ضل الحراز…علي منصور يكتب : البوربونيون السودانيون النخب التي لاتتعلم(5)

ضل الحراز

البوربونيون السودانيون… النخب التي لا تتعلم

(5)

بقلم علي منصور حسب الله

يمثل سلوك كثير من الأحزاب والقوى السياسية السودانية تجسيداً حياً للمقولة الشهيرة التي أطلقها الدبلوماسي والسياسي الفرنسي شارل موريس تاليران في وصفه لأسرة آل بوربون عقب عودتها إلى عرش فرنسا بعد سقوط نابليون بونابرت (إنهم لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً) وربما لا تنطبق هذه العبارة على النخب السياسية وحدها بل تمتد بدرجات متفاوتة إلى قطاعات واسعة من المجتمع السوداني الذي ظل عبر عقود طويلة يتأرجح بين الحماس والانفعال وبين التأييد المطلق والرفض المطلق دون أن تتاح له الفرصة الكافية لبناء تجربة سياسية مستقرة تتراكم فيها الدروس والعبر.فالشعب الذي غنّى للحرية والاستقلال مع الزعيم إسماعيل الأزهري وردّد مع الفنان حسن خليفة العطبراوي أغنية (يا غريب يلا لي بلدك) من كلمات الشاعر الراحل حسن مصطفى التني، هو نفسه الذي استقبل انقلاب نوفمبر 1958 بقيادة الفريق إبراهيم عبود بقدر من الترحيب والأمل في الخلاص من صراعات الأحزاب وعجزها عن إدارة الدولة الفتية لكن ذلك التأييد لم يدم طويلاً إذ سرعان ما تبددت الآمال تحت وطأة الحكم العسكري فاندلعت ثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت بنظام عبود عبر هتافات داوية (إلى القصر.. حتى النصر) وأطلقت.النقابات العمالية.وتحديداً عمال السكك الحديدية شعار (السكة حديد.. نار الإيد) تعبيراً عن شلّ حركة البلاد بإضرابهم السياسي وبعد سنوات قليلة عاد كثيرون يرددون بحسرة (ضيعناك يا عبود وضِعنا وراك يا عبود) في تعبير صارخ عن ظاهرة الحنين إلى الماضي مهما كانت عيوبه وتكررت الدورة ذاتها مع المشير جعفر محمد نميري فقد هتف له الناس في سنواته الأولى ورددوا الأغاني والشعارات التي تمجد حكمه واعتبره البعض منقذاً للبلاد من الفوضى السياسية لدرجة إنهم قالوا (الملايين قلناه نعم الشعب كتب نميري نعم) غير أن ذات الجماهير خرجت في انتفاضة أبريل 1985 مطالبة بإسقاطه وهي تهتف (لن ترتاح يا سفاح) ولم يلبث السودانيون طويلاً في ظل الديمقراطية الثالثة حتى عاد صوت الإحباط من الأداء الحزبي ليرتفع من جديد وتردد الشعار الشهير (العذاب ولا الأحزاب) وهو الشعار الذي مهّد نفسياً وسياسياً لتقبل انقلاب عام 1989 بقيادة عمر حسن أحمد البشير ثم أعادت التجربة نفسها إنتاج ذات النتيجة فبعد ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ خرجت الجماهير في الثورة السودانية 2018–2019 تهتف بسقوط النظام (تسقط بس) وبعد سقوطه رددوا فرحا (ثلاثين سنة بترقص… الليلة رقصتنا) واحتفلت بسقوط البشير كما احتفلت الأجيال السابقة بسقوط عبود ونميري غير أن المشهد لم يكد يكتمل حتى بدأت موجة جديدة من الإحباط وخيبة الأمل وعادت بعض الأصوات تستدعي الماضي وتبحث عن بدائل في الوجوه والأنظمة ذاتها التي سبق أن ثارت ضدها وكأن التاريخ السوداني يدور في حلقة مغلقة لا تكاده تنتهي إن المشكلة الحقيقية ليست في الأشخاص وحدهم ولا في الأحزاب وحدها ولا في الأنظمة العسكرية وحدها وإنما في غياب المراجعة النقدية الجادة للتجارب السابقة فكل مرحلة تسقط بسبب أخطائها لكن القوى التي تخلفها غالباً ما تقع في الأخطاء نفسها فتتكرر دورة الفشل وكأن البلاد محكومة بقانون سياسي غير مكتوب يعيد إنتاج الأزمات بأسماء وشعارات مختلفة.