في عالم الصحافة، لا تتوقف المهنة عند نقل الخبر فقط، بل تمتد لتصبح موقفًا ومسؤولية تجاه الحقيقة وحرية التعبير . وفي السودان، حيث ارتبطت الصحافة كثيرًا بتحولات السياسة وموجات التغيير، برزت أسماء حاولت أن تجعل من الكلمة مساحة للدفاع عن الحقوق والحريات.
ضيفنا في هذه الحلقة أحمد علي عبدالقادر، صحفي وإعلامي سوداني متخصص في الشؤون السياسية، عمل في الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون، وبرز اسمه في تغطية قضايا السودان والتحولات السياسية في المنطقة . وهو حاصل على دكتوراه في العلاقات الدولية والدبلوماسية، كما عمل مدربًا ومحاضرًا في مجال الإعلام.
في هذا الحوار نتوقف معه عند تجربته المهنية والإنسانية، خاصة تجربته في الاعتقال التي وثقها في روايته أكسجين سجين، حيث يحكي عن رحلة صعبة بين السجن والكتابة، وعن تأملاته في الحرية والكرامة الإنسانية .
مرحبًا بك ضيفًا في هذا الحوار .
حاورته: صفاء بحر
بدايةً، كيف تشكلت علاقتك بالصحافة؟ وهل كان دخولك المجال خيارًا واعيًا أم صدفة قادتك إليه؟
كان حلم قديم، منذ صغري لأني كنت مبرز في الإنشاء و التعبير في المرحلة الابتدائية و كذلك كنت أقدم برامج طابور الصباح بالمدرسة فأحببت المجال منذ الصغر. و لأن العائلة – كغيرها من العوائل السودانية – تريد لكل خريج أن يدرس طب أو هندسة، فامتحنت المجال العلمي حسب رغبتهم لكني في النهاية اخترت الإعلام لقناعتي بما أحب.
في البداية كان الأمر أقرب إلى شغف بالكتابة ومتابعة الأخبار، ثم تحوّل تدريجًا إلى خيار واعٍ. أدركت أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل موقع متقدم للدفاع عن الحقيقة وصوت الناس. لذلك دخلت المجال بإرادة كاملة، وكنت أؤمن أن الصحفي يمكن أن يكون شاهداً على التاريخ لا مجرد ناقل للأحداث.
الصحافة ليست مهنة بل موقع متقدم للدفاع عن الحقيقة
أنت من جيل الشباب الذي دخل الصحافة في زمن التحولات الرقمية..كيف أثر ذلك على طريقة عملك الصحفي؟
أنا كنت محظوظ بذلك، التحولات الرقمية غيّرت كل شيء تقريبًا في العمل الصحفي. عندما بدأت العمل كانت الصحافة التقليدية ما تزال مؤثرة، لكن مع صعود المنصات الرقمية أصبح الخبر ينتشر في ثوانٍ. هذا جعل الصحفي مطالبًا بأن يكون أسرع، لكنه في الوقت نفسه مطالب بأن يكون أكثر دقة. بالنسبة لي تعلمت أن أتعامل مع الإعلام كمنظومة متعددة المنصات، من الصحافة المكتوبة إلى التلفزيون ثم إلى الفضاء الرقمي و ترأست تحرير عدة إصدارات إلكترونية على الشبكة العنكبوتية.
عملت في تغطية قضايا السودان السياسية.. ما أصعب لحظة مهنية واجهتها أثناء تغطية الأحداث؟
أصعب اللحظات كانت تلك التي يتقاطع فيها العمل الصحفي مع المخاطر الشخصية. تغطية الأزمات ليست مجرد نقل للخبر، بل مواجهة مباشرة مع الخوف والضغوط. ربما كانت أصعب لحظة حين أدركت أن الكلمة التي يكتبها الصحفي قد تكلفه حريته أو سلامته. وقد عشت ذلك فعليًا عندما دفعت ثمن مواقفي المهنية اعتقالي أكثر من مرة أحدها من مليشيا الجنجويد (الدعم السريع) داخل الوطن و بعضها لسنوات خارج الوطن بعد ١٣ يوم فقط من توقيف الجنجويد لي ، لكنني رغم ذلك لم أندم على اختيار هذا الطريق و دفاعي عن الوطن السودان .
هل ترى أن الصحافة السودانية استطاعت الحفاظ على مهنيتها وسط الاستقطاب السياسي الحاد؟
الصحافة السودانية عاشت ظروفًا معقدة جدًا خلال السنوات الماضية. هناك صحفيون حاولوا الحفاظ على المهنية رغم الضغوط السياسية والاقتصادية، وهناك أيضًا من انجرفوا في الاستقطاب و هم كثر . لكنني أعتقد أن روح الصحافة المهنية ما تزال موجودة في السودان، وتظهر كلما أتيحت مساحة حقيقية للحرية.
