ضل الحراز: علي منصور حسب الله
كل فترة تثار حملة ضد عالم أو داعية أو رجل دين بالطريقة نفسها تقريباً شائعة تتناقلها الحسابات والصفحات ثم تسجيل صوتي منسوب إليه أو صورة مجتزأة أو قصة بلا مصدر ثم تبدأ عملية التدوير حتى تتحول الكذبة في أذهان البعض إلى واقعة تبدو وكأنها ثابتة وقد تقف خلف بعض هذه الحملات جهات معلومة أو أفراد أو مجموعات منظمة أو حسابات وهمية أو مصالح سياسية وإعلامية متشابكة وقد يكون بعضها مجرد سلوك فردي نابع من الخصومة أو الحقد أو الرغبة في التشهير لذلك فإن إنكار وجود حملات تشويه منظمة تستهدف بعض الشخصيات المؤثرة خصوصاً في أوقات الصراع السياسي لا يقل خطورة عن المبالغة في تفسير كل حادثة باعتبارها جزءاً من مؤامرة كبرى أو مخطط مركزي متكامل لكن الفكرة الأهم التي تستحق التوقف عندها هي ماذا يحدث للمجتمع عندما تتحول الشائعة من مجرد كذبة عابرة إلى وسيلة منهجية لضرب العلماء ورجال الدين وأصحاب التأثير الأخلاقي؟ هنا لا تعود المسألة مجرد إساءة إلى شخص بعينه وإنما قد تتحول إلى استهداف لمفهوم أوسع يهدف إلى إسقاط القدوة والثقة والمرجعية الأخلاقية وقدرة المجتمع على التمييز بين الصواب والخطأ فالعالم أو الإمام أو الداعية لا يمثل نفسه فقط وفي نظر قطاعات واسعة من المجتمع هو يمثل قيمة ومعياراً أخلاقياً يُنظر إليه باعتباره نموذجاً للعلم والاستقامة والزهد والصدق والالتزام ولذلك فإن ضرب سمعته قد تكون آثاره أوسع بكثير من الإساءة إلى شخص عادي فمن أخطر أهداف حملات التشويه إسقاط القدوة قبل إسقاط الشخص فعندما يقتنع الناس بأن الشيخ الذي كانوا يرونه نموذجاً للنزاهة والعفة والصدق هو في الحقيقة فاسد أو منافق أو صاحب سلوك مشين فإن الضرر لا يقع عليه وحده بل يمتد إلى الصورة التي يمثلها وإلى القيم التي ارتبطت به في أذهان الناس وهنا تنتقل المعركة من سؤال (هل هذا الشخص أخطأ؟) إلى سؤال أخطر (هل يوجد أصلًا شخص يستحق أن نقتدي به؟) وهذا التحول بالغ الخطورة لأن المجتمع الذي يفقد ثقته في رموزه الأخلاقية يصبح أكثر قابلية للعدمية الأخلاقية وللاستهانة بالقيم ولتصديق مصادر بديلة قد لا تمتلك العلم ولا النزاهة ولا المسؤولية وقد يجد الإنسان نفسه أمام نموذج معاكس تماماً للقدوة نموذج يرفع شعارات من قبيل (العرقي يكون مجان ببطاقة تموينية والبنقو محل شاي) وهي عبارات لا تعكس مجرد اختلاف في السلوك وإنما تكشف في بعض السياقات عن محاولة قلب سلم القيم نفسه بحيث يصبح ما كان المجتمع يستنكره أمراً عادياً بينما تتحول الاستقامة إلى موضع سخرية أو اتهام مع ذلك النموذج الأخير يجد الدفاع عنه والتبرير بينما الهجوم بسيوف العشر تطال رجل الدين أو العالم ومن هنا يمكن فهم إحدى أخطر نتائج حملات التشويه تسوية الفارق بين الصالح والطالح وقد يتم تفضيل الطالح الذي يلبسوه ثوب الثورية فإذا أصبح الخطاب العام يقول (الجميع