ضل الحراز …علي منصور يكتب : ابيي بين اطماع الضم وأخطاء الداخل السوداني( 2)

ضل الحراز

أبيي بين أطماع الضم وأخطاء الداخل السوداني (2)

إذا كانت المخططات الرامية إلى ضم أبيي إلى دولة جنوب السودان قديمة ومتواصلة فإن ما يثير القلق اليوم ليس فقط حجم الضغوط الخارجية بل كذلك حجم الأخطاء الداخلية التي أضعفت الموقف السوداني وأوجدت بيئة مواتية لتقدم تلك المشاريع لقد دفع المسيرية أثماناً باهظة خلال السنوات الماضية سواء على مستوى الأرواح أو الاستقرار الاجتماعي أو النفوذ السياسي ورغم حجم التضحيات التي قدموها ظل تمثيلهم السياسي في ما يسمى بحكومة تأسيس محدوداً للغاية إذ لم يحظوا إلا بتمثيل ضئيل تمثل في اللواء فضل الله برمة ناصر في المجلس التشريعي التأسيسي والباشا طبيق وزير الطاقة وفي المقابل يعاني الجرحى والمصابون من أبناء المسيرية من ضعف الرعاية والعلاج مقارنة بغيرهم كما يواجهون مظاهر التهميش في الترقيات والمخصصات في وقت تُمنح فيه الأفضلية لقيادات أخرى أكثر قرباً من قيادة الحركة الشعبية كما أن شباب دينكا نقوك يجدون الرعاية والتسليح لقد وجد المسيرية أنفسهم أمام إرث دموي ومدمر فقدوا قياداتهم الميدانية وتعرض نسيجهم الاجتماعي والقبلي للاهتزاز ودفعوا ثمناً أكبر من غيرهم في مشاريع عسكرية لم تحقق لهم مكاسب سياسية أو استراتيجية توازي حجم التضحيات إن تكريس الولاءات الضيقة والانخراط في تحالفات قصيرة النظر أدى إلى نتائج عكسية وأسهم في خلق حالة من الالتفاف ضد المسيرية من قبل بعض رموز الاغتصاب السياسي والدموي واليوم يفرض الواقع نفسه بصورة أكثر قسوة فمع انهيار العديد من القيادات التقليدية والميدانية وفي ظل تصاعد قدرات بعض عناصر دينكا نقوك وتسليحهم بات مستقبل أبيي وأجزاء من أراضي المسيرية في غرب كردفان يواجه تهديداً مباشراً ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى تحرك قبلي ومجتمعي وسياسي منظم يشمل تنظيم وقفات احتجاجية وتفعيل أدوات المناصرة الدولية وإجراء مراجعة شاملة لتاريخ التحالفات السياسية والعسكرية التي كشفت عن حجم التجريد التدريجي للمسيرية من عناصر القوة الاجتماعية والسياسية إن المخططات الهادفة إلى سلخ المنطقة عن جسد السودان وإلحاقها بدولة جنوب السودان لم تكن وليدة اللحظة بل قادها عبر سنوات مسار سياسي وفكري وإعلامي نشط برز فيه كل من الدكتور فرانسيس دينق والدكتور دينق ألور كوال اللذين عملا بصورة دؤوبة على صياغة سردية جديدة حول أبيي تسعى إلى إعادة رسم صورتها التاريخية وتقديمها باعتبارها جزءاً من الجنوب وليس من الشمال ورغم وضوح الجغرافيا والتاريخ والوثائق والأعراف التي يستند إليها السودان في موقفه فإن ما يجري اليوم يكشف أن الخطر تجاوز مرحلة الأفكار والنقاشات النظرية وانتقل إلى مرحلة الصفقات السياسية والتفاهمات الميدانية وفي هذا السياق أثارت التصريحات المنسوبة إلى قائد ثاني مليشيا الدعم السريع عبد الرحيم دقلو خلال اجتماع بنيالا جدلاً واسعاً إذ فُهم منها إقرار ضمني بتبعية أبيي لجنوب السودان وبغض النظر عن القيمة القانونية لمثل هذه التصريحات فإن أثرها السياسي بالغ الخطورة لأنها توفر مادة يمكن استغلالها من قبل الأطراف الداعية إلى ضم أبيي وتضعف الموقف التفاوضي السوداني مستقبلاً إن مثل هذه التصريحات تحمل رسائل خطيرة من بينها إضفاء شرعية سياسية على خطاب بعض قيادات جنوب السودان وعناصر دينكا نقوك وتشجيع القوى الإقليمية والدولية على استغلال الانقسام الداخلي السوداني وإضعاف الموقف السوداني في أي مفاوضات أو محافل دولية تتعلق بأبيي وإرسال رسالة خاطئة مفادها أن قضية أبيي لم تعد محل إجماع وطني سوداني وما يزيد من حجم القلق أن بعض القيادات الأهلية من المسيرية ومن ضمنهم رؤساء الإدارة الأهلية في كردفان من نظّار وعمد ومشايخ ارتكبوا أخطاء جسيمة من خلال الانخراط في تحالفات سياسية وعسكرية أثارت كثيراً من الجدل ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذا المسار من المسيرية الحمر الفلايتة المرحوم عبد المنعم موسى الشوين (ناظر) وحامد محمد حامد البودة (وكيل النظارة) وبشير عجيل جودة الله (مقرر النظارة) وخريف رحمة أحمد (عمدة أولاد سرور) وأحمد عزاز نور الضاوي (عمدة الزيود) ومحمد يوسف بحر (عمدة السلامات) وحمدان جار النبي (عمدة المتانين) والحاج عبيد تم حامد (وكيل عمدة الجبارات) ومن جانب المسيرية الحمر العجايرة مختار بابو نمر (ناظر) وإسماعيل حامدين حميدان (وكيل النظارة) والدود محمد العبيد (عمدة أولاد كامل دار موته) وحامد عثمان محمد (عمدة المزاغنة) وصديق شنباية الشيخ (عمدة أولاد كامل الكلايته – غشيم) والصديق حميدان عبد الجليل الصافي (عمدة أولاد كامل دار سالم) وحماد خاطر جمعة (عمدة أولاد عمران – أم تمدية) أما من المسيرية الزرق الصادق الحريكة عز الدين حميدة (ناظر) ومحمد حمدية البشر (وكيل الناظر) وموسى أحمد شايب (مقرر النظارة) إضافة إلى العمد عثمان الفضل مصطفى (عمدة أولاد هيبان) وعمر شرفي حماد (عمدة العنينات) وأحمد الطيب هارون (عمدة أولاد أم سليم) لقد وضعت هذه التحالفات مستقبل القبيلة في مسار شديد التعقيد وأسهمت في استنزاف قدرات الشباب في معارك مكلفة بينما كانت أطراف أخرى تعمل بهدوء على تعزيز مواقعها السياسية والعسكرية وفي المقابل تشير العديد من المؤشرات إلى أن تسليح بعض شباب دينكا نقوك والنوير بدعم من قيادات نافذة في الحركة الشعبية وبعض أبناء أبيي في جنوب السودان لم يكن حدثًا عابراً بل يمثل جزءاً من مشروع استراتيجي يهدف إلى فرض واقع جديد في المنطقة إن أخطر ما في هذا التطور أنه يفضي إلى تكوين قوة محلية ذات ولاء سياسي لجنوب السودان وخلق اختلال في ميزان القوى داخل المنطقة وإنهاك المسيرية في صراعات جانبية واستنزاف قدراتهم البشرية ونقل النزاع من خلاف حدودي وسياسي إلى نزاع مسلح يمكن فرضه كأمر واقع وفي الوقت الذي يخسر فيه المسيرية أبناءهم في الحرب، تتشكل على الضفة الأخرى قوة جديدة يجري إعدادها بعناية لليوم الذي يُطرح فيه سؤال السيطرة الفعلية على أبيي وفي المقابل يواصل رئيس إدارية أبيي السفير شول دينق ألاك الدفع باتجاه تدويل القضية مستندًا إلى نتائج استفتاء أكتوبر 2013 الذي قاطعته قبيلة المسيرية وأسفر بحسب نتائجه المعلنة عن تصويت 99.98% من