ضل الحراز: علي منصور حسب الله
لم يكن شعار (جيناكم) الذي رفعه وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة الأستاذ خالد إسماعيل أحمد علي الإعيسر مجرد عبارة عابرة أطلقت في مناسبة إعلامية ثم مضت إلى غير رجعة اليوم وبعد أن بدأت ملامح التغيير تظهر بوضوح في مؤسسات الإعلام والثقافة يبدو أن الرجل كان يتحدث عن مشروع عمل لا عن شعار للاستهلاك الإعلامي وما نشاهده اليوم على شاشة تلفزيون السودان القومي من نقلة واضحة في مستوى الصورة وجودة البث ليس مجرد تحسين تقني يمكن اختزاله في الانتقال إلى نظام بث عالي الجودة فالمسألة في جوهرها أكبر من ذلك بكثير إنها محاولة لإعادة التلفزيون القومي إلى موقعه الطبيعي بوصفه المؤسسة الإعلامية الرسمية الأهم في البلاد وإلى استعادة صورة الدولة السودانية على الشاشة بعد أن أصاب الحرب مؤسساتها ومرافقها في الصميم لقد أحدث تطوير البث نقلة واضحة في الشكل العام لشاشة التلفزيون القومي لكن اللافت أن الوزير لم يتوقف عند حدود الصورة التي يراها المشاهد فالإصلاح الحقيقي بدأ من خلف الكاميرا ومن المكان الذي يصنع الصورة قبل أن تصل إلى الجمهور والعمل الذي يجري داخل استديوهات التلفزيون القومي وغرف البث والمونتاج ومرافق العمل المختلفة يكشف عن رؤية تتعامل مع المؤسسة باعتبارها بيئة إنتاج متكاملة لا مجرد أجهزة وكاميرات وشاشات وإعادة تأهيل الاستديوهات وتحسين غرف البث والمونتاج والاهتمام بالمساحات الخارجية والحدائق وتجهيز استراحات للمذيعين والعاملين وأخرى منفصلة للمذيعات إلى جانب غرف المكياج كلها تفاصيل قد تبدو صغيرة لمن ينظر إلى المسألة من خارج المؤسسة لكنها في واقع العمل التلفزيوني ليست تفاصيل هامشية فالبيئة المهنية اللائقة جزء من جودة الإنتاج والعامل الذي يعمل في مؤسسة إعلامية حديثة يحتاج إلى مكان يحترم إنسانيته ويوفر له الحد الأدنى من شروط العمل المهني حتى يستطيع أن يقدم منتجاً يليق بالمشاهد والدولة التي يمثلها وهنا تحديداً تكمن أهمية ما يجري إذ إن إعادة بناء المؤسسة لا تعني ترميم الجدران فقط وإنما إعادة بناء ثقافة العمل نفسها فالسودانيون الذين دخلوا مباني الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون عقب تحريرها أو شاهدوا الصور التي نقلت حجم الخراب الذي لحق بها يدركون جيداً المسافة التي كان يتعين قطعها للوصول إلى ما نشاهده اليوم دمار طال المباني واستديوهات تعرضت للتخريب ومعدات وأجهزة خرجت من الخدمة ومؤسسة إعلامية عريقة وجدت نفسها أمام واقع بالغ التعقيد فرضته الحرب كان يمكن أن يستسلم الجميع لهذا الخراب وأن تتحول عملية إعادة التأهيل إلى ملف مؤجل بحجة ضخامة التكلفة وصعوبة الظروف لكن ما حدث كان مختلفاً فبدلاً من التعامل مع ما تبقى من مؤسسات الإعلام باعتبارها أطلالاً تنتظر نهاية الحرب بدأت عملية إعادة الحياة إليها وهي لا تزال البلاد تعيش واحدة من أصعب مراحل تاريخها الحديث وهذه في حد ذاتها رسالة مهمة الدولة التي تعيد بناء مؤسساتها أثناء الحرب تقول إنها لا تنوي أن تجعل الحرب نهاية لكل شيء ولم يقتصر الأمر على التلفزيون فقد جرى تجهيز استديوهات الإذاعة القومية التي عادت إلى البث من أم درمان من داخل استديوهاتها التاريخية وهو أمر يتجاوز البعد التقني إلى دلالة رمزية عميقة فالإذاعة السودانية ليست مجرد جهاز بث إنها جزء من ذاكرة السودانيين ومن داخل استديوهاتها تشكلت على مدى عقود أصوات ووجوه وبرامج وأغانٍ وأحداث صنعت جانباً مهماً من الذاكرة الوطنية أن تعود الإذاعة إلى استديوهاتها التاريخية في أم درمان يعني أن المكان الذي شهد صناعة جانب كبير من تاريخ السودان الإعلامي يستعيد وظيفته من جديد إنها عودة للمكان وللصوت و للذاكرة وقبل ذلك كان تجهيز المركز الإقليمي للإذاعة والتلفزيون بولاية البحر الأحمر محطة أخرى في مسار إعادة ترتيب خارطة الإعلام السوداني في ظل الحرب فالحرب أجبرت مؤسسات الدولة على الانتقال والعمل من مواقع بديلة لكنها في الوقت نفسه كشفت الحاجة إلى توزيع القدرات الإعلامية وعدم تركيزها في مركز واحد ومن هنا فإن تطوير المراكز الإقليمية لا ينبغي النظر إليه باعتباره حلاً مؤقتاً فرضته ظروف الحرب بل يمكن أن يتحول إلى فرصة لإعادة بناء إعلام قومي أكثر انتشاراً وقدرة على الوصول إلى مختلف أقاليم السودان فالسودان ليس