في السودان… الكلمة قد تكلف الصحفي حريته أو حياته
في رأيك، ما الفرق بين الصحافة التحليلية والصحافة المنحازة سياسيًا؟
الصحافة التحليلية تعتمد على قراءة الوقائع وربطها بالسياق التاريخي والسياسي وتقديم تفسير منطقي للأحداث. بينما الصحافة المنحازة فهي تبدأ بالموقف السياسي ثم تبحث عن الوقائع التي تدعمه. الفرق بينهما هو الفرق بين البحث عن الحقيقة وبين محاولة إثبات رأي مسبق.
اليوم أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا رئيسيًا للأخبار.. هل ترى ذلك فرصة للصحافة أم تهديدًا لها؟
هي في الحقيقة فرصة وتهديد في الوقت نفسه. فرصة لأنها كسرت احتكار المعلومات وفتحت المجال أمام سرعة الوصول إلى الخبر. لكنها تهديد لأنها سمحت بانتشار الشائعات والأخبار غير الموثقة. لذلك أصبحت مهمة الصحفي اليوم ليست فقط نقل الخبر، بل التحقق منه وتقديمه في سياقه الصحيح.
الحرية بالنسبة لي تشبه الأكسجين… لا نشعر بقيمتها إلا عند الاختناق
كيف يمكن للصحفي أن يحافظ على مصداقيته في عصر السرعة والشائعات؟
المصداقية اليوم هي رأس مال الصحفي الحقيقي. الحفاظ عليها يتطلب التحقق من المصادر، وعدم الانجرار وراء السبق الصحفي الزائف، والاعتراف بالخطأ عندما يحدث. الصحفي الذي يحافظ على دقته حتى في زمن السرعة سيكسب ثقة الجمهور على المدى الطويل.
عملت مدربًا ومحاضرًا لطلاب الإعلام.. ما أكثر الأخطاء التي يقع فيها الصحفيون الشباب في بداية الطريق؟
أكثر الأخطاء شيوعاً هو الاعتقاد بأن الشهرة السريعة تعني النجاح الصحفي. بعض الشباب يركزون على الظهور أكثر من التركيز على بناء المهارة والمعرفة. الصحافة في جوهرها مهنة معرفة قبل أن تكون مهنة حضور إعلامي وهذا يجهله الكثيرون .
ما المهارات التي يحتاجها الصحفي اليوم ليبقى مؤثرًا في هذا المجال؟
الصحفي اليوم يحتاج إلى مزيج من المهارات: القدرة على التحليل، وإجادة استخدام الأدوات الرقمية، وفهم السياقات السياسية والاجتماعية، إضافة إلى مهارة السرد الصحفي الجيد. كما أن إتقان اللغات والتواصل مع المصادر الدولية أصبح أمرًا مهمًا جدًا في عالم الإعلام المعولم.
الحرية بالنسبة لي تشبه الأكسجين… لا نشعر بقيمتها إلا عند الاختناق
كيف تقرأ دور الإعلام في مرحلة إعادة بناء الدولة السودانية؟
الإعلام يمكن أن يلعب دورًا محوريًا في إعادة بناء الدولة، من خلال نشر الوعي وتعزيز قيم الحوار والمساءلة. الدولة لا تُبنى فقط بالمؤسسات السياسية، بل أيضاً بالوعي العام الذي يصنعه الإعلام.
هل تعتقد أن الإعلام يمكن أن يكون جزءًا من الحل في الأزمات السياسية أم أنه أحيانًا يزيدها تعقيدًا؟
الإعلام يمكن أن يكون جزءًا من الحل عندما يلتزم بالمهنية ويمنح مساحة للحوار ينشر الوعي الاجتماعي اللازم . لكنه قد يصبح جزءًا من المشكلة عندما يتحول إلى منصة للتحريض أو نشر الكراهية، أو مساهم في تسطيح الناس و تقليل الوعي . لذلك مسؤولية الإعلام كبيرة جدًا في أوقات الأزمات.
