د/ محمد سبيل يكتب :دعونا من التكنوقراط والكفاءات…الشعب يريد هذا

دعونا من التكنوقراط والكفاءات .. الشعب يريد هذا

د. محمد عبد القادر سبيل

المقصود بمصطلح ( تكنوقراط) هم قيادات الخدمة العامة الفنيين من مهندسين ومحاسبين واقتصاديين وقانونيين واطباء، الذين هم على رأس عملهم، والذين تدرجوا في معارج الخدمة المدنية حتى قمتها فخبروها، فكان منهم وكيل الوزارة ومساعدوه والمدير العام ومدير الادارة، هؤلاء هم التكنوقراط الخبراء فنياً في مجالات تخصصاتهم التي باتوا فقهاء فيها متشربين لقوانينها واجراءاتها الفنية.
ولذلك في الحالات الاستثنائية تسند إليهم مهام ادارة وزاراتهم لأنهم ادرى بشعابها.
اما الخبراء الذين اكتسبوا مهارات فنية مخالفة تناسب المنظمات الدولية أو الشركات الخاصة أو التدريس الجامعي فهم ليسوا تكنوقراط بالمعنى السياسي المقصود لادارة دولاب الدولة في الفترات الانتقالية.
ومهما يكن فإننا نرى ان السودان في هذه الفترة الانتقالية الحرجة لا يحتاج الى تكنوقراط من رحم الخدمة العامة، ولا إلى خبراء من خارج الخدمة العامة بتجارب اقليمية ودولية رفيعة أو حتى بتجارب ناجحة في القطاع الخاص.. وبالضرورة لا يحتاج في الوقت ذاته الى السياسيين كوادر الأحزاب و امثالهم في واجهات الأحزاب المتكاثرة لأن أولئك مقامهم الانتخابات العامة.

ليس أياً من هؤلاء وأولئك سينفع المواطن والوطن في شيء في يومنا هذا.
لماذا؟
لأنهم جميعاً كما أثبتت التجارب، بما في ذلك حكومة كامل إدريس المكبلة بالحركات المسلحة وحكومة حمدوك ذات الكوادر المستقلة تارة والكوادر الحزبية تارة أخرى، يجترون جميعا السياسات ذاتها ونمط التفكير التقليدي ذاته في ادارة الدولة المتدهورة بسبب ذلك، بل ويقدسون سياسة التحرير الاقتصادي السارية بسمها الزعاف في شرايين اقتصادنا الوطني منذ تسعينيات القرن المنصرم، وكأنها غاية نظريات العلم أو هي دين منزل من السماء. وفي الحقيقة فإنهم جميعا يحافظون على مصالح الرأسمالية الطفيلية التي ينتمي بعضهم إليها او يخشى سطوتها.

وفي الحقيقة فإن معطيات الواقع ومستوى الانهيار العام في الخدمات والاخلاق والأمن والخدمة المدنية التي على رأسها أولئك التكنوقراط انفسهم، فضلاً عن هيمنة النزق الذي ينتاب بازار التنازع حول السلطة والثروة، بجانب الاستهداف الدولي المثابر والمتلاحق.. كل ذلك وغيره يجعل الخارطة الوحيدة لاستنقاذ الدولة ومقدرات الشعب السوداني هي ما نراه بتواضع هنا، فمن هو أهل لخوض هذه المعركة ولتبني هذه الحزمة الشافية الوافية ويسعه التمسك الصارم بتطبيقها فسيكون وحده فارسنا وزعيمنا الذي يرى فيه الشعب ملامحه وهمومه .
إن الذي ينتظره الشعب ليس هو من يستعرض النظريات والاصطلاحات الاكاديمية ويقدم مرائي ومطالب الاحزاب السياسية التي تخدم مطامحها، وإنما هو الأكثر حرقة وجرأة للتغيير، والاكثر بصيرة وقدرة على صناعة البديل لكل تحدٍ ماثل عبر التفكير خارج الصندوق بإيجابية لا تلقي بالاً لمستنقع الماضي ودهاقنته، هو من يتسم بارادة التغيير اعتمادا على الذات ويتحلى بالتجرد والنزاهة والشجاعة حد المصادمة مقدما مصلحة ورغبة المواطن على كل اولوية ورغبة، وهو من يضع كفنه على كتفه من اجل انفاذ برنامج وكني بسيط وواضح يحقق المطلوبات الخمس الآتية دون ادعاء زائف للعقلانية والحكمة. هذا هو المطلوب فورا الآن لنجدة السودان.
الشعب يريد (نظام المواطن أولاً) بدل نظام الانقاذ واحلام( سنعبر ) و (حكومة الأمل).
الشعب يريد اسقاط الجميع معاً.
يريد نظاما يحقق له رغباته الخمس فحسب، ولا يهمه بعد ذلك ان يكون الحاكم يسارياً أو يمينياً أو عسكرياً..
1. الشعب يريد من يحترم له هويته ودينه الاسلام الذي يدين به ٩٠% من الشعب. ولابد أن اقل ما يستحقه الدين من الاحترام جعله المصدر الأساسي للتشريعات وعدم المساس برموزه المقدسة.
2. الشعب يريد من يسترد له ثروته المختطفة من أيدي الرأسمالية الطفيلية ، وذلك بأن تستعاد الشركات الحكومية لتحتكر تصدير السلع النقدية الست :
الذهب والصمغ العربي والمنتجات الحيوانية والحبوب الزيتية والقطن والذرة ( اجمالي حصيلتها السنوية المتوقعة ١٥ مليار دولار). على أن تقوم مؤسسة للتجارة السيادية باحتكار الحكومة لاستيراد ست فئات من السلع الاستراتيجية في مقدمتها: الوقود، والقمح، والادوية، ثم مدخلات الانتاج الزراعي، ومدخلات الانتاج الصناعي، واحتياجات الحكومة من السلع المستودة( اجمالي تكلفتها حوالى ٨ مليار دولار).
3. الشعب يريد من يوفر له من فائض هذه الايرادات الضخمة خدمات التعليم الجيد مجاناً، والعلاج الجيد مجانا، والنظافة العامة مجاناَ، كما كان الحال في السبعينات وما قبلها.
4. يريد الشعب ان يحكمه من يهتم بتحسين جودة الحياة بما يشمل: توفير الأمن وتحسين الطرق وتوفير استدامة الكهرباء والمياه بجانب خفض تكاليف المعيشة وتحسين الرواتب وفرص العمل المجزية بحيث تتوفر سبل العيش الكريم للشعب كله وبصورة عادلة في القرى والحضر.
5. الشعب يريد تبني خطة استراتيجية للتنمية المتوازنة الشاملة بغرض ازالة خطيئة التهميش، بما يعطي الأولوية للمناطق الأشد فقراً وتخلفا، علماً بأن ايرادات الصادرات الست المشار اليها ستوفر التمويل الكافي لهذه الخطة دون الحاجة لمعونات أو قروض.

ذلك هو ما يريده الشعب السوداني ومن يماري فيما نزعم فليستفته الآن. ومن ينصرف عن تلك المطلوبات الخمس فإنه يضيع الوقت والفرص والشعب فحسب. هذا لمن شاء منكم ان يستقيم .

د. محمد عبد القادر سبيل
خبير إداري وباحث إقتصادي