نحنُ الأحياءُ “بِلا هُويّة”.. إلى كراسي السلطة

مشارف الحياة

دمحمد أتيم

 

 

​إلى من بيده الأمر.. سلامٌ على الأرواح التي نجت، وعتابٌ على الكرامة التي تُهدر في مكاتبكم.

 

​لا أكتب إليكم بمداد القلم، بل بمرارة النزوح وضيق الخناق. لقد فررنا من الموت في “ليلة سقوط الفاشر”، تلك الليلة التي انخلعت فيها القلوب، وخرجنا لا نملك من الدنيا سوى الأنفاس التي تتردد في صدورنا. تركنا خلفنا بيوتنا، وتاريخنا، وأوراقاً تثبت أننا ننتمي لهذا التراب.. تركناها تحت الرماد، لنجد أنفسنا اليوم في “ولاياتنا الآمنة” نواجه موتاً من نوع آخر؛ موت الهوية والقيمة.

 

​سمعناكم عبر المذياع، ورأينا تصريحاتكم في الصحف، استبشرنا خيراً حين قلتم إن “الورقة الثبوتية” حقٌ سيُرد لأصحابه. ولكن، يا لغصة الواقع! تلك الوعود بقيت حبيسة الميكروفونات، بينما نقف نحن أمام مكاتب السجل المدني كالغرباء، نُطالب بمستندات أحرقتها المدافع، و”شهادات سكن” لبيوتٍ لم يعد لها وجود إلا في ذاكرتنا الموجوعة.

 

​كيف للمقتول أن يثبت موته؟ وكيف للنازح أن يثبت ذاته؟

​أيعقل، يا سادة، أن يُطلب من إنسان نجا من محرقة أن يبرز “إثباتاً” ضاع في قلب تلك المحرقة؟ إن سؤالي ليس قانونياً فحسب، بل هو سؤال أخلاقي يدمي القلب: كيف تتحول هوية المواطن في وطنه إلى حلمٍ مستحيل؟ بدون تلك “الورقة”، نحن محرومون من أبسط مقومات الحياة؛ لا حركة، لا علاج، لا عمل، ولا حتى اعتراف بوجودنا الإنساني. نحن اليوم أحياء، لكننا في نظر سجلاتكم “موتى” حتى إشعار آخر.

​إننا لا نستجدي عطفاً، بل نطالب بالعدل الذي يفرضه عليكم موقعكم

 

​إن الأوراق الثبوتية ليست مجرد “أوراق”، إنها الحبل السري الذي يربطنا بالسودان. إن الوعود التي لا تجفف دمعاً ولا تطعم جائعاً هي رصاصة أخرى في صدر المواطن الذي انتظر منكم الأمان بعد الخوف.