فاسدون) أو (كل العلماء لهم أسرار) أو (لا يوجد رجل دين نزيه) فإن الفاسد لا يعود بحاجة إلى الدفاع عن فساده لأنه ببساطة سيقول الجميع (والغين) من ذات الإناء وهنا تتحول الشائعة من سلاح ضد فرد إلى أداة لإفساد معيار الحكم الأخلاقي نفسه فلا تحتاج الشائعة دائماً إلى أن تكون مقنعة حتى تؤدي وظيفتها أحياناً يكفي أن تزرع الشك مثالاً تقود إلى القول بأن (هناك كلام كثير عنه…) أو (أنا لا أتهمه لكن هناك أشياء لا يعرفها الناس…) أو (انتظروا الأيام وستكشف الحقيقة…) هذه العبارات قد تكون أكثر خطورة من الاتهام المباشر لأنها تترك في ذهن المتلقي سؤالاً مفتوحاً دون دليل وصاحب الإشاعة لا يريد بالضرورة أن يصل الجميع إلى تصديق الرواية كاملة فقد يكون هدفه ببساطة أن يصلوا إلى منطقة الشك وأن تتغير صورتهم عن الشخص المستهدف وقد ينسى المتلقي بعد فترة تفاصيل الشائعة لكنه يحتفظ بانطباع غامض بأن (هناك شيئاً ما) وهذه إحدى آليات اغتيال السمعة لا يكون المطلوب دائماً إقناع الناس بالكذبة وإنما جعلهم غير قادرين على الثقة بالحقيقة ولهذا فإن الشائعة قد تحقق جزءاً من هدفها حتى لو لم يصدقها الجميع والمشكلة أن الاتهام الكاذب قد ينتشر خلال دقائق بينما يحتاج نفيه إلى أيام أو أسابيع وربما لا يصل النفي إلى جميع من وصلتهم الشائعة والأخطر من ذلك أن بعض الناس يتذكرون الاتهام أكثر مما يتذكرون تكذيبه فإذا نُشرت صورة مفبركة أو تسجيل صوتي مزور أو محادثة مختلقة ثم ثبت بعد ذلك أنها كاذبة فإن أثرها النفسي قد لا يختفي بالكامل وهنا تكمن خطورة وسائل التواصل الاجتماعي لأنها لا تنقل الخبر فقط بل تستطيع إعادة تدويره وتكراره وإخراجه في أشكال مختلفة حتى يبدو للمتلقي وكأنه أمام وقائع متعددة بينما هو في الحقيقة أمام قصة واحدة يعاد نشرها عشرات المرات والتكرار هنا يصنع وهماً بالموثوقية فقد يرى الشخص المنشور في عشر صفحات ويسمع التسجيل في خمس مجموعات ثم يقرأ تعليقاً من شخص يزعم أنه (يعرف القصة) فيتصور أن كثرة المصادر دليل على صحة الخبر بينما قد تكون كل تلك المواد مستنسخة من مصدر واحد مجهول وهنا يجب أن نتذكر قاعدة إعلامية وأخلاقية بسيطة التكرار ليس دليلاً والانتشار ليس إثباتاً وعدد المشاركات لا يحول الكذب إلى حقيقة ومن النماذج التي أُثير حولها كثير من الجدل في السودان ما تعرض له القارئ الشيخ الزين محمد أحمد الزين من تسجيلات صوتية ومواد نسبت إليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي وقد نقل الصحفي والمصور ياسين عمر عن الشيخ الزين رده على ما يثار حوله قائلًا بحسب ما أورده ياسين (والله أنا زاتي ما عارف كل ما أصحى الصباح ألقى كاتبين فيني حاجة جديدة ولا مفبركين تسجيل صوتي مسجلنه بي نفرين وبالمناسبة الحاجة دي من 2017 من جهات معلومة) وبحسب الرواية نفسها وعندما سُئل الشيخ عن حقيقة ما يتداول جاء رده (العندو حاجة مفروض يمشي المحكمة) وهذه العبارة بعيداً عن تفاصيل كل واقعة بعينها تختصر موقفاً مهماً في التعامل مع الاتهامات إذا كان هناك اتهام حقيقي فليُقدَّم الدليل وليكن مكانه الطبيعي أمام الجهات المختصة لا في محاكم وسائل التواصل الاجتماعي فالفضاء الإلكتروني ليس محكمة وعدد المشاركات والإعجابات وإعادة النشر لا يتحول إلى دليل إثبات ومن حق أي شخص مهما كانت مكانته أن يُساءل وأن يُنتقد وأن تُكشف أخطاؤه إذا كانت هناك أدلة حقيقية لكن ليس من حق أحد أن يحول الشائعة إلى حكم أو أن يجعل من الجمهور محكمة تصدر أحكامها من خلال منشور مجهول أو تسجيل لم يتم التحقق من مصدره والشيخ الزين محمد أحمد الزين قارئ ارتبط اسمه بتلاوة القرآن الكريم وإمامة المصلين وهو من مواليد عام 1982م في قرية البنية بمنطقة أم دم التابعة لمحلية أم روابة بولاية شمال كردفان ونشأ في بيت ديني وكان جده الفكي الزين معروفاً بالفقه والورع وحفظ القرآن وتجويده ومن اسمه جاء اسم حفيده بدأ الشيخ الزين حفظ القرآن في سن مبكرة ثم التحق بخلوة خرسي في محلية بارا لمواصلة الحفظ وأكمل حفظ القرآن خلال فترة قصيرة على أيدي عدد من المشايخ من بينهم الشيخ حسن حامد والشيخ أحمد بابكر (حمدان) ثم واصل دراسته في مجال علوم القرآن والتجويد والتحق بـجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية وحصل على إجازة في القراءة من شيخ قراء الأزهر الشريف في سبتمبر 2009م كما ارتبط اسمه منذ سنوات بإمامة وخطابة مسجد السيدة سنهوري بمنطقة المنشية في الخرطوم وهو المنصب الذي أسهم في شهرته الواسعة لدى جمهور المصلين ومستمعي القرآن وبصرف النظر عن الاختلاف مع أي عالم أو داعية في موقف ديني أو سياسي أو اجتماعي فإن هذه السيرة تفرض سؤالاً مهماً هل يكون الرد على الاختلاف بالنقاش والحجة أم بتحويل الخصومة إلى حملة تشويه شخصية؟فمن يملك حجة فليقدمها ومن يملك دليلًا فليقدمه ومن يرى خطأ فليناقشه أما أن تتحول الخلافات إلى صور مفبركة وتسجيلات مجهولة واتّهامات بلا سند فذلك لا يخدم الحقيقة ولا المجتمع ولم يكن الشيخ الزين وحده من تعرض لمثل هذه الحملات فقد سبق أن تعرض الشيخ عبد الحي يوسف والدكتور محمد الأمين إسماعيل والبروفيسور عصام أحمد البشير وغيرهم من الشخصيات الدينية والفكرية لحملات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي تضمنت اتهامات وتسجيلات ومواد نسبت إليهم في سياقات مختلفة فالقضية الأساسية هنا هي منهج التعامل مع المعلومة هل هناك مصدر أصلي؟ وهل التسجيل كامل أم مجتزأ؟ وهل الصورة حقيقية أم قديمة أو منزوعة من سياقها؟ هل الصوت يعود فعلاً إلى الشخص المعنى؟ وهل توجد جهة موثوقة تؤكد الواقعة؟ وهل هناك وثيقة أو دليل يمكن التحقق منه؟ وهل نحن أمام معلومة حقيقية أم مجرد (قالوا) و(سمعت) و(تداول الناس؟) هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تحكم العقل العام لا حجم الانتشار ولا عدد المتابعين ولا سرعة إعادة النشر ففي زمن الصراعات السياسية تصبح الحرب الإعلامية أكثر شراسة فالخصومة لا تكون دائماً مع البندقية وإنما تمتد إلى الوعي والصورة والسمعة والثقة وقد يجد طرف سياسي أو جماعة أو جهة مسلحة أن استهداف شخصية دينية مؤثرة أكثر فاعلية من الدخول معها في نقاش فكري لأن ضرب سمعتها قد يؤدي إلى إضعاف تأثيرها في المجتمع وإرباك جمهورها وهنا يمكن أن تتحول الشائعة إلى جزء من الحرب النفسية والحرب النفسية لا تستهدف دائماً تغيير رأي الناس مباشرة وإنما قد تستهدف إضعاف الثقة وإثارة الشك وبث الخوف وإرباك الجمهور وإضعاف قدرة المجتمع على معرفة من يصدق ومن يكذب وفي هذا السياق فإن الحسابات المجهولة والصفحات الوهمية والتسجيلات المفبركة والصور المجتزأة والمقاطع القديمة المعاد نشرها خارج سياقها كلها يمكن أن تصبح أدوات في معركة أوسع على الوعي ولذلك فإن المعركة الحديثة لم تعد تدور فقط حول من يسيطر على الأرض وإنما أيضاً حول من يسيطر على الرواية والصورة والانطباع والمؤسف أن تتحول الخصومة السياسية إلى خصومة شخصية فالاختلاف السياسي مشروع والنقد مشروع بل إن مساءلة الشخصيات العامة ضرورة في أي مجتمع لكن المشكلة تبدأ عندما يعجز الخصم عن مواجهة الفكرة فينتقل إلى صاحبها وعندما يصعب عليه الرد على موقف العالم أو الداعية بالحجة يبدأ البحث عن حياته الخاصة وأسرته وماضيه وصوره وتسجيلاته ثم تُركب القصص حولها وهكذا تنتقل المعركة من هل موقفه صحيح؟ إلى هل هذا الرجل يستحق الاحترام؟ وهذا بالضبط هو جوهر اغتيال الشخصية فالهدف لم يعد إسقاط الفكرة وإنما إسقاط الشخص الذي يحملها لأن إسقاط الشخص قد يكون أسهل من مواجهة الفكرة ومن أخطر أشكال الاستهداف أن تمتد الحملة إلى أسرة الشخص المستهدف فقد شهدت وسائل التواصل الاجتماعي تداول صور خاصة منسوبة إلى أسرة الشيخ الزين وقيل إن بعض تلك الصور نُشر من عناصر تابعة للمليشيا خلال فترة سيطرتها على الخرطوم في سياق ابتزاز مرتبط بمواقف الشيخ ودعائه عليهم في صلاة التراويح وهنا ينبغي التوقف طويلاً فحتى لو اختلف الإنسان مع موقف الشيخ فإن أسرته ليست طرفاً في الخصوم والصورة الشخصية لا تصبح مادة مشروعة للتشهير لمجرد أن صاحبها شخصية عامة إن تحويل الأسرة والأبناء والنساء إلى أدوات ضغط على صاحب موقف عام ليس نقداً ولا جدلاً سياسياً بل هو انحدار بالخصومة إلى مستوى خطير من الابتزاز الاجتماعي والأخطر أن إدخال الأسرة في الصراع يضاعف الضغط النفسي على المستهدف ويبعث برسالة إلى الآخرين مفادها أن اتخاذ موقف أو التعبير عن رأي قد يعرّض حتى أسرهم للتشهير وهنا تصبح المسألة أكبر من شخص واحد إنها محاولة لترهيب المجتمع كله من التعبير والسؤال الأكبر هنا هل يمكن أن يؤدي استهداف القدوة إلى تدمير الأخلاق؟ الإجابة نعم من حيث الأثر الاجتماعي يمكن أن يؤدي ذلك إلى إضعاف منظومة القيم حتى لو لم تكن هناك جهة واحدة وضعت خطة معلنة بعنوان ( تدمير الأخلاق) وهذه نقطة مهمة فليس من الضروري أن يجلس أشخاص في غرفة واحدة ويقرروا (سنحطم أخلاق المجتمع) قد تنتج النتيجة نفسها من خلال تراكم حملات التشويه وتكرار السخرية من العلماء وتطبيع الاتهامات وتقديم الفاسد بوصفه ذكياً وتصوير الملتزم بوصفه منافقاً وتحويل الاستقامة إلى مادة للسخرية والتراكم هنا قد يكون أخطر من الحملة الواحدة لأن المجتمع يتغير أحياناً ليس بسبب حدث واحد وإنما بسبب التكرار المستمر للرسائل نفسها رسالة تقول (لا تثق بأحد) أخرى تقول (كل العلماء منافقون) (كل السياسيين لصوص) وهذا الحزب عضويته فاسدة (كل الدعاة لهم أسرار) (كل صاحب مبادئ يبحث عن مصلحة) وعندما تتكرر هذه الرسائل بما يكفي يبدأ الإنسان في فقدان القدرة على تصديق وجود القدوة أصلاً عندما يصبح الفساد طبيعياً وهنا نصل إلى أخطر النتائج إذا فقد المجتمع قدرته على التمييز بين النزيه والفاسد وبين الصادق والكاذب وبين العالم والجاهل وبين صاحب المبدأ وصاحب المصلحة فإن الفساد لا يعود بحاجة إلى تبرير نفسه يكفي أن يقول (كلهم كذلك) وهذه العبارة وحدها قد تكون مدمرة لأنها تلغي فكرة المحاسبة الأخلاقية فإذا كان الجميع فاسدين فلا معنى للحديث عن الفساد وإذا كان الجميع كاذبين فلا معنى للبحث عن الصدق وإذا كان الجميع منافقين فلا معنى للقدوة وهنا لا تكون المعركة ضد شخص وإنما ضد المعيار الذي يقيس به المجتمع الأشخاص وقد يكون هذا هو أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع أن يفقد القدرة على الإعجاب بالنموذج الجيد وأن يصبح الإنسان المستقيم موضع شك بينما يصبح صاحب السلوك المنحرف أكثر جرأة لأنه لم يعد يرى نفسه استثناءاً بل يرى الجميع مثله لكن العلماء ليسوا فوق النقد ومع ذلك فإن الدفاع عن العلماء ورجال الدين لا يعني وضعهم فوق النقد هذه نقطة لا بد من التأكيد عليها العالم بشر وقد يخطئ وقد يجتهد فيصيب أو يخطئ وقد يتخذ موقفاً سياسياً يختلف معه الناس وقد يرتكب بعض الشخصيات العامة أخطاء حقيقية تستوجب المساءلة لكن هناك فارق هائل بين النقد القائم على الدليل و الاغتيال المعنوي القائم على الشائعة وبين المساءلة والتشهير وبين كشف الخطأ و اختلاق الخطأ وبين مناقشة الفكرة و تحطيم صاحبها المجتمع السليم لا يحمي العالم من النقد وإنما يحمي الحقيقة من الشائعة بل إن النقد الجاد للعلماء ورجال الدين يمكن أن يكون حماية لهم وللمجتمع معاً لأنه يضع الجميع أمام مسؤولية الكلمة والموقف أما الشائعة فلا تبني معرفة ولا تحقق عدالة ولا تصلح خطأ فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم واحدة من أخطر البيئات التي يمكن أن تنمو فيها الشائعات ففي الماضي كان انتشار الكذبة يحتاج إلى وقت أما اليوم فقد تنتشر خلال دقائق إلى