الخبيرة المحاسبية عواطف محجوب الفضل في ضيافة (السودان من الداخل)

تتطلب مؤسسات الدولة خبرات متنوعة تجمع بين المعرفة الأكاديمية والفهم العملي لطبيعة العمل الإداري والاقتصادي، وهو ما يتجلى في تجربة ضيفتنا في هذه الحلقة، التي تنقلت بين عدد من المؤسسات الحكومية واكتسبت خبرة مهنية متنوعة امتدت من المجال المالي إلى الثقافي والإداري .

ضيفتنا الخبيرة المحاسبية عواطف محجوب الفضل وهي خريجة كلية التجارة قسم المحاسبة بجامعة أم درمان الإسلامية، بدأت مسيرتها المهنية في مصلحة الضرائب، قبل أن تنتقل إلى وزارة الثقافة عبر الصندوق القومي لرعاية المبدعين، ثم تواصل رحلتها المهنية في المجلس الأعلى للأجور التابع لديوان الحسابات، حيث تتابع عن قرب قضايا الأجور وسوق العمل والتحديات الاقتصادية التي تواجه العاملين .

في هذا الحوار نتوقف عند محطات هذه التجربة، ونسأل عن واقع الأجور في السودان، وأثر الحرب على الاقتصاد ومعيشة المواطنين، كما نناقش دور المؤسسات الحكومية في مواجهة التحديات الراهنة، ورؤيتها لقضايا المرأة والعمل والخدمة العامة .

حوار يجمع بين الخبرة المهنية والقراءة والواقعية لقضايا الاقتصاد والإدارة في السودان، فإلى مضابط الحوار:

 

حاورتها: صفاء بحر 

مرحبًا بك ضيفة في سلسلة السودان من الداخل

 

بدايةً، حدثينا عن نشأتك في ولاية نهر النيل، وكيف تشكلت اهتماماتك العلمية والمهنية؟

لقد ولدت في ولاية نهر النيل محلية المتمة قرية وادي الدابي، ولكن كبرت وترعرعت في الخرطوم في حي إمتداد الدرجة الثالثة، ودرست المساق التجاري ومن هنا تشكلت اهتماماتي المهنية بحبي لتخصص المحاسبة منذ نعومة اظافري.

 

لماذا اخترتِ دراسة المحاسبة في جامعة أم درمان الإسلامية؟

تخصص المحاسبة من التخصصات المرنة والجميلة التي تسهم في تطوير المؤسسات وتعزيز الكفاءة المالية، لقد كانت لدي ميول نحو التحليل والأرقام والتنظيم ورأيت بأن المحاسبة توفر لي فرص لإكتساب مهارات يمكنني أن اوظفها في مختلف القطاعات الخاصة والحكومية، وايضًا رأيت ان فرص العمل بها متوفرة بكثرة، كما أن جامعة امدرمان الإسلامية هي من الاصرحة العريقة والقوية في السودان اكاديميًا، ولذلك إعتقدت انها البيئة المناسبة لي لبناء أساس علمي ومهني قوي في هذا المجال.

 

كيف تصفين رحلتك المهنية منذ التخرج وحتى العمل في المجلس الأعلى للأجور؟

اعتقد ان رحلتي المهنية لم تكن مجرد انتقال من الدراسة إلى الوظيفة، بل كانت رحلة صبر واجتهاد وإيمان بأهمية تطوير الذات والإعتماد على النفس، وقد تعلمت خلالها أن النجاح لا يعتمد فقط على المعرفة الأكاديمية، وإنما على الإلتزام والاستمرارية والصبر والقدرة على التكيف.

ما أهمية المحاسبة في تحسين أداء المؤسسات الحكومية والخاصة؟

المحاسبة لها دور كبير في تحسين الأداء المؤسسي؛ فهي تساعد متخذي القرار في إتخاذ القرارات الصحيحة لأنها توفر معلومات مالية دقيقة، فهي تحقق الرقابة على الموارد وتعزز الشفافية والكفاءة، ولذلك تحسن الأداء المؤسسي وتضمن استدامة المؤسسات الحكومية والخاصة.

