فيض الخاطر: صفاء بحر
Safabahr2020@gmail.com
في أدبيات التنمية الحديثة، لم يعد ينظر إلى الموارد الطبيعية باعتبارها العامل الحاسم في نهضة الدول، بل يُعد الشباب الثروة الحقيقية لأي دولة، والعامل الأكثر تأثيرًا في تحقيق الاستقرار والتقدم. بل هو الاستثمار الأكثر قيمة واستدامة مقارنةً بالموارد الطبيعية أو الثروات المادية . فالشباب يمثلون رأس المال البشري الذي تقوم عليه خطط التنمية، وهم القوة القادرة على تحويل الإمكانات إلى إنجازات ملموسة. فالدول لا تُبني فقط بما تملكه من أرضٍ أو معادن، وإنما بما تمتلكه من عقول وسواعد قادرة على الإنتاج والإبداع . ومن هذا المنطلق، يشكل الشباب الركيزة الأساسية في بناء الاقتصاد، ودفع عجلة التنمية، وتحقيق الاستقرار المجتمعي .
في السودان، كان الشباب يمثلون فرصة ذهبية للنهوض بالدولة، بما يمتلكونه من طاقات بشرية هائلة، ومهارات متنوعة، وطموحات واسعة . ولو تم توجيه هذه الطاقات توجيهًا صحيحًا عبر التعليم الجيد، والتدريب، وخلق فرص العمل، لكان السودان قادرًا على تحقيق نهضة اقتصادية حقيقية، قائمة على موارده البشرية قبل أي شيء آخر .
غير أن الواقع اليوم يحكي لنا قصة مختلفة؛ إذ أن الحرب التي شهدتها البلاد غيرت هذا المسار بشكل جذري، إذا لم تقتصر آثارها على الدمار المادي، بل امتدت لتطال الموارد الأهم: الإنسان. فقد وجد آلاف الشباب أنفسهم خارج دائرة الإنتاج، بعد أن فقدوا وظائفهم أو توقفت مشاريعهم، وتعطلت مساراتهم المهنية، بل أصبح الكثير عاطل عن العمل بعد أن كانوا عناصر منتجة في المجتمع. بينما اضطر كثيرون إلى مغادرة البلاد بحثًا عن سبل العيش. ويعد هذا أكبر التحديات التي تواجه السودان اليوم، وهي هجرة الطاقات البشرية. فالشباب الذين يُعول عليهم في بناء الاقتصاد الوطني، باتوا يساهمون_ بشكل مباشر أو غير مباشر_ في دعم اقتصادات دول أخرى .
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: فالشباب السوداني الذي كان يمكن أن يساهم في بناء اقتصاد بلده، أصبح يساهم في دعم اقتصادات دول أخرى . يعمل في وظائف مختلفة، بعضها لا يعكس مؤهلاته الحقيقية، ومع ذلك يقدم جهده وطاقته لصالح مجتمعات غير مجتمعه الأصلي. وهذا يُعد شكلًا من أشكال ” هجرة العقول والطاقات”.
ولا يقتصر تأثير ذلك على الحاضر فحسب، بل يمتد ليهدد مستقبل البلاد، إذ إن فقدان الكفاءات الشابة يؤدي إلى إضعاف قاعدة الإنتاج، ويحدّ من فرص الابتكار، ويؤخر مسار التعافي الاقتصادي. فالتجارب الدولية تؤكد أن الدول التي تفقد شبابها تفقد معها القدرة على إعادة البناء بشكل سريع وفعّال. وتهيئة الظروف التي تضمن عودتهم وإشراكهم في عملية التنمية.
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة صياغة رؤية وطنية تضع الشباب في صدارة الأولويات، بوصفهم الاستثمار الحقيقي الذي لا يمكن تعويضه بسهولة. ويتطلب ذلك، قبل كل شيء، العمل على تحقيق الاستقرار، باعتباره شرطًا أساسيًا لعودة عجلة الإنتاج. كما يستدعي الأمر تبني سياسات اقتصادية مرنة تستوعب الشباب، وتدعم المبادرات الفردية، وتشجع على ريادة الأعمال.
إلى جانب ذلك، يظل الاستثمار في التعليم والتأهيل المهني عنصرًا حاسمًا في تمكين الشباب، وضمان اندماجهم في سوق العمل بكفاءة. كما أن خلق بيئة جاذبة لعودة الكفاءات المهاجرة يُعد خطوة ضرورية لاستعادة جزء من الخسارة التي تكبدها الوطن خلال السنوات الأخيرة.
لا يمكن الحديث عن إعادة بناء السودان دون الحديث عن شبابه. فهم ليسوا مجرد فئة اجتماعية، بل هم الأساس الذي تُبنى عليه الدولة الحديثة. وإذا كانت الحرب قد أهدرت هذا الاستثمار، فإن المرحلة القادمة تفرض استعادته، عبر سياسات واعية وإرادة حقيقية تعيد للشباب دورهم الطبيعي في قيادة المستقبل. فالأوطان لا تنهض إلا بسواعد أبنائها، ولا تُستعاد إلا بعزيمة شبابها.
