د/محمد عبدالقادر سبيل يكتب: دعوة قضائية اقتصادية ضد الحكومة !

دعوى قضائية اقتصادية ضد الحكومة

د. محمد عبد القادر سبيل

ما أزال أؤمن، أن مشكلة السودان الأساسية وسبب بؤسه وتعاسة أهله ليس غياب الحرية أو الديمقراطية ولا ضعف الانتاج أوضعف الموارد البشرية أو الطبيعية.. كلا
فلنضع الأمر في صورته العارية والصريحة التي تجعل الفساد وسوء تطبيق القانون وضعف الادارة بمثابة الأعراض بالنسبة للمرض الجذري وهو: أن الدولة مفلسة، وفي الوقت ذاته متقاعسة عمداً عن استرداد حقها في امتلاك الثروة، وبالتالي فهي لا تملك الإيرادات الكافية التي تعينها على مقابلة نفقاتها العامة وعلى تطبيق القانون وحفظ الأمن وانفاذ السياسات المالية والنقدية التي تسيطر بها على التضخم وسعر العملة وقبل ذلك ضمان جودة التعليم والصحة والخدمات العامة وفي مقدمتها الكهرباء.
الدولة عاجزة عن الوفاء بكل هذا لأنها… ببساطة لا تملك الإيرادات العامة الكافية بالنقد الأجنبي والعملة المحلية معاً.
هذا هو مربط الفرس وأس البلاء.
وقد حدث هذا الافقار المتعمد منذ ان جرى تبني سياسة التحرير الاقتصادي أوائل التسعينيات الماضية فكانت وبالاً ماحقاً ما يزال يجد من يدافع عنه بحجج نظرية واهية تارة وبدوافع آيدولوجية خاضعة لشروط مؤسسات التمويل الدولية تارات.
وفي الحقيقة فإن من يصر على استمرار سياسة التحرير الاقتصادي التي احوجت الحكومة إلى( نفاخ النار) هم سدنة الخصخصة المنتهكون لثروة الشعب لصالح الراسمالية الطفيلة والقطط السمان حتى ماتزال تنمو وتترعرع منذ التسعينات الى ان بلغت الآن مبلغاً جعل كل من يرجى منه خير لإصلاح الاقتصاد الوطني قد تحول الى داعم متحمس لاستمرار تلك السياسة البغيضة دفاعاً عن مصالحه وقد بات جزء من تلك العصابات المقننة يعمل معها في مجال الاستيراد والتصدير أو مستشارا موظفاً لديها. وهكذا استفحل الأمر ولم يعد هنالك من يرعوى او يرتدع فأهدرت بالتالي الثروات الوطنية الضخمة وتفرق دمها بين كارتيلات الانتهازيبن.
والأدهى وأمر أن من يتسنمون المناصب القيادية في الدولة أنفسهم وطوال السنوات الماضية أما أنهم من اصحاب المصالح الإقتصادية وملاك شركات التصدير والاستيراد أو جاءت بهم طبقة الراسمالية الطفيلية ذاتها لحماية مصالحها واتباع السياسات التي تزيد ثراءها وتزيد تدهور الجنيه السوداني وترفع معدلات التضخم وتجفف الإيرادات العامة للحكومة خاصة على صعيد العملات الأجنبية… وهكذا أفلت العقال لصالح وحوش السوق الأسود لأن الحكومة ذاتها عبارة عن مستثمرين وتجار أو موظفين لديهم ومتواطئين معهم..
وفي هذا السياق نتساءل: من الذي أتى بمحافظ البنك المركزي بديلاً عن سابقها برعي الذي قرر احتكار تصدير الذهب لصالح الدولة؟
هل هم مصدرو الذهب انفسهم؟ هل وعدوا الحكومة بتبرعات أو تدابير خاصة توفر عطية مزين للحكومة نظير شراء صمتها واستمرار استحواذهم على اهم مورد عملة صعبة: مائة طن ذهباً سنويا تدر ايرادا لا يقل عن 10 مليار دولار تعتبر كافية جداً لحل كل مشاكل السودان، فلا انقطاع كهرباء أو ارتفاع دولار ولا غلاء ولا طرق مهشمة ولا تدهور بيئي مريع كما نرى.. فكل هذا يمكن ان يتغير ببساطة فيما اذا قررت الدولة احتكار شراء الذهب من مواقع الانتاج وتصديره بنفسها بقيمة عشرة مليارات دولار سنويا.. ولكن هيهات.
فوزير المالية ذاته ربما كان رجل اعمال ومبارك اردول مدير شركة المعادن المقال يستثمر الآن في الذهب بيد وينازع في السلطة بيد اخرى ويهدد ويتوعد من لا يطلق له العنان وحميظتي كان يمتلك جبلاً من الذهب.. وعلى هذا المنوال يا ترى كم وزير من وزرائنا الكرام له صلة بالاستثمار وشركات التصدير والاستيراد؟ دون اي اعتبار لشرط تجرد المسؤول من تضارب المصالح لأنه حينئذ سوف لن يجرؤ على اتخاذ أي قرار يمس مصلحته فيوقف هذا العبث بالثروة الوطنية كغيره من مختطفي المناصب الدستورية في زماننا الصعب هذا.؟
وماذا عن وزير الثروة الحيوانية؟
الرجل الذي يتأفف يومياً من منصبه الذي ربما أجبر عليه لخدمة مصالح نخبة من التجار دفعوا به إلى المنصب؟
أهي الشركات ذاتها التي تتولى تصدير المواشي واللحوم وتستحوذ على حصائل صادر المنتجات الحيوانية لنفسها مع انها من اهم مصادر ثروة شعبنا المغبون، والآن لا يدري أحد لصالح من ستتجه حصائل مراكز الانتاج الحيواني التي ينوي انشاءها في طول البلاد وعرضها هل لصالح تعزيز ايرادات حكومته (المفلسة) من العملة الاجنبية أم أنه يجتهد ليل نهار ويملأ الاعلام ضجيجا بمجرد خطط ورقية مخدرة ، غايتها مصلحة المستثمرين وبالتالي يريد ان يوسع مراتعهم ليجنوا ارباح الثروة الحيوانية في مناطق حرة free zones لا تدفع للدولة معشار ما سيجنونه من دولارات تحتاج اليها الحكومة للجم جموح الدولار..