هل تعتقدين أن الوعي المالي لدى الأفراد والمؤسسات في السودان يحتاج إلى مزيد من التطوير؟

أعتقد أن الوعي المالي لدى الأفراد والمؤسسات في السودان ما زال يحتاج إلى مزيد من التطوير، رغم وجود تحسن ملحوظ في السنوات الأخيرة، فعلى مستوى الأفراد، لا يزال هناك ضعف في ثقافة الإدخار والتخطيط المالي الشخصي وإدارة الدخل بشكل فعال، أما على مستوى بعض المؤسسات فهناك حاجة أكبر لتعزيز مفاهيم الإدارة المالية الحديثة، مثل التخطيط المالي طويل المدى، وتحليل التكاليف، واستخدام التقارير المالية في اتخاذ القرار بشكل أكثر دقة، لكن في المقابل هناك جهود واضحة من بعض الجهات والمؤسسات في تحسين هذا الوعي من خلال التدريب وتطوير الأنظمة المالية، لذلك أرى أن تعزيز التعليم المالي والتدريب المستمر يمكن أن يحدث فرقاً كبيرًا في رفع كفاءة الأفراد والمؤسسات ودعم الاقتصاد بشكل عام.

ربط الأجور بالإنتاجية مفتاح الاستقرار الاقتصادي في السودان

ما أبرز المهارات التي ينبغي أن يمتلكها خريج المحاسبة اليوم؟

هذا عصر التكنلوجيا والذكاء الإصطناعي، ولذلك دايمًا ما انصح خريجين هذا التخصص والدارسين له بأن يواكبوا هذا العصر وأن يستفيدوا من وقتهم في تعلم الحاسوب والأنظمة المحاسبية والمهارات التقنية مثل الايكسل وبرامج التحليل المالي، ومهارات تحليل البيانات وان يستفيدوا من الذكاء الإصطناعي في هذا المجال فهو يوفر الوقت والجهد مع قليل من الخبرة اليدوية يعطي نتائج ممتازة.

عملتِ في مصلحة الضرائب، ماذا تعلمتِ من هذه التجربة؟

على المستوى العملي تعلمت أهمية الانضباط والدقة والتأني في العمل المحاسبي، فهذا المجال لا يحتمل الخطأ، فأي خطأ بسيط يمكن أن يؤثر على نتائج كبيرة.

اما على المستوى الشخصي فقد عززت هذه التجربة لدي مهارات التواصل والتحمل ضغط العمل، واكدت لي على أهمية المسؤولية في بيئة العمل الحكومية، بشكل عام أسهمت هذه التجربة بشكل كبير في بناء خبرتي المهنية.

ما أكثر المفاهيم الخاطئة التي يحملها الناس عن النظام الضريبي؟

الناس يفهمون النظام الضريبي بطريقة خاطئة وينظرون على أن الضرائب مجرد عبء مالي، أو أن التهرب منها أمر غير مؤثر، بينما هي في الحقيقة أداة أساسية لتمويل الخدمات العامة مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية وتحقيق التنمية، لذلك يحتاج المجتمع إلى مزيد من التوعية الضريبية.

كيف يمكن أن تسهم الإدارة الضريبية الجيدة في دعم الاقتصاد الوطني؟

تسهم الإدارة الضريبية بشكل مباشر في دعم الاقتصاد الوطني من خلال الإيرادات العامة وهذا يوفر للدولة الموارد اللازمة لتمويل الخدمات الأساسية، إضافة إلى ذلك فإن الإدارة الضريبية الفعالة تساعد في الحد من التهرب الضريبي وتحسين الإمتثال مما يوسع القاعدة الضريبية ويزيد من الاستقرار المالي للدولة، وفي النهاية اذا وجد نظام ضريبي منظم وشفاف سيعزز هذا بيئة الاستثمار ويشجع النمو الاقتصادي المستدام.

الحرب أضعفت القوة الشرائية وأربكت سوق العمل في السودان

انتقلتِ للعمل في وزارة الثقافة ضمن الصندوق القومي لرعاية المبدعين، كيف كانت تلك التجربة؟

كانت تجربة العمل في الصندوق القومي لرعاية المبدعين تجربة مميزة جدًا ومشوقة، لأنني اكتسبت فيها العديد من الخبرات في الجوانب الإدارية والمالية المرتبطة بالمشاريع الثقافية، وتعلمت من خلالها المرونة في التعامل مع طبيعة عمل مختلفة، إضافة إلى أن مهاراتي تطورت في إعداد التقارير من خلال العمل ضمن بيئة متعددة الاهتمامات.

