النور القُبّة.. حين ينشق الرجل من داخل القلعة (1) انشقاقٌ لا يُقاس بعدد المقاتلين وحده

ضل الحراز: علي منصور حسب الله

 

في الحروب لا تكون كل الانشقاقات متساوية فبعض الانشقاقات يمرّ كحادث عابر يفقد معه طرفٌ عدداً من المقاتلين أو المركبات ثم تستعيد القيادة توازنها سريعاً لكن هناك انشقاقات أخرى تتجاوز الحسابات الميدانية المباشرة لأنها تصيب شيئاً أكثر حساسية من القوة النارية وهي الثقة داخل منظومة القيادة نفسها ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن قراءة انشقاق اللواء النور أحمد آدم الشهير بـ(النور القُبّة) عن مليشيا الدعم السريع وانضمامه إلى القوات المسلحة السودانية فالقضية في تقديري لا تتعلق فقط بخروج قائد ميداني وقوات تتبعه وإنما بما يمثله الرجل داخل التركيبة العسكرية والاجتماعية التي قامت عليها مليشيا الدعم السريع وبما يمكن أن يترتب على خروجه من إعادة حسابات داخلية لدى قادة ومقاتلين آخرين وقد أعلن النور القبة في أبريل 2026 انشقاقه عن مليشيا الدعم السريع وانضمامه إلى الجيش السوداني ثم ظهر لاحقاً في مؤتمر صحفي بالخرطوم وقال إنه ترك الدعم السريع (بطوعه وإرادته وقناعته) وإنه انضم إلى القوات المسلحة مع ثلاث مجموعات كبيرة من قواته بكامل مركباتها وتجهيزاتها فضلاً من انه الرجل الثالث في قوات حميدتي بحسب رتبته العسكرية وهنا تبدأ أهمية القصة لأن النور القبة ليس وافداً جديداً على العمل العسكري كما أن علاقته بالقوة التي أصبح لاحقاً أحد أبرز قادتها لم تبدأ مع اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023 كغيره من قادة آخرين بمليشيا الدعم السريع وتشير المصادر إلى أنه بدأ نشاطه العسكري في صفوف قوات حرس الحدود في دارفور ثم انتقل إلى قوات الدعم السريع في 2019 وتدرج في صفوفها حتى وصل إلى رتبة لواء كأقدم لواء وأصبح واحداً من القادة الميدانيين البارزين فيها وهذه الخلفية مهمة لفهم دلالة انشقاقه فالرجل لم يكن مجرد مقاتل انضم إلى الدعم السريع ثم غادره بل كان جزءاً من البيئة العسكرية التي تشكلت فيها القوة وتولى قيادة تشكيلات كبيرة وشارك في العمليات العسكرية في دارفور وكان قائداً لمتحرك (درع السلام) وهو تشكيل أُنشئ قبل اندلاع الحرب الحالية