لقد أثبت تاريخ السودان الحديث أن إسقاط الأنظمة لا يكفي لبناء الأوطان وأن تغيير الحكام لا يحقق بالضرورة تغيير أساليب الحكم كما أثبت أن الديمقراطية لا تنجح بالشعارات وحدها وأن الحكم العسكري لا يحقق الاستقرار لمجرد رفعه شعارات الانضباط والحسم فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا ببناء مؤسسات قوية وترسيخ ثقافة سياسية ديمقراطية واحترام التداول السلمي للسلطة والاحتكام إلى الدستور والقانون ذلك ينبغي للأجيال القادمة أن تدرك أن تطبيق الحكم المدني في حد ذاته لا يعني بالضرورة انتقال البلاد إلى (جنة عدن) أو تحقيق الاستقرار والازدهار تلقائياً فالتجارب الإنسانية أثبتت أن نجاح الدول لا تصنعه الشعارات السياسية وحدها بل تصنعه منظومة متكاملة من القوانين الراسخة والمؤسسات الفاعلة، والرقابة والمحاسبة والثقافة السياسية التي تحترم التعددية وسيادة القانون ومن هنا فإن الخطأ يكمن في وضع جميع البيض في سلة واحدة والاعتقاد بأن الأحزاب السياسية وحدها قادرة على حل أزمات البلاد مهما كانت بنيتها الفكرية والتنظيمية هشة أو عاجزة عن تجديد نفسها فقبل التعويل عليها، لا بد من إعادة صياغة هذه الأحزاب وتحديث هياكلها وبرامجها وأساليب عملها حتى تصبح قادرة على رتق ما تمزق من النسيج الوطني لا أن تكون جزءاً من أسباب التصدع والانقسام كما أن المظاهر والأزياء السياسية لا تصلح معياراً للحكم على الأشخاص أو الأنظمة فليس كل من ارتدى العمامة أو رفع شعارات الديمقراطية مؤمناً فعلاً بقيمها وممارساتها كما أن ارتداء البزة العسكرية لا يعني بالضرورة الاستبداد أو مصادرة الحريات فالتاريخ قديماً وحديثاً حافل بأمثلة لحكام مدنيين مارسوا أبشع صور القمع والاستبداد كما عرف قادة عسكريين أسهموا في بناء الدولة وترسيخ الاستقرار وإطلاق مشاريع التنمية والإصلاح إن جوهر القضية لا يكمن في هوية الحاكم المدنية أو العسكرية بل في طبيعة النظام السياسي الذي يحكمه القانون ويخضع فيه الجميع للمساءلة وتُصان فيه الحقوق والحريات وتُدار فيه الدولة وفق المؤسسات لا وفق الأفراد فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات أو واجهات مدنية وإنما هي ثقافة وممارسة ومؤسسات قادرة على حماية المجتمع من استبداد الفرد والحزب والطائفة على حد سواء
ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس من يحكم السودان؟ وإنما هل تعلمت النخب السودانية من دروس الماضي؟ وهل تعلم المجتمع السياسي من تجاربه المتكررة؟ أم أننا ما زلنا نعيد إنتاج المشهد نفسه الذي وصفه تاليران قبل أكثر من قرنين عندما قال عن البوربونيين (إنهم لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً ؟) ذلك هو السؤال الذي سيحدد ما إذا كان السودان مقبلاً على مستقبل مختلف أم أنه سيظل أسيراً لدائرة تاريخية مغلقة تتكرر فيها الأخطاء وتتبدل فيها الأسماء فقط

نواصل…