مسارات
مجتمعنا بعد الحرب
فاطمة البصير
عند الحرب تكشف المجتمعات عن أفضل ما فيها. ففي أنحاء البلاد المختلفة اظهر السودانيون قدرة لافتة على التضامن والتكافل. فتحت العائلات أبوابها للنازحين، وتقاسم الجيران ما تبقى لديهم من غذاء ودواء، وسارع المتطوعون ومنظمات المجتمع المدني إلى تنظيم حملات الإغاثة، بينما تكفلت المبادرات المحلية بتوفير خدمات أساسية عندما عجزت مؤسسات الدولة عن القيام بذلك.
لكن ما إن تنحسر الأزمة حتى يبدأ هذا التضامن بالتراجع، وتعود الانقسامات السياسية والاجتماعية إلى الواجهة، وتتآكل الثقة بين المواطنين و يضج خطاب العداء في وسائل التواصل الاجتماعي
أن الأزمات لا تخلق الانقسامات، بل تكشف الانقسامات التي تراكمت قبلها. فهي لا تدمر التماسك الاجتماعي بقدر ما تكشف هشاشة العقد الاجتماعي القائم، وحجم الفجوة بين الدولة والمجتمع، وبين ما ينتظره المواطنون من مؤسساتهم وما تقدمه لهم هذه المؤسسات فعليًا.
فالتمـاسك الاجتماعي لا يعني غياب الاختلافات أو النزاعات، ولا يقوم على فرض التجانس بين أفراد المجتمع. بل يتمثل في قدرة مجتمع متنوع على إدارة اختلافاته بصورة سلمية، وفي شعور أفراده بأنهم ينتمون إلى مشروع وطني مشترك، وأن حقوقهم مصانة، وكرامتهم محترمة، وفرصهم متكافئة، وأن مؤسسات الدولة تعمل لخدمة الصالح العام لا لخدمة فئات بعينها. لذلك، فإن الثقة ليست نتيجة للخطابات أو الشعارات، بل ثمرة مؤسسات عادلة وسياسات منصفة وعلاقات قائمة على المواطنة المتساوية.
ولا يمكن فهم أزمة التماسك الاجتماعي في البلاد بمعزل عن الاقتصاد السياسي الذي يحكمها. فقد أدت عقود من السياسات الاقتصادية غير العادلة، واتساع الفوارق الاجتماعية، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع جودة التعليم والخدمات الصحية، واتساع رقعة العمل غير اللائق، وتهميش المناطق الريفية والأطراف، إلى إضعاف شعور المواطنين بالانتماء والمساواة. كما ساهم تضييق الحيز المدني، وضعف المساءلة، وتراجع الثقة بالمؤسسات العامة في تعميق الاستقطاب العمودي بين الدولة والمجتمع، والاستقطاب الأفقي بين مكونات المجتمع نفسه.
ان الاختبار الحقيقي للتماسك الاجتماعي ليس في قدرة المجتمعات على التكاتف عندما تقع الكارثة، فقد أثبتت مرارًا أنها قادرة على ذلك. وإنما في قدرتها على بناء مؤسسات عادلة، ومواطنة متساوية، وسياسات تنموية شاملة تجعل التضامن الذي يولد في لحظات الألم جزءًا من الحياة اليومية، لا استجابة استثنائية لظروف استثنائية. فالمجتمعات لا تُعاد بناؤها عندما تتوقف الحروب أو تُشيد المباني، بل عندما يستعيد المواطنون ثقتهم بأن مستقبلهم مشروع مشترك، يقوم على السلام، والعدالة، والكرامة، والمواطنة المتساوية.