آلاف الأشخاص وقد تصل إلى ملايين قبل أن تظهر أول محاولة للتحقق منها والأخطر أن الجمهور غالباً لا يملك أدوات التحقق الكافية قد يرى صورة ثم تسجيلاً ثم تعليقاً ثم مقطع فيديو فيظن أنه أمام خمس قرائن مختلفة بينما قد تكون جميعها مبنية على مصدر واحد مجهول وقد يلجأ البعض إلى ما يمكن تسميته (التوثيق الوهمي) أي أن كثرة الصفحات التي تنشر المعلومة تمنحها مظهر الخبر المؤكد مع أن الصفحات جميعها تنقل عن بعضها بعضاً وهنا ينبغي أن نتعلم قاعدة بسيطة التكرار ليس دليلاً والانتشار ليس إثباتاً وعدد المشاركات لا يحول الكذب إلى حقيقة ففي المجتمع السوداني للعلماء والأئمة والشيوخ وأهل العلم والشخصيات الاجتماعية مكانة خاصة ولذلك فإن استهدافهم لا ينبغي أن يُقرأ دائماً باعتباره خلافاً بين أفراد فقد يكون الضرر أوسع لأن المجتمع يحتاج خصوصاً في أوقات الحرب والانقسام إلى شخصيات تحافظ على الحد الأدنى من الثقة وتدعو إلى ضبط النفس وتمنع خطاب الكراهية وتدافع عن القيم وتدعو إلى التعايش وفي زمن الحرب تحديداً تصبح الثقة الاجتماعية مورداً استراتيجياً فإذا انهارت الثقة بين الناس وبين المجتمع وقياداته وبين المواطن ورموزه الأخلاقية يصبح من السهل انتشار الشائعات والاستقطاب والكراهية ولهذا فإن حماية سمعة الإنسان من الاتهام الكاذب ليست مجاملة له وإنما جزء من حماية المجتمع من الفوضى المعلوماتية والانهيار الأخلاقي للثقة العامة وإذا كان المجتمع السوداني قد عانى من آثار الحرب والانقسام السياسي والقبلي والاجتماعي فإن ضرب ما تبقى من رموزه الأخلاقية والثقة المتبادلة بين مكوناته قد يفتح باباً أوسع للفوضى كيف نواجه (اغتيال القدوة؟) عندما تظهر شائعة يجب أن يسأل المتلقي أين المصدر؟ هل هناك تسجيل أصلي؟ هل يمكن التحقق من الصوت؟ هل الصورة حديثة أم قديمة؟ هل هناك سياق كامل للمقطع؟ هل نقلت جهة موثوقة الواقعة؟ هل هناك وثيقة أو دليل يمكن فحصه؟ هل المتهم نفسه مُنح فرصة للرد؟ وإذا لم توجد إجابات واضحة فالأخلاق تقتضي ألا نتحول إلى أدوات لإعادة نشر الاتهام فليس كل ما يصل إلى الهاتف خبراً وليس كل ما ينشره صاحب عدد كبير من المتابعين حقيقة وليس كل تسجيل صوتي دليلاً وليس كل صورة إثباتاً والأصل أن من ادعى فعليه الدليل وأن السمعة لا ينبغي أن تكون مستباحة لمجرد أن شخصاً مجهولاً قرر نشر اتهام ربما يكون السؤال الأهم في نهاية المطاف من يحمي القدوة؟ الحقيقة أن المجتمع كله معني بهذه المسؤولية فالإعلام مطالب بالتحقق قبل النشر ورجل الدين مطالب بالوضوح والاتزان والناشط مطالب بالمسؤولية والمواطن مطالب بألا يكون ناقلًا آليًا لكل ما يصله والمنصات الرقمية مطالبة بمحاربة الحسابات والمحتويات التي تقوم على التضليل والتشهير والقانون مطالب بأن يوفر الحماية لمن يتعرض للابتزاز والتشهير دون أن يتحول في المقابل إلى وسيلة لحماية أي شخصية عامة