د/محمد سبيل يكتب:  نظرة جديدة الي رواية موسم الهجرة الي الشمال

نظرة جديدة إلى رواية موسم الهجرة إلى الشمال

د. محمد عبد القادر سبيل

إزاء تأويل رواية موسم الهجرة إلى الشمال للأديب العالمي الطيب صالح، احسب ان المؤلف اراد من خلال بناء وتطوير احداث الرواية حول بطلها مصطفى سعيد القول:
إن الانجليز كانوا محبين ومخلصين دوماً لشعب السودان، ولعل مما أسدوه من معروف لهم انهم قاموا بهمة عالية على مشروع تحويل اهل السودان من مجتمع البداوة والتخلف الذي كانوا عليه في نهاية القرن التاسع عشر والعالم كله قد أمسك بخطام الحداثة والمعاصرة إلى مجتمع متحضر مستنير عبر برامج التعليم الحديث. وكانوا في سبيل ذلك يسوقون الناس سوقاً بالكرباج الى صفوف الدراسة ومن بينهم البطل ذاته مصطفى سعيد الذي أخذه المفتش الانجليزي من الشارع خيث كان يلهو وفاعتنى به معلمو المدارس ورعوه حتى عرجوا به مراقي التعليم لما لمسوا فيه من الفطنة حتى بلغوا بالفتى اعرق جامعات لندن. وهنالك احتضنه واحترمه المجتمع الانجليزي واحتفى به أيما احتفاء.
إلا انه أخلد إلى الأرض فأبى الا يبقى منطوياً على ضغائن القبلية فبقي مرتهناً الى ثاراته وشهواته وعنفه ومايزال هكذا حتى وهو مغمور وسط البيئة الابلغ تحضرا في العالم حينئذ يمارس بؤسه إلى أن قتل نفساً على نحو غامض فسجن اثر ذلك، ثم عاد ادراجه بعد حين، ليعيش آخر مطافه معتدا بنفسه في قرية بائسة يشبهه اهلها في جانب منه وربما كان ابوه منها أو من نواحيها ليجد ثمة هويته ضائعة الجذور كما هي والناس ينتمون ويعتزون بأشجار النخل والجروف اذ ان سعيداً لا ينتمي إلى احد من الناس على نحو قاطع فأمه جنوبية لا تقيم علاقة مودة معه وأبوه هارب أو ميت فهو كالمنبت الذي لا ارضاً قطع ولا ظهرا أبقى ولكنه مع ذلك ظل عنيداً يتأبى على شروط المدنية وسماحة واريحية الحضارة المعاصرة، ويرى في نفسه بطولة وجودية ونسباً مؤثلاً إلى مجد مجهول أو بالأحرى مختلط المنبع.
تلك هي شخصية السودان كما صورها وجسدها الطيب صالح قي شخصية بطل روايته العالمية الأشهر، ولم يشأ أن يفصح عن سرها حتى لا يثير على نفسه انتقادات أكبر مما أثارته عليه شخصية بت مجدوب.
يبقى ان نقول إن الكاتب الطيب صالح تزوج من سيدة بريطانية محترمة وعاش معها مخلصاً بلا مغامرات بقية حياته وفي عقر بلادها. وبالتالي فتحليل وتأويل شخصية مصطفى سعيد يكون أقرب الى ما ذهبنا إليه غالبا.
د. محمد سبيل