لن يعبر البرهان بأسلوب البشير

كتب: د. محمد عبد القادر سبيل

 

البشير حكم السودان ثلاثين عاما ومع ذلك لم يستطع ان يعبر بالبلاد الى شاطئ الأمان والعدل والازدهار. بينما عبود حكم ست سنوات فقط حقق فيها من التنمية والازدهار ما لا يصدق.

لماذا؟

لأن الترضيات والمراوغة والمجاملات وخطبة الولاءات والتوازنات لاستدامة الحكم لا تشكل جسر متيناً للعبور.

ولكن يمكن ان توفر لك مستنقعاً راكدا تتخبط في ازماته لقوت طويل إن شئت.

 

و اطلاق يد الاقارب والمقربين لإدارة البزنس على هامش نفوذ العائلة الحاكمة باعتبار أن ذلك من حقهم كمواطنين سودانيين.. لن يكون محمودا مباركاً من طرف الشعب ولن ينفع ذوي الحظوة فيشعرهم بالطمأنينة والهناء؟ كلا طبعا، بل سيولد الحقد والغبن في النفوس.

دعك من هذا، فهل كان تقسيم السودان ادارياً على أسس اثنية إنجازا رائعاً حقق الاستقرار والتعايش السلمي في طول البلاد وعرضها؟ وكذلك توزيع حصص المناصب الدستورية بالترضيات ذاتها هل أرضى أحدا حتى نقره ونستمر فيه؟

ثم، بالله هل رأيت في حياتك رهاناً خاسراً واستثماراً بائراً مثل تجارة البشير وأمله في حميدتي وميليشياه؟ فكيف للبرهان أن يعيد تدوير الرجاء ذاته ليجنى منه الخذلان ذاته والحرب الضروس ويفكر في تدجين مليشيات اخرى تتظاهر بموالاته.

البرهان ورث من الإنقاذ دولة تعتمد على الادارة بأسلوب اطفاء الحرائق بكفاءة عالية، وبلا رؤية وطنية وخطة استراتيجية، فهل يتعين علينا دوماً ألا نتعظ أبداً وان نمضي قدماً على الطريق ذاته لا نلوي على شيء؟

 

في الحقيقة فإن خيارات دولة الانقاذ السالبة لا تحصى، بيد ان ابرزها واكثرها خزياَ وخيبة في نظرنا: سياسة التمكين التي ظلمت الناس ووسدت الأمر إلى غير أهله فما جنت الأمة الا حصاد الهشيم والتخبط وابتذال المناصب الدستورية إلى أن غدت احوال الدولة على نحو ما انتهت إليه، فلقد غدت دولة ظالمة بامتياز، تمنح مالا تملك إلى من لا يستحق، وكل ذلك من أجل الاستفراد بالسلطة والقرار بأي ثمن فهل أفلحت في عاقبة أمرها أم تهاوت من جراء ذلك في ظلمات التيه التشرذم الماثل؟.

الأنانية الأنانية والاستحواذ على كل شيء اهم سمات ما قد سلف من عهد تطاول لا ليفعل سوى ان يحكم ويستأثر بالثروات حتى اختنق ولذلك فلا ينبغي اجترار خطاياه بوصفها خبرات.. وهل الاخطاء خبرات.؟

ما اريد أن أركز عليه حقاً هو أن أفشل السياسات الانقاذية اطلاقاً هي (سياسة التحرير الاقتصادي) التي اعزو اليها الاطاحة بالنظام في نهاية المطاف كما دابة منسأة سليمان عليه السلام.

ولمن يخالفنا الرأي ويحاج بأن الفساد العميق والمتعدد الالوان، بعد ان استشرى في مفاصل البلاد كان اهم اسباب انهيار دولة الكيزان، فعليه أن يعلم بأن مبعث الفساد وأصله في سياسة التحرير الإقتصادي بتداعياتها الاخلاقية وما افرزته من نخب وبيئة انتهازية سائبة. ويكفي انها انجبت من سماهم البشير نفسه: القطط السمان، وهم أئمة الرأسمالية الطفيلية.

واما من ظن ان العقوبات الدولية كانت آفتهم فقد تجاهل انهم تعايشوا مع هذه العقوبات حتى اضحت من أهم ادوات تشبثهم بالسلطة واحدى وسائل التعبئة العامة واستعطاف الجماهير.

 

وبالتالي فسياسة التحرير الاقتصادى هي بالذات بذرة فناء ذلك النظام وهي حقيقة المسؤولة عن تجريد الدولة من مهامها من عدة وجوه:

١. بناء على فلسلفة عبد الرحيم حمدي عراب تلك السياسة فالدولة ليست مسؤولة عن علاج الناس كما كان سائدا منذ عهد الانجليز حتى عهد الانقاذ، بل الشعب هو المسؤول عن علاج نفسه ونظافة بيئته، والدولة ليست مسؤولة عن جودة التعليم ولا عن داخليات المدارس والجامعات كما كان الحال سابقا، بل على الشعب ان يشيل شيلته وحده. والدولة ليست مسؤولة عن تمويل المساجد ومراكز الخدمات الاجتماعية ووو.