 

برأيك، ما الذي يحتاجه المبدع السوداني حتى يجد بيئة داعمة لإنتاجه؟

يحتاج المبدع السوداني إلى دعم مؤسسي مستقر من الدولة، وتشريعات تحمي حقوقه، ومنصات لعرض إنتاجه، إضافة إلى التدريب وبناء القدرات، مع تعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص لخلق بيئة حاضنة للإبداع كما يجب، وربط المبدعين بالخبرات الإقليمية والدولية، بما يساعد على تطوير جودة الإنتاج الإبداعي ،أخيرًا أنا أعتقد أن وجود تنسيق بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني يمكن أن يصنع بيئة أكثر دعمًا واستدامة للإبداع في السودان.”

 

تعملين حاليًا في المجلس الأعلى للأجور، كيف تقيّمين واقع الأجور في السودان في ظل الظروف الاقتصادية الحالية؟

هذا الأمر يحتاج إلى نظرة واقعية تراعي التحديات الكبيرة التي يمر بها الاقتصاد، خاصة ارتفاع معدلات التضخم وتذبذب أسعار السلع والخدمات، وفي المقابل هناك جهود واضحة من الدولة والمؤسسات المعنية ومن بينها المجلس الأعلى للأجور للعمل على مراجعة هياكل الأجور وتحقيق قدر أكبر من العدالة بين مختلف القطاعات، بما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي للعاملين، لكن لا يزال التحدي قائمًا في إيجاد توازن بين قدرة المؤسسات الاقتصادية على الاستمرار وبين تحسين مستوى دخل العاملين، خاصة في القطاعين العام والخاص. لذلك أرى أن الحل يتطلب سياسات تدريجية شاملة تربط بين الإنتاجية ومستوى الأجور، مع تحسين البيئة الاقتصادية بشكل عام.

 

ما المعايير التي ينبغي أن تُراعى عند وضع سياسات الأجور؟

في هذا الأمر هنالك 5 ركائز أساسية يجب أن ينظر لها عند وضع أي سياسة للأجور، وهي:

♢أولاً: يجب اخذ تكلفة المعيشة بعين الاعتبار حتى تكون الأجور قادرة على تلبية الحد الأدنى من احتياجات العاملين.

♢ثانيًا: مراعاة الإنتاجية وكفاءة الأداء، بحيث يكون هناك ربط بين الجهد المبذول والعائد المادي وهذا الأمر يشجع على تحسين الأداء.

♢ثالثًا: الوضع الاقتصادي العام للدولة وقدرة المؤسسات المالية، لأن أي سياسة أجور غير واقعية قد تؤثر على استقرار المؤسسات أو الموازنة العامة.

♢رابعًا: تحقيق العدالة والمساواة بين الفئات الوظيفية المختلفة مع مراعاة طبيعة العمل والمخاطر والمسؤوليات.

♢وأخيرًا: ضرورة وجودة مرونة في سياسات الأجور بحيث يمكن مراجعتها تحديثها بشكل دوري وفق المتغيرات الاقتصادية.

كيف يمكن تحقيق توازن بين تحسين دخل العاملين وإمكانات الدولة أو المؤسسات؟

هذا الأمر كما ذكرت سابقًا يحتاج سياسات تدريجية وواقعية تراعى الطرفين، من خلال ربط الأجور بالإنتاجية مع مراعاة قدرة الدولة والمؤسسات المالية، وتحسين كفاءة الإنفاق وزيادة الإيرادات بما يضمن الإستدامة المالية والعدالة في الدخل.

من واقع خبرتك في المؤسسات الحكومية، كيف أثرت الحرب على الاقتصاد السوداني وسوق العمل ومستوى معيشة المواطنين؟

دمرت الحرب الإقتصاد السوداني وتراجع النشاط الاقتصادي وتعطلت القطاعات الإنتاجية مما أدى إلى ضعف سوق العمل وارتفعت البطالة وبسبب كل هذه النتائج إنخفض مستوى المعيشة نتيجة التضخم وتراجعت القوة الشرائية، مع استمرار الحاجة لجهود حكومية للتعافي.

الإصلاح الاقتصادي يبدأ من استقرار التضخم وسعر الصرف

إلى أي مدى انعكست الحرب على ملف الأجور والقوة الشرائية للعاملين في القطاعين العام والخاص؟

أثرت الحرب بشكل كبير على الأجور من خلال ارتفاع التضخم وتراجع القوة الشرائية، ولم تعد الزيادات الأسمية في الأجور كافية لمواكبة تكاليف المعيشة سواء في القطاع العام أو الخاص بسبب الضغوط الاقتصادية وضعف النشاط الإنتاجي.

