ضل الحراز
رشان أوشي… هل انتهت القضية أم بدأت الأسئلة؟ (2)
بقلم علي منصور حسب الله
إذا كانت قضية الصحفية رشان أوشي قد انتهت من الناحية القضائية بقرار المحكمة العليا فإن الوثائق المرتبطة بها لا تزال تطرح أسئلة وربما أكثر تعقيداً من الأسئلة التي سبقتها فالأحكام القضائية في قضايا النشر تحسم المسؤولية القانونية المتعلقة بالنشر لكنها لا تعني بالضرورة حسم الوقائع الإدارية أو الفنية التي كانت محل ذلك النشر ولا تغلق باب التساؤل المشروع حول ما تم تداوله من مستندات أو إجراءات تمس مؤسسات الدولة ووثائقها السيادية ومن بين هذه الوثائق خطاب يحمل النمرة (رق ش ا م ت) مؤرخ في 26 ديسمبر 2024م وموقع من فريق أول شرطة حقوقي خالد حسان محي الدين الماحي مدير عام قوات الشرطة استناداً إلى قرار مجلس السيادة رقم (249/2024م) الذي قضى بإحالة الشاكي إلى المعاش وذلك تعليقاً على طلب الاسترحام الذي تقدم به المقدم شرطة (م) عبد المطلب محمد أحمد فضل الله بتاريخ 17 ديسمبر 2024م طالباً إعادته إلى الخدمة بعد قرار فصله توطئةً لرفع الأمر إلى السيد رئيس مجلس السيادة ووزير الداخلية
ويورد الخطاب أن الضابط المذكور من منسوبي الدفعة (57) وقد وقع عليه الاختيار في مارس 2022م للعمل بمكتب الجوازات والسجل المدني بالسفارة السودانية بالقاهرة وهو موقع يتطلب قدراً عالياً من الثقة لما يتصل به من مسؤولية مباشرة عن إصدار وثائق الهوية والجوازات وفي طلب الاسترحام، أكد الضابط أنه أدى واجبه طوال سنوات خدمته بكل تفانٍ وإخلاص وأنه لم يمثل أمام مجلس تحقيق أو محكمة من قبل وأن اختياره للعمل بالقاهرة كان دليلاً على حسن سيرته المهنية ملتمساً إعادة النظر في قرار فصله غير أن المفارقة تكمن في أن الخطاب نفسه الذي جاء مشفوعاً بطلب الاسترحام كشف أن ملف خدمته تضمن تشكيل مجلسي تحقيق استناداً إلى معلومات وردت بشأن عدد من الوقائع من بينها تعديل مواعيد الحجز الإلكتروني لاستخراج الجوازات مقابل مبالغ مالية واستغلال الحقيبة المتجولة المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة في استخراج جوازات لمعارف مقابل مبالغ مالية ومن بين تلك الحالات استخراج جواز سفر للمدعو الشريف يعقوب الشريف رغم أنه بحسب ما ورد في الخطاب كان محظوراً من السفر والتعامل مع شركات النقل لتسريع استخراج تأشيرات دخول للمصريين مقابل مبالغ مالية وإطلاق أحاديث ذات طابع جهوي تضمنت اتهام مديره المباشر العقيد شرطة عادل محمد يونس بتوظيف عدد من أبناء قبيلة النوبة مع الادعاء بوجود حماية من عضو مجلس السيادة الفريق أول ركن شمس الدين كباشي ووزير الداخلية المكلف وقتها الفريق شرطة خليل باشا سايرين أمرقيل وهي أقوال اعتُبرت مثيرة للنعرات الجهوية وإدخال عربة تحمل لوحة دبلوماسية تتبع للسفارة السودانية بالقاهرة باسمه ثم بيعها بحسب المعلومات الواردة لأحد أفراد أسرة آل دقلو (عادل دقلو) وأن المدعو علاء الدين المنتمي إلى إعلام مليشيا الدعم السريع هو من يقودها