وليت الامر يقف عند هذا الحد، لا بل عمدت سياسة التحرير الاقتصادي الى تحميل الشعب مسؤولية الصرف على الدولة من خلال فرض الضرائب الباهظة التي يقع معظمها على عاتق الفقراء .. كيف؟

إن الفرق بين الضرائب المباشرة ( مثل ضريبة الدخل وضريبة ارباح الاعمال) والضرائب غير المباشرة( مثل الجمارك والقيمة المضافة VAT والدمغة ورسوم الانتاج) يتمثل في أن الضرائب غير المباشرة الاخيرة يتم تحميلها على تكلفة السلعة فينقل العبء الى المستهلك النهائي Tax shifting أرأيتم ظلما أبلغ من هذا خاصة اذا علمتم ان ضرائب الاعمال يمكن ان تخفض وان تعفى بحسب التقديرات والعلاقات والفساد الممكن. أما الضرائب غير المباشرة التي تخلق ظاهرة التضخم الانكماشي stagflationb فهي لا محالة واقعة على عنق المواطن المسكين، خاصة اذا جاءته من خلال السلع الضرورية كالخبز والدواء والسكر والزيت ( مرونة طلبها ضعيفة او منعدمة).

 

بعد خروج نفط الجنوب مباشرة عام ٢٠١١ بات 70% من الايرادات العامة تأتي من الضرائب و 90% من العبء الضريبي كان عبارة عن ضرائب غير مباشرة يتحملها الشعب الذي يقع ٦٠ % منه تحت خط الفقر المدقع ( دخل الفرد يقل عن دولار واحد في اليوم).

2. تنصلت الدولة عن مسؤولية القيام بتصدير السلع النقدية التي توفر لها النقد الاجنبي مما يجعل كعبها اعلى من السوق فتسيطر على حركة الاقتصاد وعلى سعر العملة وعلى ثروة الشعب وتتمكن بالتالي من تمويل مشاريع التنمية. لا بل قامت بخصخصة الشركات الحكومية المعنية بهذا الشأن وقامت بايكال امر تصدير اهم السلع النقدية الى الشركات ورجال الاعمال وهكذا ظهرت طبقة الراسمالية الطفيلية التي اثرت ثراء فاحشا من جراء الاستيلاء على ثروة الشعب السوداني فاصبحوا هم من يملك الدولار ( عشرات المليارات) فهم من يصدر وهم من يستورد وهم من يحدد قيمة العملة الوطنية واما الدولة فمجرد متفرج أو ربما هرع بعض منسوبيها الى مشاركة اولئك التجار أو اصبحوا مستشارين لهم. ولكن الاخزى من ذلك ان الحكومة باتت تشتري الدولار لنفسها من هذا السوق الاسود مكرسة ظاهر اقتصاد الظل وهذا الامر مايزال سائر ويفاقم سعر الدولار.

3. فلسفة التحرير الاقتصادي التي أسقمنا بها عبد الرحيم حمدي جعلت الدولة تتخلى عن كل مصادر الايرادات العامة الحقيقية فتوقفت عن تمويل مشروع الجزيرة وعن سلسلة فيها العشرات من المشاريع الحكومية في سنار والنيل الابيض وكردفان وباعت البنوك والفنادق بثمن بخس لكي لا تتحمل مسؤولية ادارتها.. تخيل!

وبايجاز نفضت حكومة الانقاذ يدها من كل مسؤولية حتى دعن السلع الاساراتيجية ( المواطن يروح في داهية) واعتمدت نظير ذلك على الجبايات من نفس الضحية، بما اوجد ما يمكن تسميته: نموذج الدولة العاطلة عن العمل. وهذا النموذح ما يزال مستمرا وتكرسه مثلاً آمنة ميرغتي محافظ بنك السودان حين تتخلى عن وظيفة ادارة سعر الصرف العملة الوطنية وتوكل الامر الى البنوك، وتتخلى عن المقاصة وادارة التحويلات بين البنوك فتوكل ذلك الى شركة العسجد، وتلغي قرار قيام بنك السودان بتصدير الذهب وتسلم المهمة للتجار وستستمر في خصخصة وتصفية انشطة بنك السودان السيادية جميعا واحد بعد الأخرى لتكريس نموذج: الدولة العاطلة عن العمل.

والنتيجة هي ما تراه العين من بؤس اقتصادي لا مثيل له في كل العالم. ولا ينتظر منه الا الشر المستطير الذي سيتمخض حتماً عن هذا التردي العريض.

ولا شفاء من كل هذا الا بالتوبة النصوح التراجع الجذري عن سياسة التحرير الاقتصادي لاستعادة عافية الدولة فتقوم بمهامها التي تهرب منها عبقري زمانه عبد الرحيم حمدي ومن تبعه على سنن هذا الضلال.

ياحكام السودان اتعظوا. ولا تأخذوا برأي مستساريكم فهم بالذات منبع الفشل والعجز.

والله يهدي الى سواء السبيل.

 

د. محمد عبد القادر سبيل

خبير اداري ومحلل اقتصادي