ولهذا فإن خروجه لا يمكن اختزاله في عبارة (انشقاق قائد ميداني) فإنه يمثل خروج شخصية تعرف طبيعة المؤسسة من الداخل وتعرف قياداتها وآليات عملها وطريقة اتخاذ القرار فيها وشبكة العلاقات بين قادتها ومقاتليها وهذا تحديداً ما يجعل الانشقاق أكثر إيلاماً لأي تنظيم عسكري لو تساءلنا لماذا يختلف انشقاق القبة عن غيره؟ وقد شهدت مليشيا الدعم السريع خلال الحرب انشقاقات لقادة بارزين وكان أبرزها انشقاق أبو عاقلة كيكل في أكتوبر 2024 ثم جاءت لاحقاً سلسلة أخرى من الانشقاقات بينها انشقاق النور القبة نفسه وعلي رزق الله (السافنا) وبشارة الهويرة وغيرهم لكن أهمية القبة تأتي من موقعه فقد كان الرجل الثالث في القوة من حيث الرتبة كما أن تقارير عدة وصفته بأنه أحد أبرز القادة الميدانيين لمليشيا الدعم السريع وأن خروجه جاء مصحوباً بمجموعات كبيرة من قواته ومركباته وهنا ينبغي التوقف عند نقطة مهمة وهي أن القوة العسكرية ليست مجرد سلاح وذخيرة فالقوة العسكرية أيضاً هي ولاء وثقة وتراتبية وشبكة علاقات وقدرة القائد على إقناع رجاله بأن القيادة التي يعملون تحتها قادرة على حماية مصالحهم ومستقبلهم وعندما يغادر قائد بهذا الوزن فإن السؤال لا يكون فقط كم مقاتلاً خرج معه؟ فالسؤال الأخطر هو كم مقاتلاً بقي وهو يسأل نفسه لماذا خرج؟ وهل يمكن أن يأتي دوري غداً؟ وهذا هو الأثر النفسي الذي لا يظهر في البيانات العسكرية فانشقاق القائد يزرع سؤالاً داخل الصف هل يمكن للقيادة العسكرية أن تعوض خسارة المركبات وأن تعيد توزيع السلاح وأن تستبدل قائداً بقائد لكن من الصعب عليها أن تعوض الثقة إذا بدأت تتآكل فالقائد الذي ينشق من داخل المؤسسة يترك وراءه أسئلة لا تستطيع البيانات العسكرية الإجابة عنها بسهولة هل كان الرجل غاضباً من القيادة؟ هل شعر بالتهميش؟ هل اختلف مع طريقة إدارة الحرب؟ هل أصبحت القرارات العسكرية تخضع لحسابات غير عسكرية؟ وهل يستطيع القادة الميدانيون أن يثقوا بأنهم سيظلون شركاء في القرار إذا تغيرت موازين القوة؟ هذه الأسئلة حتى لو لم تُطرح علناً يمكن أن تنتشر داخل أي تشكيل مسلح بصورة أسرع من انتشار الأخبار نفسها ولهذا فإن الانشقاق الكبير لا يبدأ تأثيره بالضرورة في الجبهة قد يبدأ تأثيره في غرفة القيادة زمن النقاط التي تستحق التوقف عندها أيضاً الخلفية العسكرية للنور القبة فهو ينحدر من تجربة حرس الحدود وهي تجربة مختلفة في طبيعتها عن العمل العسكري التقليدي داخل القوات المسلحة كما أن سنوات العمل في دارفور منحته شبكة واسعة من العلاقات الميدانية والاجتماعية وهذا ربما يفسر جزئياً قدرته على التواصل مع قوى وقيادات مختلفة في الإقليم وقد أظهرت التطورات اللاحقة أن خروجه لم يكن انتقالاً فردياً فقط إذ غادر ومعه مجموعات من قواته ومركباته قبل أن يصل إلى مناطق سيطرة القوات المسلحة في الشمال ومن هنا يمكن فهم المسألة على أنها إعادة تموضع لقوة كانت موجودة داخل منظومة الدعم السريع ثم قررت تغيير موقعها في الحرب وهذا أخطر على أي قيادة من فقدان مقاتلين لا يرتبطون بشبكة قيادة مستقلة كما ترتبط قصة القبة أيضاً بصورة مباشرة بتطورات الفاشر وتشير تقارير منشورة إلى أن من أسباب الخلافات التي سبقت انشقاقه تذمره من عدم اختياره قائداً عسكرياً على شمال دارفور بعد سيطرة الدعم السريع على الفاشر حيث اختير جدو ابنشوك بدلاً منه كما تحدثت تقارير أخرى عن خلافات متراكمة وتوترات داخلية سبقت خروجه لكن اختزال القضية كلها في خلاف على منصب سيكون تبسيطاً شديداً فالانشقاقات الكبرى غالباً ما تكون نتيجة تراكم وليس نتيجة قرار واحد