المشاركين لصالح الانضمام إلى جنوب السودان كما أن الخطوات التي اتخذها الدكتور رياك مشار نائب رئيس دولة جنوب السودان عبر توجيه المجلسين التنفيذي والتشريعي لإدارية أبيي بإجازة نتائج ذلك الاستفتاء بعد اجتماعات ضمت مشار وشول دينق ألاك ودينق ألور وفرانسيس دينق تعكس استمرار السعي إلى إضفاء شرعية سياسية على نتائج لم يعترف بها السودان ولا المجتمع الدولي وزاد الأمر تعقيداً لقاء مشار باللواء روبرت أفرام القائد المؤقت لقوات اليونسفا ومطالبته بنشر شرطة جنوبية في أبيي في خطوة اعتبرها كثيرون تحدياً لقرارات مجلس الأمن المتعلقة بالمنطقة وعندما طرحت مليشيا الدعم السريع مشروعها الخاص بإعادة تقسيم السودان إلى ستة أقاليم لم يكن إلغاء ولاية غرب كردفان مجرد إجراء إداري بل حمل دلالات سياسية عميقة إذ يعني عملياً إضعاف الوجود السياسي للمسيرية وتجريدهم من عمقهم الإداري والجغرافي بما يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة في ملف أبيي إن دولة جنوب السودان ليست فاعلًا محايداً في هذا الملف بل تمتلك مشروعًا واضحاً بشأن أبيي وتسعى إلى استثمار حالة الانقسام الداخلي السوداني لتحقيق مكاسب استراتيجية مؤجلة منذ عقود كما أن بعض القوى الإقليمية تنظر إلى المنطقة من زاوية المصالح الاستراتيجية والاقتصادية نظراً لما تمثله أبيي من أهمية نفطية وجغرافية باعتبارها نقطة وصل بين شمال السودان وجنوبه وبوابة مهمة في قلب القارة الأفريقية وفي هذا السياق يرى كثير من المراقبين أن أبيي تحولت إلى ورقة مساومة في سياق الحرب الدائرة في السودان حيث تسعى أطراف مختلفة إلى توظيفها لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية فالحقيقة التي ينبغي أن تُقال بوضوح هي أن أبيي ليست هدية سياسية وليست ورقة مساومة بين مليشيا ودولة ولا ملفاً يمكن تأجيره أو المقايضة به إن أبيي تمثل قضية سيادة وحدود وهوية وطنية وأي معالجة لها لا بد أن تنطلق من رؤية وطنية شاملة تقوم على توحيد الصف الداخلي واستعادة العلاقة بين الدولة ومكونات المنطقة وفتح قنوات التواصل مع أبناء دينكا نقوك المؤمنين بالتعايش السلمي والعمل على بناء موقف سوداني موحد لقد ظل كثيرون يحذرون منذ سنوات من أن إضعاف المسيرية سيؤدي في النهاية إلى إضعاف الموقف السوداني في أبيي واليوم تبدو هذه التحذيرات أكثر واقعية من أي وقت مضى إن بيان الهيئة الشعبية لمجتمع منطقة أبيي جاء في توقيت بالغ الأهمية لكنه يحتاج إلى أن يتحول إلى مشروع عمل سياسي ومجتمعي متكامل يجمع كل أبناء المنطقة حول رؤية موحدة تحفظ الحقوق التاريخية وتمنع استغلال الانقسامات الداخلية إن أبيي ستظل قضية محورية في مستقبل العلاقات السودانية – الجنوب سودانية وسيظل مصيرها مرتبطاً بقدرة السودانيين على تجاوز خلافاتهم الداخلية وبناء مشروع وطني جامع فالأرض لا تُحمى بالشعارات وحدها بل بالوحدة وبحسن إدارة التحالفات وبامتلاك رؤية استراتيجية بعيدة المدى لقد قلتها مراراً وأكررها اليوم إن أبيي تُصبح أكثر عرضة للخطر كلما تفرق أهلها وتُصان كلما توحدوا حول مشروع وطني جامع يحفظ الأرض والتاريخ وحقوق الأجيال القادمة