 

ما أبرز التحديات الاقتصادية التي ينبغي أن تحظى بالأولوية في مرحلة التعافي وإعادة البناء؟

في وجهة نظري أبرز أولويات التعافي الاقتصادي تشمل إعادة النظر في ملف تنشيط القطاعات الإنتاجية، كما يجب التركيز على استقرار التضخم وسعر الصرف كأولوية قصوى، ومن ثم النظر لباقي الملفات ومن بعده يجب إعادة بناء البنية التحتية لأنها لب الاستثمار وهي التي تجلب المستثمرين، وإصلاح النظام المالي والضريبي، ودعم سوق العمل وخلق فرص تشغيل جديدة لضمان نمو مستدام.

 

أعلنت الحكومة السودانية مؤخرًا حظر استيراد أو تداول بعض السلع. كيف تنظرين إلى هذه الإجراءات من منظور اقتصادي؟ وما الأهداف التي يمكن أن تحققها؟

لقد رأيت بأن الدولة لجأت لهذا القرار لأنها تنظر إليه كأدوات تنظيمية لتحقيق أهداف محددة في ظل هذه الظروف اقتصادية الاستثنائية، ومن أبرز الأهداف التي قد تسعى إليها هذه الإجراءات هو تقليل الضغط على النقد الأجنبي، من خلال خفض حجم الواردات، وبالتالي المساهمة في استقرار سعر الصرف وتحسين ميزان المدفوعات، كما يمكن أن تهدف إلى تشجيع الإنتاج المحلي عبر إتاحة فرصة أكبر للمنتجات الوطنية لتغطية الطلب في السوق مما يدعم القطاعات الإنتاجية الداخلية، وفي بعض الحالات قد تكون هذه الإجراءات مرتبطة أيضًا باعتبارات تنظيمية أو رقابية تهدف إلى ضبط السوق والحد من بعض الممارسات غير الرسمية.

ومع ذلك، فإن نجاح هذه السياسات يعتمد على وجود بدائل محلية كافية، وعلى تطبيقها بشكل مدروس حتى لا تؤدي إلى نقص في السلع أو ارتفاع الأسعار بشكل ينعكس سلبًا على المستهلك لذلك، يجب أن تكون جزءًا من حزمة سياسات اقتصادية متكاملة وليست إجراءً منفردًا.

 

برأيك، هل يمكن أن تسهم قوائم الحظر في دعم الإنتاج المحلي وتقليل الضغط على النقد الأجنبي، أم أنها قد تؤدي إلى آثار جانبية مثل ارتفاع الأسعار أو نقص بعض السلع؟

برأيي، قوائم الحظر يمكن أن تحقق بعض الأهداف الاقتصادية المهمة إذا طُبقت ضمن سياسة متكاملة ومدروسة، لكنها في الوقت نفسه قد تترتب عليها آثار جانبية إذا لم تُدار بشكل جيد، فهي قد تدعم الإنتاج المحلي وتخفف الضغط على النقد الأجنبي لكنها قد تؤدي أيضًا إلى ارتفاع الأسعار أو نقص السلع إذا لم تتوفر بدائل محلية كافية كما ذكرت سابقًا، لذلك يجب أن تُطبق ضمن سياسة اقتصادية متكاملة تدعم الإنتاج وتحمي المستهلك.

 

ما الشروط التي يجب أن تتوافر حتى تنجح سياسات تقييد الاستيراد أو حظر بعض السلع دون أن تضر بالمستهلك أو بالاقتصاد؟

لكي تنجح سياسات تقييد الاستيراد يتطلب توفر بدائل محلية، وتدرج في التطبيق وربطها بسياسات دعم الإنتاج ولابد من أن تكون هنالك رقابة فعالة وحاسمة للأسواق ومتابعة مستمرة لتجنب نقص السلع أو ارتفاع الأسعار.

