف التي أوجدتها، ولا يجوز أن تتحول إلى أدوات لاحتكار السلطة أو الحديث باسم الشعب إلى ما لا نهاية.لقد ظللنا نردد، وسنظل نردد، أن الشرعية لا تُستمد من فوهة البندقية، ولا تُفرض بقوة السلاح، كما أن السياسة لا يمكن أن تُبنى على العصبية القبلية أو الجهوية أو العنصرية، ولا يجوز أن تتحول الأحزاب إلى ملكيات خاصة تتوارثها بيوتات بعينها، أو أن تُدار بمنطق الزعامات الأبدية التي لا تخضع للمحاسبة أو التداول.
ومن أراد أن يكون قائدًا سياسيًا، فعليه أن يتجه إلى الشعب، لا إلى السلاح، وأن يبحث عن أصوات الناخبين في صناديق الاقتراع، لا عن الاعتراف في المؤتمرات المغلقة أو عبر البيانات السياسية. فالشعب وحده هو صاحب الحق في منح الشرعية أو حجبها. كما أن المجتمعين الإقليمي والدولي مطالبان بالكف عن التعامل مع القوى التي تدّعي تمثيل السودانيين دون سند انتخابي، لأن ذلك يمنح شرعية سياسية لمن لا يملكها، ويطيل أمد الأزمة السودانية. فمنذ آخر انتخابات ديمقراطية حرة عام 1986، لم يُمنح أي طرف تفويضًا شعبيًا يخول له الحديث باسم الشعب السوداني بأسره. وعليه، فلا يحق لأي جهة، سواء كانت تحالفات سياسية مثل “صمود” أو “تقدم” أو “تأسيس”، أو مليشيا الدعم السريع، أو الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقيات السلام أو غير الموقعة عليها، أو أي جماعة أخرى، أن تزعم أنها الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوداني كله أو بعضه فالتمثيل الشعبي لا يُمنح بالادعاء، وإنما يُكتسب عبر صندوق الاقتراع. وفي المقابل، فإن من حق كل القوى السياسية، بما فيها التيارات المطالبة بالانفصال أو إعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم، أن تطرح رؤاها وأفكارها في إطار الحوار السلمي والتنافس الديمقراطي، شريطة أن تبتعد عن خطاب الكراهية والعنصرية، وألا تعمل على تجريد الآخرين من وطنيتهم أو إنسانيتهم أو حقهم في الاختلاف. إن السودان اليوم لا يحتاج إلى أوصياء جدد، ولا إلى متحدثين جدد باسم الشعب، وإنما يحتاج إلى إعادة السلطة إلى صاحبها الحقيقي: المواطن السوداني. فبقدر ما تتسع مساحة المشاركة الشعبية، تضيق مساحة الحرب، وبقدر ما يحترم الجميع إرادة الناخبين، تقترب البلاد من الاستقرار. إن المستقبل لن تصنعه البنادق، ولا البيانات، ولا الادعاءات، وإنما سيصنعه شعب حر يمتلك حق الاختيار، ويقرر بنفسه من يحكمه، وكيف يُحكم، ومتى يُغيّر من يحكمه. وتلك هي القاعدة التي لا تستقيم الدولة الديمقراطية بدونها، وهي الطريق الوحيد لبناء سودان يسع الجميع، وتكون فيه السيادة للشعب، والشرعية للإرادة الحرة، والدستور هو المرجعية العليا للجميع.