المصداقية هي رأس مال الصحفي في زمن الشائعات
موخرًا صدرت لك رواية ” أكسجين سجين” كتبتها أثناء فترة أعتقالك، لماذا اخترت عنوان أكسجين سجين؟ ماذا يرمز الأكسجين في هذه الرواية؟
اخترت عنوان “أكسجين سجين” لأن السجين في لحظات العزلة يشعر أن الحرية تشبه الأكسجين. قد لا ينتبه الإنسان إلى قيمة الأكسجين إلا عندما يشعر بالاختناق. في الرواية يرمز الأكسجين إلى الأمل والحرية والقدرة على الاستمرار رغم القيود، و الرئيسي باختصار لإنه لم يبق لي فرصة حرية للتنفس إلا عن طريق الكتابة التي هي كانت اكسجيني الوحيد في جو مليء بالكبت و الاختناق و مصادرة الحرية.
كتبت هذا العمل أثناء فترة السجن..كيف يمكن للإنسان أن يكتب الأدب في لحظة قاسية كهذه؟
الكتابة في السجن ليست ترفًا، بل وسيلة للبقاء النفسي. عندما يُسلب الإنسان جزءًا من حريته، تصبح الكتابة مساحة بديلة للتنفس. بالنسبة لي كانت الكتابة محاولة للحفاظ على التوازن الداخلي حتى لا افقد عقلي بسبب جابهته .
هل الرواية سيرة ذاتية خالصة، أم أن الخيال الأدبي لعب دورًا في بناء الأحداث والشخصيات؟
الرواية مستلهمة من تجربة حقيقية، لكنها ليست سيرة ذاتية، بل قصة من الواقع لأن الأدب يحتاج إلى الخيال ليعيد تشكيل التجربة الإنسانية بطريقة أعمق وأكثر تأثيراً.
ما اللحظة أو المشهد في الرواية الذي كان الأصعب عليك في الكتابة؟
أصعب المشاهد كانت تلك التي تتعلق بلحظات العزلة الطويلة داخل السجن، لأن استعادتها أثناء الكتابة تعني العودة نفسيًا إلى تلك اللحظات.
هل كان هدفك من الرواية توثيق تجربة شخصية، أم إيصال رسالة أوسع عن الحرية والكرامة الإنسانية؟
هدفي كان أبعد من مجرد توثيق تجربة شخصية. أردت أن أكتب عن الإنسان عندما يُحاصر، وعن قدرته على الصمود، وعن معنى الحرية والكرامة، و عن مظاليم الظل و الاقدار الذين ليس لهم ذنب في اختيار حياتهم بأن يكونوا مشردين أو بلا مستندات رسمية فيتم الابقاء عليهم بالسجون لعشرات السنين و قد تكون احكامهم لمجرد أشهر فقط، لأنهم لا يملكون جوازات يتم إبعادهم لأي دولة مثلا ً (البدون و البرماويون و الفلسطينيون) فما ذنبهم يكملوا أعمارهم في السجون و قد يموتون هناك.
كيف أثرت تجربة السجن على رؤيتك للحياة والإنسان؟ وهل يمكن أن نعتبر أكسجين سجين ضمن آدب السجون؟
التجربة جعلتني أكثر وعيًا بقيمة الحرية وأكثر فهمًا لضعف الإنسان وقوته في الوقت نفسه. نعم يمكن تصنيف الرواية ضمن أدب السجون، لكنها في جوهرها رواية عن الإنسان في مواجهة القيود.
في الرواية تأملات في الحرية.. كيف تعرف الحرية اليوم بعد هذه التجربة؟
الحرية بالنسبة لي اليوم ليست مجرد مفهوم سياسي، بل حالة إنسانية عميقة. هي القدرة على التفكير والتعبير دون خوف حتى في أحلك الظروف.
هل كان للكتابة دور في تجاوز الألم النفسي لتجربة الاعتقال؟
بالتأكيد. الكتابة كانت نوعًا من العلاج النفسي، وطريقة لتحويل الألم إلى معنى و الدليل إسم الكتاب نفسه “أكسجين سجين” .
كيف كانت ردود فعل القراء الأوائل بعد صدور الرواية؟
الكثير من القراء والنقاد قالوا إنهم شعروا بأنهم يعيشون التجربة من الداخل “داخل السجن” . وهذا بالنسبة لي أهم نجاح لأي عمل أدبي.