رفع الأجور وحده لا يكفي.. الحل في ربطها بالإنتاجية

في رأيك، هل يحتاج الاقتصاد السوداني في المرحلة الحالية إلى مزيد من الانفتاح التجاري أم إلى سياسات حماية للمنتج المحلي؟ ولماذا؟

الاقتصاد السوداني في المرحلة الحالية لا يحتاج إلى اختيار مطلق بين الانفتاح التجاري أو الحماية، وإنما إلى مزيج متوازن من السياسات حسب طبيعة القطاعات والظروف الاقتصادية الراهنة، فمن جهة الانفتاح التجاري مهم لتوفير السلع الأساسية، وتخفيف الضغط على الأسعار، وجذب الاستثمارات، بالإضافة إلى تعزيز المنافسة وتحسين جودة المنتجات والخدمات، ومن جهة أخرى هناك حاجة لسياسات حماية مدروسة لبعض القطاعات الإنتاجية المحلية خاصة تلك القابلة للنمو مثل الزراعة والصناعة وذلك لمنحها فرصة للتطور وزيادة قدرتها التنافسية في مواجهة السلع المستوردة، لكن هذه الحماية يجب أن تكون مؤقتة وموجهة وليست دائمة، بحيث ترتبط بخطط واضحة لرفع كفاءة الإنتاج المحلي وتحسين الجودة وخفض التكاليف

وبالتالي أرى أن الأنسب هو نهج متوازن يجمع بين الإنفتاح المدروس والحماية الذكية، بما يخدم استقرار الاقتصاد ويحمي المستهلك ويدعم الإنتاج المحلي في نفس الوقت.

إذا كنتِ ضمن فريق يضع خطة اقتصادية لما بعد الحرب، فما أول ثلاثة ملفات ستمنحينها الأولوية؟

الخطة الاقتصادية هي خطة إستراتيجية طويلة المدى تعتمد في أساسها على مجموعة من الخطط والسياسات والملفات، ولكنني شخصيًا سأركز على ثلاثة ملفات ذات أولوية قصوى لضمان الاستقرار الاقتصادي وبناء قاعدة للتعافي المستدام.

أولها: استقرار الاقتصاد الكلي، ويشمل ذلك ضبط معدلات التضخم واستقرار سعر الصرف وإعادة تفعيل السياسة المالية والنقدية بشكل متوازن لأن هذا الاستقرار هو الأساس لأي نشاط اقتصادي.

ثانيها: إعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية خاصة الزراعة والصناعة والخدمات، لأنها تمثل محرك النمو الحقيقي وتوفر فرص العمل وتزيد من الإنتاج المحلي.

ثالثها: ملف سوق العمل والأجور والحماية الاجتماعية من خلال خلق فرص تشغيل جديدة وتحسين بيئة العمل ووضع سياسات أجور عادلة مع الاهتمام بالفئات الأكثر تضررًا.

(وبشكل عام، أرى أن هذه الملفات مترابطة، ولا يمكن تحقيق التعافي الاقتصادي دون معالجتها بشكل متكامل ومتدرج)

كيف ترين مشاركة المرأة السودانية في مؤسسات الدولة وسوق العمل؟

مشاركة المرأة السودانية في سوق العمل ومؤسسات الدولة تطورت بشكل جيد، لكنها لا تزال تواجه بعض التحديات مثل صعوبة التوفيق بين الأدوار الأسرية ومتطلبات العمل إضافة إلى تفاوت الفرص بين القطاعات والمناطق، ومع ذلك فإنني أرى أن تمكين المرأة اقتصاديًا ومهنيًا يعد مهمًا ليس فقط للعدالة الاجتماعية، بل أيضًا لدعم الاقتصاد وزيادة الإنتاجية والتنمية.

ما أبرز التحديات التي تواجه المرأة العاملة، وكيف يمكن تجاوزها؟

من أبرز هذه التحديات التي تواجه المرأة في سوق العمل هي التوازن بين العمل والأسرة، وضعف بعض السياسات الداعمة وفرص الترقية، ويمكن تجاوز ذلك عبر سياسات عمل مرنة ودعم بيئة العمل وتكافؤ الفرص في التدريب والترقي بما يعزز مشاركتها الفاعلة في الاقتصاد.