قد يبدأ الخلاف بمنصب ثم يتسع بسبب التهميش ثم يتعمق بسبب اختلاف في إدارة القوات ثم يتحول إلى أزمة ثقة ثم تأتي حادثة أخيرة لتفجر القرار وهذا ما يجعل دراسة انشقاق القبة مهمة لفهم ما إذا كان ما حدث مجرد خلاف شخصي أم أنه يعكس أزمة أوسع في بنية القيادة وأحد أكثر الملفات حساسية في قصة القبة هو ما ارتبط بأحداث مستريحة فالمصادر المنشورة ربطت بين توتر علاقته بقيادة الدعم السريع وبين الهجوم على مستريحة المعقل التاريخي لقبيلة المحاميد وزعيمها موسى هلال مشيرة إلى أن هذه التطورات كانت من العوامل التي عجّلت بانفجار الخلافات وهنا تظهر واحدة من أعقد مشكلات الحركات والقوات ذات الامتدادات الاجتماعية وماذا يحدث عندما يجد القائد نفسه أمام قرار عسكري يمس بصورة مباشرة جماعته الاجتماعية أو أهله أو المنطقة التي يرتبط بها؟هذه ليست مسألة خاصة بالقبة وحده وإنما قضية أوسع في تركيبة الصراع السوداني فكلما أصبحت القوة العسكرية مرتبطة بشبكات قبلية واجتماعية يصبح الحفاظ على وحدة القيادة أكثر تعقيداً لأن الجندي أو القائد لا يتحرك فقط وفق الأوامر العسكرية وإنما يتأثر أيضاً بما يجري في محيطه الاجتماعيوانضمام القبة إلى القوات المسلحة لا يعني تلقائياً أن ميزان الحرب قد تغير بصورة حاسمة ومن الخطأ أيضاً التعامل مع كل انشقاق باعتباره نهاية وشيكة للطرف الآخر لكن الخطوة تحمل قيمة أخرى أكثر أهمية إعادة توزيع الخبرة فالقائد المنشق يأتي معه معرفة بتفاصيل العمل الميداني وطبيعة الانتشار وطرق التحرك وشبكات القيادة ونقاط القوة والضعف فضلاً عن تأثيره المعنوي على العناصر التي كانت ترتبط به والأهم أن استقباله داخل القوات المسلحة يمكن أن يبعث برسالة إلى قادة آخرين مفادها أن الانتقال من صفوف الدعم السريع إلى الجيش ليس بالضرورة انتقالاً إلى المجهول وهذه الرسالة في الحرب لها قيمة استراتيجية والأخطر على الدعم السريع ليس أن ينشق النور القبة الأخطر هو أن يتحول انشقاق القبة إلى نموذج فإذا رأى قائد ميداني أن قائداً آخر استطاع أن يخرج بقواته وأن ينتقل إلى القوات المسلحة وأن يحتفظ بدوره وتأثيره فقد تبدأ حسابات جديدة لدى قادة آخرين وهنا تتحول المسألة من (لماذا انشق القبة؟) إلى (من سيكون القائد التالي؟) وهذه هي النقطة التي تجعل الانشقاقات المتتابعة أكثر خطورة من الانشقاق المنفرد وقد شهدت الأشهر التالية بالفعل سلسلة من الانشقاقات شملت قادة بارزين الأمر الذي دفع بعض المراقبين إلى الحديث عن تصدعات داخلية متزايدة في صفوف الدعم السريع فانشقاق عدد من القادة لا يعني بالضرورة انهيار القوة فوراً كما أن القوات المسلحة نفسها أمام مسؤولية كبيرة في إدارة هذه التحولات بطريقة مؤسسية وعدم تحويل الانضمامات إلى مجرد احتفال سياسي أو إعلامي الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانشقاق

القضية لا تنتهي عندما يعبر القائد المنشق إلى مناطق الجيش بل تبدأ هناك مرحلة أصعب كيف تستفيد القوات المسلحة من خبرته كيف تدمج القوات التي جاءت معه في منظومة عسكرية وطنية منضبطة؟ وكيف تنسق مع القوات المشتركة وهذا التنسيق ينزع من مليشيا الدعم السريع كرت مهم وهي حرب المكونات والدفاع عن مكونات مستهدفة ثم كيف تستفيد الدولة من المعرفة الميدانية التي يحملها القائد؟ والهدف النهائي يجب أن يكون جيشاً وطنياً واحداً والأثر الأكبر لانشقاق النور القبة قد لا يكون عسكرياً فقط بالمعنى الضيق إنه سياسي واجتماعي أيضاً فدارفور وكردفان منطقتان تتشابك فيهما الجغرافيا مع القبيلة والسلاح مع الاقتصاد والعلاقات المحلية مع التوازنات السياسية وعندما ينشق قائد ذو صلة واسعة بهذه البيئة وينضم إلى القوات المسلحة فإن ذلك يفتح باباً أمام إعادة ترتيب المواقف المحلية وقد تتساءل مجموعات أخرى هل الحرب الحالية تحقق فعلاً مصالح مناطقنا؟ هل استمرار القتال يخدم أهلنا؟ هل التحالف مع قيادة بعينها أصبح عبئاً؟

وهل يمكن الانتقال من الحرب إلى مشروع سياسي وعسكري يحفظ وحدة السودان؟ هذه الأسئلة قد تكون أهم من عدد العربات التي خرجت مع القبة لهذا فإن انشقاق النور القبة ينبغي ألا يُقرأ باعتباره خبراً عسكرياً عابراً إنه حدث يكشف عن أزمة أعمق في بنية القوى المسلحة التي قامت على تعدد مراكز النفوذ والولاءات والقيمة الحقيقية للانشقاق ستظهر في ثلاثة اتجاهات الأول هل يؤدي خروج القبة إلى خروج قادة آخرين؟ وهذا ما تحقق ويتحق بصورة تكاد تكون يومية والثاني هل تستطيع قيادة الدعم السريع احتواء أثر الانشقاقات ومنع انتقال عدوى عدم الثقة إلى وحداتها الميدانية؟ وهذا ما ظهر من خلال نقل قادة من مقدمات المليشيا إلى الصفوف الخلفية والمدن البعيدة مثل ما حدث لابراهيم صندوق وآخرين وإعتقال عدد كبير من منسوبي مليشيا الدعم السريع بما فيهم القادة السياسيين في ما يعرف ب الحكومات المدنية في ولايات دارفور وكردفان أما الثالث هل تنجح القوات المسلحة في تحويل انضمام القبة ومن معه إلى مكسب مؤسسي يخدم مشروع الدولة والجيش الوطني بدلاً من أن يتحول إلى مجرد إضافة لتشكيل عسكري جديد؟ وهذا سيكون في مدى خلق علاقة نموذجية بينه وبين قادة المشتركة مما يمنع آثار مدمرة وخطيرة نتيجة خطاب مليشيا الدعم السريع وغباء بعض الناشطين في وسائل الإعلام الحديث الذين وقعوا في فخ المليشيا وصاروا يؤججون نيران الفتنة إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد القيمة الحقيقية لانشقاق النور القبة أما المؤكد حتى الآن فهو أن الرجل لم يخرج وحيداً وأن خروجه جاء من داخل إحدى أهم دوائر القيادة الميدانية للدعم السريع وأنه أعلن انضمامه إلى القوات المسلحة مع مجموعات كبيرة من قواته وتجهيزاتها ومن هناظ يمكن القول إن (القبة) لم يأخذ معه مقاتلين ومركبات فقط بل أخذ معه شيئاً أكثر حساسية جزءاً من الثقة التي تحتاجها أي قوة مسلحة حتى تحافظ على تماسكها والسؤال الذي سيحدد مسار الحلقات المقبلة ليس كم خرج مع القبة؟ بل ماذا حدث داخل الدعم السريع بعد خروج القبة؟ وهل كان انشقاقه مجرد حالة فردية أم أنه كشف شقوقاً كانت موجودة تحت سطح القوة الصلبة تنتظر اللحظة المناسبة للظهور؟