هذه كلها من تداعيات المصيبة الكبرى االمسماة سياسة التحرير الاقتصادي.. تلك التي لا توصف الا بكونها برنامج استباحة لثروة الشعب السوداني وهدر كرامته من اجل نخبة التجار الانتهازيين بينما يدافع عنها مستشارون وخبراء ابتلانا الله بهم فهم يسوغون الظلم والخطايا بمزاعم تنظيرية زائفة.
الطريق الصحيح لاحب والحق أبلج.. وإن على وزير الثروة الحيوانية أن يفكر فقط وأساساً في كيفية استحواذ الدولة على تصدير المنتجات الحيوانية عبر إحياء المؤسسة الحكومية العريقة: الشركة السودانية للمواشي واللحوم، وبذل قصارى علمه ومواهبه وحكمته وفي يده امكانات بنك الثروة الحيوانية من اجل رفع كفاءة هذه الشركة وتحريرها من الفساد وضعف الادارة من خلال توظيف خبراء اجانب بجانب تطبيق نظم الحوكمة والتميز المؤسسي فهذا هو مناط دوره وليس دوره ان يهب ثروة الشعب للرأسماليين لكي يزدادوا بغياً ونهبا للموارد بينما يشكو الوزير ذاته من ضعف راتبه وقلة حيلة الدولة وهوانها على الناس.
الحق اقول: إن كثير من الوزراء بل حتى البرهان ذاته ورئيس الوزراء كلهم متقاعسون عن تمكين الدولة من ثروة الدولة على النحو الذي ذكرنا( استحواذ الحكومة على تصدير السلع النقدية: الذهب والمنتجات الحيوانية والحبوب الزيتية والصمغ العربي والقطن والذرة كما كانت تفعل من قبل) وان يكفوا فورا ان ترك حبلها على الغارب وتركها نهباً للطبقة الاوليغارشية التي تستبيحها فتصدر هي بينما الدولة تتفرج. وتمتلك الدولار هي وتضارب به في السوق الاسود فترفع الاسعار كما تشاء والحكومة فقط ( تفرفر شوية) ثم تهمد وهكذا يبقى الوطن غارقاً كما هو عبر السنوات وتبدل الحكومات في سجمه ورماده يتخبط في مستنقع التحرير الاقتصادي سيء الذكر وفي قبضة من لايرحم.
ترى أليس ما يجري دليل ساطع على انهم جميعاً متواطئون بصورة ما مع الخاطفين خاضعون لنفوذهم ؟وهذه لعمري خيانة وطنية، لأنهم في موقع ولي الأمر وقد وهنوا واستكانوا فضيعوا من يعولون. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
لقد آن الاوان لتنبري جماعة مستنيرة من شرفاء هذه الامة لتحريك دعوى قضائية ضد حكومة السودان بتهمة التقاعس المتعمد عن حماية ثروات الشعب الوفيرة والتواطؤ مع الرأسمالية الطفيلية التي تختطفها وتستحوذ على حصائلها في ظل تدهور الاوضاع الاقتصادية وصعوبة الحياة.
وتطالب العريضة بإلزام الحكومة بقرار نافذ من المحكمة بتولي تصدير السلع النقدية الخمس حكراً على الدولة وهي: الذهب والحبوب الزيتية والمنتجات الحيوانية والصمغ العربي والقطن على الأقل، وايضاً تتولى استيراد السلع الاستراتيجية الخمس: الوقود والدواء والقمح ومدخلات الانتاج والمستوردات الحكومية. وذلك حفاظاً على حياة وأمن وكرامة الشعب السوداني وتقوية حكومته ولمنع نهب ثرواته باسم سياسة التحرير الاقتصادي.

د. محمد عبد القادر سبيل
خبير إداري وباحث إقتصادي

العودة للخلف

تم إرسال رسالتك

تحذير
تحذير
تحذير
تحذير

تحذير.