النور القُبّة.. حين ينشق الرجل من داخل القلعة (2)

ضل الحراز: علي منصور حسب الله

 

حين يتحول الانشقاق من موقف فردي إلى زلزال داخل المليشيا

 

في الحلقة السابقة تناولنا الأثر الذي يمكن أن يحدثه انشقاق اللواء النور محمد آدم المشهور بـ(النور القبة) عن مليشيا الدعم السريع وانضمامه إلى الصف الوطني وقلنا إن أهمية هذه الخطوة لا تُقاس بمجرد خروج قائد عسكري من صفوف المليشيا وإنما بما يمثله الرجل من وزن عسكري واجتماعي وبما يمكن أن يترتب على خروجه من تداعيات داخل البنية الصلبة لهذه القوة لقد أحدث انشقاق النور القبة دوياً هائلاً وهو أمر يمكن فهمه من حجم الرجل وموقعه السابق داخل منظومة الدعم السريع ولذلك سارعت أبواق المليشيا إلى التقليل من أثر الخطوة ومحاولة تصويرها باعتبارها حادثة عابرة لا تأثير لها لكن الوقائع على الأرض تقول شيئاً مختلفاً فالانشقاق لم يكن مجرد خروج رجل وقواته من موقع إلى موقع آخر وإنما أصاب جانباً مهماً من الثقة داخل منظومة القيادة وفتح الباب أمام أسئلة صعبة حول تماسك القوة التي ظلت تقدم نفسها باعتبارها كتلة عسكرية متماسكة لا تعرف الانقسامات فقد كان من أبرز القادة الميدانيين في الدعم السريع وأن انشقاقه جاء ضمن موجة من الانشقاقات التي طالت عدداً من القيادات العسكرية الأمر الذي دفع مراقبين إلى الحديث عن تآكل ما يمكن تسميته بـ(النواة الصلبة) للقوة إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي تشكيل عسكري ليس فقط خسارة عدد من الجنود أو المركبات وإنما فقدان الثقة بين القيادة والقاعدة وبين القادة الميدانيين أنفسهم فالجيوش والقوات مهما بلغ حجمها لا تقاتل بالعتاد وحده بل تقاتل أيضاً بالثقة والانضباط والإحساس بوحدة الهدف ومن هذه الزاوية يمكن فهم الأثر الحقيقي لخروج النور القبة فبحسب المعلومات المتداولة فقد أحدث خروجه تفيتاً في القوة الصلبة لمليشيا الدعم السريع وزرع قدراً من عدم الثقة وسط قيادتها وكان لذلك أثر في إبعاد بعض القادة من مقدمات المليشيا في كردفان وإعادتهم إلى الصفوف الخلفية خاصة نيالا فضلاً عن تشديد الرقابة على عدد من القيادات والعناصر وتشير تقارير صحفية إلى أن قيادة الدعم السريع وضعت النور القبة تحت المراقبة بعد سقوط الفاشر وأن خلافات داخلية كانت قد تصاعدت قبل انشقاقه وهي مؤشرات تعكس أن الخروج لم يكن وليد لحظة واحدة وإنما جاء بعد تراكمات داخلية ومن ملابسات انشقاق النور القبة الحملة المسعورة التي تم عبرها الزج بعدد كبير من منسوبي مليشيا الدعم السريع عسكريين وسياسيين في سجن دقريس بنيالا وسجون أخرى في نيالا والفاشر ومنها سجن شالا الشهير وقد أصبحت قضية المعتقلين والسجون التابعة للدعم السريع واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل خاصة مع التقارير التي تحدثت عن أعداد كبيرة من المحتجزين وظروف احتجاز قاسية وهنا تكمن المفارقة فكلما اتسعت دائرة الشك داخل أي تشكيل مسلح تتحول الإجراءات الأمنية من وسيلة لحماية التنظيم إلى عامل قد يزيد من تفككه لأن التشدد الأمني المفرط يولد الخوف والخوف يولد الشك والشك يفتح الباب أمام