د/محمد عبدالقادر سبيل يكتب: نعي امريكا العظيمة

نعي امريكا العظيمة

د. محمد عبد القادر سبيل

نفوذ واشنطون تحول الآن من منزلة (إفعل الآن وإلا..) الى مستوى البلطجة واختطاف رؤساء الدول ثم فجأة وبين ليلة وضحاها إلى درك المفاوضات الطويلة والاخذ والعطاء مع دول العالم الثالث للخروج بأفضل صفقة تحفظ ماء الوجه.سبحان الله.
هذا بالضبط ما يجري بوساطة اسلام اباد التي باتت قبلة للهاث الدبلوماسية الامريكية العتيدة التي ارسى مجدها هنري كيسنجر يوما.

فلنلتفت فوراً إلى ما جرى لنفوذ واشنطون على اوروبا من خلال حلف النيتو .. قواعدها هناك.. هل هي حرة وترعب أحدا بعد الآن؟
كثير من دول اوروبا شقت عصا الطاعة وتمردت الآن على جبروت اليانكي فأربكته بتوحيد مواقفها السياسية والدبلوماسية المغايرة ثأرا وانتقاما لما اقدم عليه ترمب من سياسات جمركية ضارة بمصالح الحلفاء دون اعتبار لتوسلاتهم.
ولنلتفت ثانية باحثين عن تلكم الهيمنة المطلقة على بحار العالم هاهي تتراجع بعد التمرد الايراني التاريخي الماثل وتأثير ذلك على أمن الملاحة عبر باب المندب ومضيق هرمز معاً.. فالعالم بات مغلقاً والمفتاح بيد الأمير الفارسي وحده.
حتماً سيغري هذا الواقع الجديد الصين وكوريا الشمالية وروسيا على المزيد من تحطيم اسطورة الهيمنة المطبقة على الدنيا من جانب القوة العظمى الوحيدة التي ظنت انها انهت التاريخ برمته لصالحها إلى الأبد.
وما بالك اذا قام حلف دولي جديد، من جراء التطورات الدراماتيكية الجارية، يضم روسيا والصين وايران وكوريا الشمالية وتركيا فهذا متوقع بشدة لتوافر الارهاصات الدالة عليه .. ألن يخصم هذا كله من النفوذ الامريكي المطلق على بحار العالم ومعابره وبالتالي من محصلة التجارة الدولية؟.
ترى ماذا بقي من نفوذ مطلق؟..
حرب الخليج الراهنة اثبتت أن
البعبع شاخ بالفعل وبات هشاً يخاف على نفسه ويتراجع ليفاوض بحثاً عن مخرج من المأزق لكي يحفظ ماء وجهه على وقع ضغوط الكونغريس وارتفاع اسعار النفط وما ادراك ما الشارع الامريكي .
هكذا أصبحت القوة العظمى مثلها مثل غيرها من الدول سطوتها لها حدود ولا تملك ما تقهر به العالم كله بعد اليوم سوى السلاح النووي، لذلك لا تريد لأحد ان يمتلكه، إلا هي وحلفاؤها الذين بدأ بعضهم التململ أو التمرد عليها بالفعل. والسلاح النووي طبعا هو خيار الضعفاء، لأنه جعل أساساً للردع لا للاستخدام المعتاد الا حينما يكون مستخدمه متهورا او على شفير الهزيمة كما حدث مع اليابان في اعقاب الحرب العالمية الثانية.

إن الضعف الأمريكي الذي اظهرته حرب اوكرانيا وعمقته أخيراً حرب الخليج الجارية سيزداد على يد ترمب بمدهشاته المستمرة خاصة اذا اقدم على احتلال جزيرة قرينلاند التي يشتهيها عنوة، فحينها ستصبح امريكا وحيدة ومعزولة فعلاً ليس معها سوى اسرائيل ودول الموز.

أما إذا اضفنا الى هذه التغييرات الدولية الكبرى تعزيز فاعلية تكتل (بريكس) من خلال ضم المزيد من الدول ذات الوزن والنمو الاقتصادي الصاعد في آسيا وافريقيا وامريكا الجنوبية واذا قامت هذه المنظومة الاقتصادية الواعدة باعتماد عملة موحدة للتجارة الدولية بينها فحينئذ يمكن لاعداء امريكا ممارسة الشماتة على هيبة الدولار وعلى السلطان السياسي المعتمد عليه.
أمريكا تتراجع اقتصاديا امام الصين وحلفائها المحتملين يوما بعد يوم.
وقريبا ستطالب تركيا الناهضة بقوة والهند وكذلك الكتلة الافريقية في الامم المتحدة بالعضوية الدائمة وحق الفيتو في مجلس الأمن.. لتتحول امريكا حينئذ الى دولة كبرى عجوز كغيرها من عديد الدول الكبرى الهرمة التي احيلت على المعاش كبريطانيا ومن قبلها روما.
وفي ظل انفلات حبل تطور التكنولوجيا الذكية من يد الغرب برمته الى يد الصين والنمور الآسيوية فإن ترمب سيتم الناقصة فيعجل أجل النفوذ الامريكي الدولي بمفاجآته غير السارة وسرعان ما ستتحول تلك النار التي ظلت مؤججة في صورة علم لاهب في وجه الجميع طوال ثمانين سنة ( 1945_ 2026) الى رماد تذروه الرياح.
يا لمجد غير مؤثل منعه الطغيان من اكمال قرنه الأول.

د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري وباحث مستقل