وبحسب الخطاب فقد شُكل مجلس التحقيق الأول بتاريخ 13 أغسطس 2024م للنظر في الاتهامات الواردة في الفقرات (أ) و(ب) و(ج) وأوصى بحفظ الإجراءات كما شُكل مجلس تحقيق ثانٍ في التاريخ نفسه للنظر في الاتهام المتعلق بالعربة الدبلوماسية وانتهى كذلك إلى التوصية بحفظ الإجراءات لعدم توافر بينات كافية مع إنكار الضابط ملكيته للعربة وإفادته بوجود خلافات بينه وبين مديره المباشر وهنا يبرز سؤال مشروع إلى السيد مدير عام الشرطة هل انتهت لجنتا التحقيق إلى تبرئة الضابط بصورة قاطعة أم أن الإجراءات حُفظت فقط لعدم كفاية البينات؟ فالفرق بين البراءة وحفظ الإجراءات فرق جوهري لأن الحفظ لا يعني بالضرورة انتفاء الواقعة وإنما قد يعني أن الأدلة المتاحة لم تكن كافية لاتخاذ إجراءات قانونية في تلك المرحلة ثم إن الخطاب يشير إلى وجود خلافات بين الضابط ومديره المباشر وهي نقطة تستحق الوقوف عندها فما طبيعة هذه الخلافات؟
هل كانت خلافات مهنية تتعلق بإدارة العمل؟ أم خلافات شخصية؟ وهل قامت لجنة التحقيق بالبحث في جذورها وأسبابها؟
وإذا كانت الخلافات قد بلغت حداً استوجب نقل الضابط من القاهرة إلى القنصلية السودانية في أسوان فهل كانت مجرد خلافات عابرة أم أنها كانت ذات أثر مباشر في بيئة العمل؟ وإذا كان الضابط بريئاً من جميع الاتهامات فمن الذي قدّم تلك المعلومات الخطيرة بحقه؟ وهل جرى التحقيق مع من زودهـا؟ وهل ثبت أنها معلومات كيدية؟ أم بقي مصدرها مجهولاً؟
فإذا كانت المعلومات كاذبة فإن العدالة تقتضي مساءلة من اختلقها حمايةً لسمعة الأبرياء وإذا كانت صحيحة فإن المصلحة العامة تقتضي استكمال التحقيق حتى نهايته ويشير الخطاب كذلك إلى أن الإدارة العامة للشؤون القانونية بالإدارة العامة للجوازات والهجرة أوصت بخيارين إما حفظ الإجراءات أو إرسال مأمورية إلى جمهورية مصر العربية لاستكمال التحريات والتحقق من الوقائع وهنا يبرز سؤال آخر لماذا اختارت المؤسسة الشرطية الخيار الأقل كلفة من حيث الجهد وهو حفظ الإجراءات ولم تختر الخيار الآخر الذي أوصت به الإدارة القانونية نفسها والمتمثل في استكمال التحريات ميدانياً؟ وهل كانت هناك معوقات قانونية أو مالية أو دبلوماسية حالت دون إرسال المأمورية؟ أم أن قرار الحفظ اتُّخذ قبل استنفاد جميع وسائل التحقق الممكنة؟ ثم إن بعض الوقائع محل التحقيق لا يحتاج إثباتها إلى جهد ميداني كبير فملفات استخراج الجوازات محفوظة إلكترونياً وسجلات الرقم الوطني يمكن مراجعتها وسجلات السفارة الخاصة بالمركبات الدبلوماسية موجودة كما أن مخاطبة السلطات المصرية المختصة أو السفارة السودانية بالقاهرة قد توفر معلومات موضوعية بشأن العربة الدبلوماسية أو المستخدم الفعلي لها أو أي إجراءات قانونية تمت بشأنها فهل جرى ذلك فعلاً ؟ أم اكتفى التحقيق بسماع الأقوال؟ إن نقل الضابط إلى القنصلية السودانية بأسوان لمعالجة الخلافات مع مديره المباشر يثير بدوره تساؤلات إضافية فإذا كانت المشكلة مجرد خلاف إداري فلماذا استوجب النقل؟ وإذا كانت الخلافات أثرت في بيئة العمل فهل أثرت أيضاً في المعلومات التي وصلت إلى لجان التحقيق؟ وهل كان من المناسب أن تُغلق التحقيقات بينما ظلت أسباب النزاع نفسها قائمة؟ ثم إن النقل الإداري وإن كان لا يُعد عقوبة في ذاته فإنه في مثل هذه الوقائع يفتح باب التساؤل حول ما إذا كان قد استُخدم كحل إداري لمعالجة أزمة لم تُحسم وقائعها بصورة كاملة وفيما يتعلق بحالة الشريف يعقوب الشريف يبقى السؤال قائماً هل تحقق مجلس التحقيق من صحة المعلومة التي تفيد بأنه كان محظوراً من السفر وقت استخراج الجواز؟ وهل تمت مراجعة النظام الإلكتروني للجوازات؟
وهل طُلبت السجلات الرقمية التي توضح تاريخ فرض الحظر وتاريخ إصدار الجواز والموظف الذي أكمل الإجراءات؟ أم اقتصر التحقيق على سماع الإفادات دون فحص الأدلة الفنية التي يمكنها أن تحسم الجدل؟ أما فيما يتعلق بالعربة ذات اللوحة الدبلوماسية فإن عبارة (عدم كفاية البينات) تثير بدورها أسئلة أخرى فهل تم التواصل مع السلطات المصرية لمعرفة المستخدم الفعلي للمركبة؟ وهل راجع المحققون سجلات السفارة الخاصة بالمركبات الدبلوماسية؟ وهل تم فحص وثائق التسجيل والترخيص والتأمين؟
وهل استُدعيت جميع الأطراف التي وردت أسماؤها في المعلومات للاستماع إلى أقوالها؟
إن عبارة (عدم وجود بينات) لا تكفي وحدها للإجابة عن هذه التساؤلات لأن غياب البينة قد يكون نتيجة عدم اكتمال التحري كما قد يكون نتيجة عدم وقوع المخالفة أصلاً والفرق بين الاحتمالين كبير ولهذا فإن المصلحة العامة تقتضي أن يكون التحقيق شاملاً وأن تُستنفد كل وسائل البحث والتحقق قبل إغلاق ملفات تتعلق بالهوية والجنسية والجوازات والامتيازات الدبلوماسية وهي ملفات ترتبط مباشرة بسيادة الدولة وثقة المواطنين في مؤسساتها ويختتم مدير عام الشرطة خطابه بالإشارة إلى أنه إذا توفرت بينات جديدة أو ظهرت شبهات بارتكاب جرائم أو مخالفات أو انحراف في استخدام السلطة فإنه يمكن إخضاع الأمر لتحقيق جديد للتثبت من الوقائع وهنا يبرز السؤال الأهم إذا كانت الوثائق التي ظهرت لاحقاً وما أُثير في الرأي العام تمثل مؤشرات أو بينات جديدة فهل آن الأوان لإعادة فتح الملف؟ وهل تكفي قرارات الحفظ السابقة لإغلاق باب المساءلة نهائياً؟
أم أن مقتضيات الشفافية وسيادة القانون وحق المجتمع في المعرفة تستوجب إعادة فحص الوقائع على ضوء كل ما استجد من معلومات؟ إن التحقيق الحقيقي لا يُقاس بعدد المجالس التي تُشكل ولا بعدد الملفات التي تُحفظ وإنما بقدرته على الوصول إلى الحقيقة والإجابة عن الأسئلة الجوهرية وترسيخ ثقة المواطنين في أن القانون يُطبق على الجميع وأن الملفات التي تمس الهوية والجنسية والجوازات والوثائق السيادية لا تُغلق إلا بعد استنفاد كل وسائل التحقق الممكنة وبصورة تقنع الرأي العام قبل أن تقنع أطراف النزاع الأمر في النهاية يتوقف على تبرأة الشرطة كمؤسسة لان الخطأ وارد إذا ارتكبه شخص أو أكثر لكن ان تقصر الشرطة في كشف الحقيقة هنا تكمن المشكلة