مزيد من الانشقاقات حين انضم النور القبة إلى الدعم السريع في عام 2019، كان معه أكثر من خمسة آلاف مقاتل وهو رقم يكشف جانباً مهماً من الوزن العسكري الذي كان يمثله الرجل وهذا الحجم من القوات لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد قوة إضافية في حسابات المعركة؛ فهو يمثل شبكة من العلاقات والقيادات والولاءات والخبرات الميدانية ولذلك فإن خروج قائد بهذا الوزن لا ينتهي بمجرد مغادرته موقعه ومن هنا يمكن فهم ما صاحب انشقاق النور القبة من عمليات انشقاق أخرى في صفوف زملائه السابقين حيث ساهم الرجل في شق أعداد من عناصر وقادة كانوا يعملون معه سابقاً وانضمامهم إلى الصف الوطني في عمليات انشقاق مستمرة وهذا بالضبط ما يجعل انشقاق القادة أخطر على أي قوة من خسارة موقع عسكري مؤقت لأن القائد المنشق يعرف طبيعة القوة التي خرج منها ويعرف نقاط قوتها وضعها ويعرف الرجال الذين قاتل معهم والأهم أنه يستطيع أن يقدم نموذجاً عملياً لآخرين بأن الانشقاق ممكن وقد شهدت الفترة نفسها انشقاقات بارزة أخرى بينها انشقاق علي رزق الله (السافنا) وبشارة الهوية بما جعل خروج النور القبة جزءاً من ظاهرة أوسع وليس واقعة منفردة لكن ما يلفت الانتباه في شخصية النور القبة ليس فقط موقعه العسكري وإنما خلفيته ووجدانه وعلاقته السابقة بالقوات النظامية فالرجل وجدانياً كان أقرب إلى القوات النظامية وكان دائماً يتحدث للمقربين منه عن فترة حرس الحدود وهي تجربة تركت على ما يبدو أثراً في تكوينه العسكري والنفسي وربما يفسر ذلك جانباً من سلوكه خلال فترة وجوده في الدعم السريع إذ لم يظهر الروح العدائية تجاه القوات المسلحة التي ظهرت عند كثير من المتطرفين داخل المليشيا فلم يُعرف عن النور القبة طوال فترة الحرب تصريح سالب في حق القوات المسلحة أو قيادة الجيش بل التزم الصمت في وقت كانت فيه الحرب تشهد خطاباً شديد الاستقطاب وإن كان يعمل في صفوف مليشيا الدعم السريع والأمر نفسه ينطبق على علاقته بالقوات المشتركة فلم يُعرف عنه الإساءة إليها رغم أن قواته كانت تقف في الجانب المقابل في لحظات الصراع وهذه نقطة مهمة في قراءة شخصية الرجل لأن الموقف من الخصم في زمن الحرب لا يكشف فقط عن الانتماء العسكري وإنما يكشف أيضاً عن طبيعة التكوين النفسي والسياسي للقائد ومن أكثر المحطات دلالة في مسيرة النور القبة ما سبق دخول الحركات المسلحة في الحرب عندما قاد ترتيبات مشتركة مع القوات المشتركة في الفاشر وتم الاتفاق على هدنة استمرت ستة أشهر من دون معارك هذه الواقعة في حد ذاتها تكشف أن الرجل لم يكن يرى الحرب باعتبارها الخيار الوحيد وأن التواصل مع الطرف الآخر كان ممكناً عندما توفرت الإرادة لذلك غير أن تلك الهدنة تعرضت للخرق نتيجة إصرار عبدالرحيم دقلو الذي طالب القوات المشتركة المتمركزة في الفاشر إما بأن تحارب في صف مليشيا الدعم السريع أو أن تضطر المليشيا إلى تصنيفها عدواً وهنا ظهر الفارق بين من يرى التفاوض وسيلة لإدارة الخلاف ومن يرى أن الخيارات لا تتجاوز الاصطفاف الكامل أو العداء الكامل ولذلك فإن تجربة الهدنة التي استمرت ستة أشهر تظل واحدة