ما أبرز الإصلاحات التي يحتاجها سوق العمل السوداني من وجهة نظرك؟

أرى أن سوق العمل السوداني يحتاج إلى مجموعة من الإصلاحات الهيكلية التي تهدف إلى زيادة فرص التشغيل ورفع الكفاءة وتعزيز الاستقرار الوظيفي فمثلًا هناك حاجة إلى ربط التعليم والتدريب المهني باحتياجات سوق العمل، بحيث يتم تخريج كوادر تمتلك المهارات المطلوبة فعلياً في القطاعات الإنتاجية والخدمية، وايضاً تحسين بيئة العمل من خلال تطوير التشريعات التي تنظم العلاقة بين العامل وصاحب العمل بما يحقق التوازن ويحفظ الحقوق ويشجع على الاستثمار كما يمكن دعم القطاع الخاص باعتباره المحرك الأساسي لخلق فرص العمل عبر تسهيل الإجراءات وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، ولابد من تطوير سياسات الأجور والحماية الاجتماعية لضمان مستوى معيشة مناسب للعاملين وتقليل معدلات الفقر وعدم الاستقرار الوظيفي.

وأخيرًا، تعزيز برامج التدريب وإعادة التأهيل خاصة للشباب والخريجين الجدد بما يساعد على تقليل فجوة المهارات ورفع فرص التوظيف، فإن إصلاح سوق العمل يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين التعليم، والسياسات الاقتصادية، والتشريعات، وتحفيز الاستثمار.”

الزيادات الاسمية في الأجور لم تعد قادرة على مواكبة تكاليف المعيشة

إذا أتيحت لك فرصة اقتراح سياسة اقتصادية واحدة لتحسين حياة المواطنين، فما هي؟

سأقترح سياسة شاملة تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي وربط الأجور بالإنتاجية في آن واحد لأن جوهر تحسين مستوى المعيشة لا يقتصر على رفع الأجور فقط بل يرتبط بزيادة الإنتاج الحقيقي في الاقتصاد سواء في الزراعة أو الصناعة أو الخدمات، هذه السياسة تقوم على دعم القطاعات الإنتاجية لتوسيع فرص العمل وزيادة المعروض من السلع، وفي الوقت نفسه تحسين الأجور بشكل تدريجي يرتبط بزيادة الإنتاجية والكفاءة داخل المؤسسات، وبذلك يتم تحقيق هدفين أساسيين: (رفع دخل المواطن بشكل مستدام، وتقليل التضخم الناتج عن زيادة غير مدعومة الإنتاج)، مما ينعكس إيجاباً على القوة الشرائية والاستقرار الاقتصادي ، ولذلك أرى أن أي سياسة اقتصادية ناجحة يجب أن تربط بين النمو الاقتصادي وتحسين دخل المواطن بشكل متوازن ومستدام لكي يحصل توازن.

لو كان بيدك أن تغيّري شيئًا واحدًا في السودان اليوم، ماذا سيكون ولماذا؟

يا ليت لو كان لدي يد استطيع من خلالها تغير السياسات، بداية كنت سأركز على تعزيز الرقابة والمحاسبة وربط الموارد الوطنية بسلاسل قيمة مضافة داخلية بدلًا من تصديرها خامًا، لأن أحد أبرز التحديات الاقتصادية يتمثل في ضعف الرقابة على الموارد والإنتاج، إضافة إلى الاعتماد الكبير على تصدير المواد الخام مثل المنتجات الزراعية والحيوانية دون تصنيع أو قيمة مضافة مما يؤدي إلى فقدان جزء كبير من العائد الاقتصادي وفرص العمل، كما أن تعزيز أنظمة الرقابة والمحاسبة في المؤسسات العامة والخاصة يسهم في رفع كفاءة إدارة الموارد، والحد من الهدر والفساد، وتحسين مستوى الشفافية، وهو ما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد ككل، لذلك أرى أن التركيز على الحوكمة الرشيدة وتقوية الرقابة وتشجيع التصنيع المحلي بدلًا من تصدير الخام يمكن أن يحدث تحولاً حقيقيًا في بنية الاقتصاد السوداني ويزيد من عوائده بشكل مستدام.

 

 لو طلبنا منك ترشيح ضيف للحلقات القادمة من مجال مختلف ترين أنه يستحق أن يُسمع صوته، فمن سترشحين؟ ولماذا؟

سأرشح دكتورة / فاطمة العاقب. فهي بحر من بحور العلم في السودان ومتخصصة في العلوم السياسية والدراسات الإستراتيجية، ودكتورة في جامعة الزعيم الازهري، ومديرة لمركز دراسات وأبحاث القرن الأفريقي في السودان. أرى أن لديها أفاق واسعة يمكن أن تخدم الدولة في جميع القطاعات السياسية والاقتصادية والبحثية، فالدول التي يقوم أساسها على البحث التحليل هي الدول التى سيكون لديها حظاً وافراً من التنمية.