بقلم: القائد مدثر أبوه
يقف اليوم حاكم إقليم دارفور، القائد مني أركو مناوي، على مسافة واحدة من الجميع؛ لا يفرق بين قائد وجندي. يقف بجانب من يسيل دمهم ليُروي تراب الفاشر، وبجانب الذين التهمت النيران بيوتهم لكنها لم تمس قلوب رجالهم. في لحظة سودانية دقيقة كحافة السيف، حيث تتداخل أصوات المدافع مع صراخ الأطفال ولهاث الأمهات، يثبت هذا القائد الهمام أنه ليس مجرد مسؤول في منصب، بل قائد استثنائي اختار أن يكون ظهره لظهر أبناء دارفور ووجهه لوجه العاصفة.
ماذا يعني أن يكون حاكم إقليم في زمن الحرب؟ يعني ألا تنام عيناك عن ترتيب الدفاع، وألا تهدأ لك جوارح حتى تطمئن آخر أسرة نازحة. مني أركو مناوي، الذي خاض الحروب وعرف طعم المفاوضات ووقع الاتفاقيات، يدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى أن الكلمة الأخيرة ليست في قاعات الأمم المتحدة، بل في شوارع دارفور التي دنسّتها مليشيا الدعم السريع.

المستجدات الميدانية تؤكد أن مناوي يقود تنسيقاً محكماً بين القوات المسلحة والقوة المشتركة والمقاومة الشعبية، ويشرف بنفسه على جبهات القتال، متحولاً من حاكم إلى جندي في الخنادق، يرفع الروح المعنوية ويوزع الأدوار بأبوية القائد الذي يعرف رجاله واحداً واحداً.
لم تكن معركة الفاشر مجرد مواجهة عسكرية بين قوات مسلحة ومليشيا عابرة للحدود بل كانت ساحة لتجسيد معنى القيادة الميدانية الحقيقية. إلى جانب حاكم الإقليم، وقف صف من القادة العظام الذين صنعوا الفارق في الميدان.
يجدر بنا هنا أن نحيي القادة البارزين من حركات الكفاح المسلح الذين وقفوا سداً منيعاً في وجه المليشيا، وعلى رأسهم عبد الله يحيى (عضو مجلس السيادة ورئيس تجمع قوى تحرير السودان) الذي ظل يتابع ميدانياً سير العمليات ويدعم القوات المشتركة بالرجال والعتاد. وكان له دور بارز في تعزيز التنسيق بين القوات النظامية والمشتركة، مما أسهم في تماسك الجبهات ورفع الروح المعنوية للمقاتلين.

الدكتور جبريل إبراهيم، وزير المالية رئيس حركة العدل والمساواة السودان، الذي كان حاضِراً بقوة في دعم الجبهات الميدانية، وسخّر إمكانات حركته العسكرية واللوجستية لنصرة القوات المشتركة في معركة الكرامة. حرص الدكتور جبريل على توفير الدعم المعنوي والمادي للمقاتلين، وظل على تواصل دائم مع غرف العمليات لمتابعة سير المعارك
كما برز دور مصطفى تمبور، والي ولاية وسط دارفور ورئيس حركة تحرير السودان، الذي خاض غمار المعارك دفاعاً عن المدنيين وأشرف على خطط إجلاء النازحين وتأمين الممرات الإنسانية. ويصف تمبور أوضاع مناطق سيطرة المليشيا بأنها “استعمار كامل” ، ويؤكد أن ما ترتكبه مليشيا الدعم السريع من تجاوزات ترتقي إلى جرائم ضد الإنسانية.

على الجبهة ذاتها، كان الجنرال صلاح الدين آدم تور (صلاح رصاص)، عضو مجلس السيادة وقائد حركة تحرير السودان – المجلس الانتقالي، أحد أبرز القادة الذين حشدوا قواتهم ضمن القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، وساهموا في تحقيق اختراقات نوعية في عدة محاور.
هؤلاء القادة، إلى جانب قادة الجيش السوداني والقوة المشتركة، جسّدوا نموذجاً نادراً للوحدة الوطنية والتناغم العسكري في أخطر مراحل الحرب.
ولكن من هم أولئك الرجال الذين يقفون خلف القادة الكبار ويسدون الثغرات بأجسادهم؟ إنهم لجنة أبطال الفاشر، ذلك الصف الباسل الذي لا تلين قناته، والذين يستحقون منا اليوم وقفة إجلال لا تشبهها وقفة.
على رأسهم رئيس الوفد، اللواء أنور دباب، ذلك القارب الذي لم تغرقه الأمواج، القائد الذي حوّل خريطة القتال في المحور الغربي. وإلى جانبه فرسان لا يعرفون الانكسار:
· اللواء عيسى شوقار – الذي أوقع بالمليشيا خسائر فادحة في منطقة السوق الكبير. اللواء أمير جوكا – قائد الكمين النوعي الذي أسفر عن تدمير عشرات الآليات في الليلة البارحة· اللواء أمام داود – صاحب بصمات بطولية في صد الهجمات المتتالية· اللواء مبارك الجيلي – حامي المحور الجنوبي الذي لم يدع للمليشيا فرصة للزحف.
· اللواء عبد الرحمن عبد الله – صاحب إسهامات بارزة في تعزيز خطوط الدفاع· اللواء آدم أحمد – أحد الأعمدة الفقارية في تنظيم العمليات الدفاعية· العميد آدم أبكر – قائد ميداني قدم نماذج مشرفة في الاشتباكات· العميد علي عبد الرحمن – رجل المواقف الصعبة في الأوقات الحرجة.· العميد هدي عبد الله – أحد الأبطال الذين قادوا عمليات نوعية· العميد عبد العظيم بوب قائد التدخل السريع من الذين صنعوا الفارق في اللحظات الحاسمة. العقيد إسماعيل سمعة – قائد ركن بارز خطط لعمليات ناجحة.
· الرائد متوكل أبو جا – أحد الضباط الذين قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الدفاع عن الأهل· النقيب عبد النبي إسماعيل – رمز من رموز التضحية في أصعب الظروف.والنقيب أيمن هجين البنسج.
أربعة عشر اسماً ليست مجرد رتب وألقاب، بل قصص لا تنتهي من البطولة. كل واحد منهم كان محطة فاصلة في معارك الفاشر الطاحنة. إن مجاهداتهم تستحق أن تُروى بالذهب على جدران السودان كلها. هم من ناموا على حرابهم وأفطروا على طلقات الرصاص كي ينام أطفال الفاشر على وعد الفجر القادم. هم من زحفوا تحت وابل النيران لإنقاذ جريح أو إيصال جرعة ماء لبيت محاصر. هم من علموا العالم أن السودانيين إذا آمنوا بقضيتهم، فإنهم يتحولون إلى جبال لا تُهزم.

نقف اليوم تحية إجلال لمني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور، الذي أثبت أن القيادة الحقيقية لا تُمنح، بل تُؤخذ بالعطاء والتضحية. نقف تحية إكبار لأبطال الفاشر الأربعة عشر الذين وهبوا حياتهم للوطن، وإلى جانبهم القادة العظام من حركات الكفاح المسلح – عبد الله يحيى، مصطفى تمبور، صلاح رصاص، دكتور جبريل إبراهيم وغيرهم – الذين لم يفرطوا لحظة في الدفاع عن تراب هذا الوطن.
إن ذكراهم ستبقى نبراساً يضيء درب الأحرار، وستظل الفاشر شامخة فوق جثامين الغزاة، بإذن الله. المجد لشهدائنا، والشفاء لجرحانا، والنصر القريب لسوداننا العزيز.