من الشواهد المهمة عند قراءة شخصية النور القبة فهي تقول إن الرجل كان قادراً على التعامل مع خصومه بمنطق التفاهم عندما كان القرار بيده قبل أن تتغلب حسابات الحرب والتصعيد على فرص التهدئة ومن المعروف عن النور القبة أنه رجل منفتح ومتعاون مع مختلف القوات المساندة والمشاركة مع القوات المسلحة خاصة القوات المشتركة الموجودة في الميدان وهذه العلاقة ليست تفصيلاً عابراً لأن دارفور وكردفان لا يمكن قراءة المشهد العسكري فيهما من خلال الجيش وحده أو أي قوة واحدة فهناك القوات المسلحة والقوات المشتركة والقوى المحلية والقوات المساندة وكلها أصبحت جزءاً من معادلة عسكرية واجتماعية شديدة التعقيد والتحدي الحقيقي أمام هذه القوى ليس فقط تحقيق انتصار عسكري وإنما القدرة على تحويل هذا التقارب الميداني إلى مشروع وطني يحافظ على وحدة البلاد ويمنع إعادة إنتاج أسباب الحرب ولهذا فإن وجود النور القبة وسط هذه المنظومة يمكن أن يمثل جسراً مهماً خصوصاً أنه يعرف بيئة دارفور ويعرف طبيعة القوات التي قاتل معها ويعرف في الوقت ذاته طبيعة القوات النظامية والقوات المشتركة التي أصبح جزءاً من صفها فمن الخطأ اختزال النور القبة في شخصه أو في عدد السيارات والجنود الذين خرجوا معه لان القيمة الحقيقية لانشقاقه تكمن في الأثر المعنوي فالقائد الذي يخرج من داخل المنظومة لا يحمل معه القوة البشرية فقط بل يحمل تجربة كاملة ويبعث رسالة إلى الآخرين داخل المنظومة بأن الانشقاق ليس مستحيلاً وهذا ما يجعل انشقاق القبة مختلفاً عن خروج جندي أو مجموعة صغيرة أو حتى كبيرة فالرجل كان واحداً من القيادات البارزة وتصفه تقارير صحفية بأنه ثالث قائد ميداني في الدعم السريع وفق ترتيب القيادات الميدانية كما أن التقارير التي تحدثت عن إصدار قيادة الدعم السريع قراراً بتجريده من رتبته وإحالته إلى التقاعد بل وإصدار حكم غيابي بالإعدام بحقه تكشف مقدار الحساسية التي تعاملت بها القيادة مع خروجه ولو كان الانشقاق بلا أثر كما تحاول بعض أبواق المليشيا تصويره لما احتاجت القيادة إلى كل هذا القدر من الإجراءات والتصعيد تجاه قائد سابق إن انشقاق النور القبة لا ينبغي أن يُقرأ فقط في سياق معارك دارفور بل في سياق أوسع يتعلق بمستقبل الحرب في دارفور وكردفان فكلما اتسعت الانشقاقات أصبحت قدرة أي قيادة على الحفاظ على قواتها في الأطراف أكثر تعقيداً خصوصاً عندما تكون هذه القوات قائمة بدرجة كبيرة على شبكات محلية وقبلية وميدانية وهنا لا بد من التمييز بين القبيلة كمجتمع وبين استخدامها كأداة للتعبئة العسكرية فالمجتمعات المحلية في دارفور وكردفان ليست كتلة واحدة ولا يمكن اختزال مواقفها في موقف قيادة عسكرية أو مجموعة مسلحة ولذلك فإن الانشقاقات التي شهدتها صفوف الدعم السريع يمكن أن تكون مؤشراً على إعادة تشكيل الولاءات العسكرية والسياسية والاجتماعية في الإقليمين خاصة مع ظهور قادة يقررون إعادة التموضع بعيداً عن المليشيا وقد ربطت تحليلات صحفية حديثة بين موجة الانشقاقات وبين حالة من الاحتقان الداخلي وتراجع الروح المعنوية داخل الدعم السريع وهو ما يؤكد أن