من النقد المشروع فالقدوة لا تُحمى بإسكات الناس وإنما بحماية الحقيقة وإعلاء قيمة الدليل إن استهداف العلماء ورجال الدين بالشائعات حين يكون متعمداً ومنظماً لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد معركة على السمعة لأن نتائجه قد تمتد إلى إضعاف الثقة في القدوة وإرباك المعايير الأخلاقية وتطبيع التشهير وإشاعة الشك وتسوية الفارق بين الصالح والطالح وقد لا تكون كل هذه الحملات جزءاً من مخطط مركزي واحد لكن تراكمها يمكن أن ينتج أثراً واحداً خطيراً مجتمع لا يثق في أحد ولا يصدق أحداً ولا يرى في الاستقامة قيمة تستحق الاحترام ولهذا فإن الدفاع عن القدوة لا يعني تقديس الأشخاص والنقد لا يعني التشهير والاختلاف لا يعني الانتقام والمساءلة لا تعني المحاكمة بالشائعة فالقدوة يمكن أن تخطئ لكنها لا ينبغي أن تُقتل معنوياً بالكذب وإذا كان من حق المجتمع أن يحاسب العالم والداعية ورجل الدين عندما يخطئ فمن حق العالم والداعية ورجل الدين أيضاً أن يُحمى من أن يتحول إلى هدف سهل لشائعة مجهولة المصدر فالذين يختلفون مع العالم يمكنهم أن يناقشوا علمه والذين يختلفون مع الداعية يمكنهم أن يناقشوا فكره والذين يختلفون مع رجل الدين في موقف سياسي يمكنهم أن يناقشوا موقفه أما أن تتحول الخصومة إلى تلفيق والتلفيق إلى شائعة والشائعة إلى حقيقة متداولة فهنا لا نكون أمام خلاف طبيعي وإنما أمام اغتيال للشخصية وقد يتحول مع تكراره إلى اغتيال لفكرة القدوة نفسها وفي زمن أصبحت فيه المعركة على العقول لا تقل خطورة عن المعركة على الأرض فإن حماية الحقيقة من الشائعة وحماية القدوة من الاغتيال المعنوي وحماية المجتمع من ثقافة (الجميع فاسدون) أصبحت مسؤولية أخلاقية وإعلامية لا تخص العلماء وحدهم بل تخص المجتمع كله فإذا سقطت شخصية يمكن أن تُعاد بناء صورتها وإذا أُثبت كذب شائعة يمكن تصحيحها لكن إذا سقطت فكرة القدوة من وجدان المجتمع فمن يعيد بناء المعيار الذي يميز به الأبناء بين الصالح والطالح؟ وهنا تصبح المعركة أكبر من الشيخ الزين وأكبر من عبد الحي يوسف وأكبر من محمد الأمين إسماعيل وأكبر من عصام أحمد البشير أو أي عالم وداعية آخر إنها معركة على حق المجتمع في أن تكون له قدوات وعلى حق الحقيقة في أن تكون أقوى من الشائعة وعلى حق الأخلاق في ألا تتحول إلى مادة للسخرية والابتزاز فالخصومة السياسية تنتهي والحرب تنتهي والمنشور يختفي والحساب قد يُغلق لكن الأثر الذي تتركه الشائعة في وجدان المجتمع قد يبقى طويلاً ولهذا فإن مواجهة الشائعة ليست دفاعاً عن الأشخاص فقط وإنما دفاع عن المعنى الذي يجعل للصدق قيمة وللعلم مكانة وللاستقامة احتراماً وللقدوة حضوراً في حياة الناس وهذه في نهاية الأمر ليست معركة علماء ورجال دين وحدهم إنها معركة المجتمع كله من أجل ألا يتحول اغتيال الشخصية إلى اغتيال للوعي ولا سقوط القدوة إلى سقوط للقيم