هل تفكر في تحويل الرواية إلى عمل آخر مثل فيلم أو مسلسل أو حتى جزء ثانٍ يكمل الرحلة؟
الفكرة مطروحة بالفعل. أعتقد أن القصة يمكن أن تتحول إلى عمل سينمائي أو درامي لأنها تحمل بعدًا إنسانيًا واسعًا، و أساسًا هنالك نسخة أخرى لم أنشرها بل ما لم بنشر أكثر مما نشر، و هنالك فنان سوداني مشهور طلب مني الرواية لينتجها لنفسه كعمل درامي و رحبت بذلك جدا من جانبي و لكن حدث خلاف شخصي وتر العلاقة و لا أعتقد سيتم التعاون معه بعد هذا الخلاف ولكني تحدثت لمنتج بترشيح من مخرج مصري أبدى إهتمامه بالعمل جدا و لم استقر على قرار بعد لكن الفكرة مطروحة و قد تكون هنالك مفاجأة و تروا أكسجين سجين في عمل درامي تركي أيضاً النقاش مستمر مع مخرج تركي كبير.
إذا تحولت “أكسجين سجين” إلى عمل درامي أو سينمائي، ما الرسالة الأساسية التي تود أن تصل إلى الجمهور؟
الرسالة الأساسية التي أتمنى أن تصل هي أن الحرية ليست شعارًا سياسيًا بل هي حاجة إنسانية تشبه الأكسجين.
الإنسان يمكن أن يُسجن جسديًا، لكن أخطر أنواع السجن هو أن يُسلب صوته وحقه في التعبير.
قصة أكسجين سجين ليست قصة أحمد علي عبدالقادر وحده، بل قصة آلاف الصحفيين والناشطين في العالم الذين دفعوا ثمن الكلمة الحرة. رسالتي أن يشعر المشاهد أن الدفاع عن الحرية وكرامة الإنسان مسؤولية جماعية، وليست قضية فردية.
ذكرت وجود اهتمام من منتجين ومخرجين خارج السودان، هل تعتقد أن الإنتاج قد يمنح القصة فرصة أوسع للوصول إلى الجمهور؟
بالتأكيد. الإنتاج خارج السودان قد يمنح القصة بعدًا عالميًا، لأن موضوعها ليس محليًا فقط.
قضايا الاعتقال بسبب الرأي وحرية الصحافة هي قضايا عالمية، وإذا تم تقديم القصة بإنتاج احترافي وتوزيع دولي، يمكن أن تصل إلى جمهور واسع في العالم العربي وخارجه.
ما يهمني ليس فقط مكان الإنتاج، بل جودة المعالجة الفنية واحترام الحقيقة الإنسانية للقصة.
إذا عُرضت عليك عدة عروض لإنتاج العمل، ما المعايير التي ستعتمدها لاختيار الجهة التي ستقدم الرواية درامياً؟
سأنظر إلى ثلاثة معايير أساسية:
الصدق في نقل القصة وعدم تشويه الرسالة أو تحويلها إلى مادة تجارية سطحية.
المستوى الفني والإنتاجي القادر على تقديم العمل بجودة تليق بالقصة.
الانتشار والتوزيع الدولي حتى تصل الرسالة إلى أكبر عدد ممكن من الناس.
القصة بالنسبة لي ليست مجرد عمل فني، بل شهادة إنسانية وتاريخية.
ما الذي تتمناه أن يضيفه العمل الدرامي إلى قصة “أكسجين سجين” إذا خرجت إلى الشاشة؟
أتمنى أن يضيف لها البعد الإنساني البصري الذي قد لا تنقله الكلمات وحدها.
في الدراما يمكن للمشاهد أن يرى تفاصيل السجن، لحظات الصمت، القلق، الأمل، والعلاقات الإنسانية داخل تلك التجربة.
كما أتمنى أن يحول العمل القصة إلى حوار عالمي حول حرية الصحافة وحقوق الإنسان.
السبق الصحفي الزائف أخطر من التأخر
لو طُلب منك ترشيح ضيف للحلقات القادمة من مجال مختلف ترى أن صوته مهم اليوم، من ترشح؟ ولماذا؟
أرشح كابتن هيثم مصطفى كرار، لأن صوته الوطني مهم و لا يقتصر على الرياضة فقط.
بعد تجربة السجن وكتابة “أكسجين سجين”.. هل شعرت أن الكتابة أنقذتك، أم أنها مجرد طريقة لتروي الحكاية؟
ربما الأمران معًا. الكتابة أنقذتني نفسياً من الضياع ، وفي الوقت نفسه سمحت لي بأن أروي الحكاية حتى لا تضيع قصص آخرين فأنا شاهد عايش القصة بنفسه لم يسمعها عن غيره .
لو أتيحت لك فرصة تغيير شيء واحد في واقع الإعلام السوداني اليوم.. ماذا سيكون؟
لو كان بإمكاني تغيير شيء واحد فسيكون ضمان حرية الصحافة الحقيقية. لأن الإعلام الحر هو أساس أي مجتمع يريد أن يتقدم.