المسألة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة إلى أزمة ثقة داخلية ولعل أكثر ما يمنح خطوة النور القبة دلالتها السياسية والوطنية هو أنها جاءت من داخل المنظومة نفسها فالرجل لم يكن مراقباً من الخارج ولم يكن خصماً تقليدياً للدعم السريع وإنما كان أحد قادته ودخل إليها في عام 2019 ومعه قوة كبيرة ثم ظل لسنوات جزءاً من تركيبتها العسكرية ولهذا فإن انتقاله إلى الصف الوطني يمثل شهادة من الداخل على أن الحرب ليست قدراً محتوماً، وأن القائد الذي عاش التجربة من داخلها يمكن أن يعيد تقييم موقفه عندما تتغير الظروف والمعطيات ومن المهم هنا ألا يتحول استقبال المنشقين إلى مجرد مناسبة احتفالية بل ينبغي أن يكون مدخلاً لإعادة دمجهم بصورة مؤسسية والاستفادة من خبراتهم إن القيمة السياسية والعسكرية لانشقاق النور القبة لن تُقاس بعدد الذين انضموا إليه فقط وإنما بما إذا كان هذا الانشقاق سيقود إلى إعادة بناء الثقة بين أبناء دارفور وكردفان ومؤسسات الدولة والقوات النظامية وهنا تقع مسؤولية كبيرة على القوات المسلحة والقوات المشتركة وكل القوى التي تقاتل تحت راية الدولة فالهدف ليس استبدال مليشيا بمليشيا ولا تحويل الانشقاقات إلى اصطفافات قبلية جديدة وإنما إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت وإعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة تكون مهمتها حماية المواطن والدستور والحدود لا صناعة المشاريع السياسية والنور القبة بما يملكه من معرفة بتكوين الدعم السريع وعلاقاته بقياداتها وعناصرها يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في هذا المسار إذا أُحسن توظيف تجربته في إطار مؤسسي ووطني لقد أثبتت الحرب أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لبناء دولة وأن الانتصار في الميدان إذا لم يتحول إلى مشروع سياسي وطني قد يعيد إنتاج الأزمة نفسها بأشكال مختلفة ولهذا فإن انشقاق النور محمد آدم (النور القبة) يجب ألا يُقرأ باعتباره نهاية قصة رجل مع مليشيا وإنما باعتباره حلقة في قصة أكبر عنوانها تفكك مشروع المليشيا من الداخل وإعادة ترتيب الصفوف من أجل استعادة الدولة والرجل الذي دخل الدعم السريع في عام 2019 ومعه أكثر من خمسة آلاف مقاتل ثم خرج منها ليقف في صف القوات المسلحة يملك اليوم فرصة لأن يحول تجربته الطويلة إلى قيمة وطنية حقيقية فهو يعرف الميدان ويعرف دارفور ويعرف كردفان ويعرف طبيعة الدعم السريع ويعرف القوات المشتركة ويعرف كذلك القوات النظامية ومن هنا فإن دوره المقبل ينبغي ألا يكون مجرد دور قائد عسكري آخر في ساحة الحرب، وإنما يمكن أن يكون جزءاً من مشروع أوسع لجمع أبناء دارفور وكردفان حول راية الدولة وتوسيع دائرة الانشقاق عن المليشيا وفتح الطريق أمام من يريدون العودة إلى الصف الوطني فالغاية في النهاية ليست أن ينتصر طرف على طرف وإنما أن تنتصر الدولة على الفوضى وينتصر الوطن على مشروع المليشيا وينتصر السودان على الحرب وهنا فقط يمكن أن نفهم لماذا كان انشقاق النور القبة أكثر من مجرد انشقاق قائد…كان شرخاً في جدارٍ ظل يُقدَّم للسودانيين باعتباره صلباً لا يتصدع