كرامة السودانيين في مصر

مشارف الحياة

 

​د. محمد أتيم

 

​في زمنٍ ليس ببعيد، لم تكن الحدود بين السودان ومصر سوى خطوطٍ وهمية على الخرائط؛ كنا “شعباً واحداً في دولتين”، يجمعنا شريان النيل، وتوحدنا المصائر. ولكن، ما يواجهه المواطن السوداني اليوم على أرض الكنانة يضع علامات استفهام كبرى حول مفهوم “الأخوة” التي تغنت بها الأجيال.

​أن يجد السوداني نفسه—الذي عُرف بعزة النفس والأنفة—ملاحقاً أو مضيقاً عليه في بلدٍ كان يعتبره بيته الثاني، هو طعنة في خاصرة التاريخ المشترك. إن ما يتناقله الناس من قصص المعاناة، وصعوبات الإقامة، وتفاصيل التعامل اليومي، لا يمثل مجرد “إجراءات إدارية”، بل بات يمس في كثير من الأحيان كرامة الإنسان السوداني؛ ذلك الإنسان الذي فتح أبوابه وقلبه للجميع حينما كان وطنه مستقراً.

 

​كيف تحولت “وحدة وادي النيل” من حلم قومي إلى واقع يفيض بالمرارة؟ إن السوداني الذي لجأ إلى مصر لم يأتِ طالباً للصدقة، بل جاء بكرامته، وتاريخه، واستثماراته، وثقافته. وإهانة هذا المواطن هي في الحقيقة إهانة لذاكرة التاريخ التي سجلت أن الخرطوم والقاهرة كانتا يوماً قلباً واحداً ينبض بالسيادة والشموخ.

​لقد كان السودانيون سنداً لمصر في أزماتها، وكانت مصر ملاذاً للسودانيين في محنهم. إن الحفاظ على كرامة السوداني في مصر ليس مطلباً سياسياً فحسب، بل هو واجب أخلاقي وتاريخي. فالدول لا تُبنى بالجدران والقيود، بل بالاحترام المتبادل وتقدير “حق الجيرة” الذي أوصت به السماء.

يبقى المواطن السوداني شامخاً بكرامته أينما حل، لكن الوجع يزداد حين تأتي الغصة من “ذوي القربى”. إنها دعوة لمراجعة الضمير قبل مراجعة الدفاتر، فالتاريخ لا ينسى، والنيل لا يزال يجري، وسيشهد على من حفظ الود ومن خانه.

​الاثنين 2 فبراير 2026م