الخرطوم وحدها والإعلام القومي الذي يريد أن يعبر عن البلاد كلها يجب أن تكون له أذرع حقيقية في الأقاليم لا مجرد مكاتب إدارية تحمل أسماء الولايات الأهم في تجربة خالد الإعيسر أن ما يجري لا ينبغي اختزاله في تحسين صورة التلفزيون أو تجميل مباني الإذاعة المعركة الحقيقية هي معركة استعادة المؤسسات الوطنية فالحرب لم تستهدف المباني فقط لقد ضربت المؤسسات وشوهت صورة الدولة وقطعت أوصال المجتمع وهددت الذاكرة الوطنية وأنتجت واقعاً إعلامياً مضطرباً تتعدد فيه المنابر والروايات والمصادر وفي مثل هذا الواقع يصبح الإعلام الرسمي أمام مسؤولية مضاعفة ليس المطلوب أن يعود التلفزيون والإذاعة إلى العمل فقط وإنما أن يعودا بمهنية أعلى وتقنيات أفضل وقدرة أكبر على المنافسة وخطاب وطني يستوعب تعقيدات السودان ولا يختزل البلاد في صوت واحد أو رؤية واحدة إعادة بناء الاستديوهات خطوة مهمة لكن التحدي الأكبر هو أن تنتج هذه الاستديوهات إعلاماً جديداً وإعلاماً يحترم عقل المشاهد ويقدم المعلومة قبل الدعاية والحقيقة قبل الانفعال والمهنية قبل الولاء ويستطيع أن يخاطب السوداني داخل البلاد وخارجها ولأن وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة لا تختص بالإعلام وحده فإن الرهان الأكبر سيكون في المرحلة المقبلة على ما تبقى من المؤسسات الثقافية والمتاحف والمسرح فهذه المؤسسات ليست كماليات يمكن تأجيلها إلى ما بعد الحرب المتحف يحفظ ذاكرة الأمة والمسرح يحفظ روحها والكتاب يحفظ عقلها والإذاعة والتلفزيون يحفظان صوتها وصورتها وحين تتعرض هذه المؤسسات للتخريب فإن الضرر لا يقع على المبنى وحده بل يمتد إلى جزء من الذاكرة السودانية لذلك فإن أي خطة لإعادة تأهيل المتاحف والمسارح والمؤسسات الثقافية يجب أن تُعامل باعتبارها جزءاً من مشروع إعادة بناء السودان نفسه وليس مجرد بند خدمي في موازنة وزارة ومع كل ذلك فإن الإنصاف يقتضي القول إن إعادة تأهيل المباني والاستديوهات والمعدات مهما كانت مهمة ليست نهاية الطريق التحدي الأكبر هو المحافظة على هذه المنشآت وتوفير ميزانيات التشغيل والصيانة وتدريب الكوادر وتحديث المحتوى وإدخال التكنولوجيا الحديثة وبناء منظومة إعلامية قادرة على الاستمرار بعد انتهاء الحرب وهذا بمقدور الوزير خالد الاعيسر أهلا لها نعم فالأسهل أن نعيد تشغيل جهاز والأصعب أن نبني مؤسسة والأسهل أن نغير ديكور الاستديو والأصعب أن نغير طريقة التفكير داخله والأسهل أن نرفع جودة الصورة والأصعب أن نرفع جودة المحتوى وهنا ستكون قيمة المشروع الحقيقي الذي بدأه الإعيسر هل تستطيع هذه النقلة التقنية والعمرانية أن تتحول إلى نهضة مؤسسية مستدامة؟ إذا حدث ذلك ونحن نثق في الوزير وقدراته وجهده فإن ما نشهده اليوم لن يكون مجرد تحسين في شاشة التلفزيون وإنما بداية تحول أوسع في الإعلام والثقافة السودانية وبعد كل ما حدث للسودان لم تعد إعادة تشغيل التلفزيون والإذاعة مجرد عودة إلى البث إنها إعلان بأن مؤسسات الدولة تستطيع أن تنهض من تحت الركام وأن الحرب مهما كان حجم الدمار الذي خلفته لن تنجح في محو ذاكرة السودانيين ولا في إسكات مؤسساتهم الوطنية لهذا نفهم اليوم بصورة مختلفة شعار (جيناكم) فالإعيسر لم يأتِ فقط ليقول إن الوزارة عادت إلى العمل بل إن ما يجري على الأرض يقول إن هناك محاولة لإعادة بناء ما هدمته الحرب حجراً حجراً واستديوً استديو ومؤسسة مؤسسة
والرهان الآن أن تمتد هذه الروح إلى كل مؤسسات الوزارة الإذاعة والتلفزيون والمتاحف والمسارح والمراكز الثقافية والمؤسسات المعنية بالآثار والسياحة وأن تتحول عملية الترميم من رد فعل على الخراب إلى مشروع وطني متكامل لإعادة بناء الوعي والذاكرة والصورة السودانية فالسودان لا يحتاج بعد الحرب إلى إعادة بناء الجدران وحدها يحتاج إلى إعادة بناء صورته عن نفسه وإذا كانت الحرب قد حاولت أن تحول مؤسساتنا إلى ركام فإن إعادة تشغيلها وتطويرها تقول شيئاً بسيطاً وعميقاً في الوقت نفسه يمكن أن تهدم الحرب المبنى لكنها لا تستطيع أن تهدم الفكرة وهذه ربما هي الرسالة الأهم التي يمكن أن تحملها شاشة تلفزيون السودان اليوم وهي تعود أكثر جودة وأكثر حضوراً من قلب بلد ما زال ينفض عن نفسه غبار الحرب (جيناكم) لم تعد شعاراً… إذا استمر العمل ستصبح عنواناً لمرحلة كاملة من استعادة الدولة لصوتها وصورتها وذاكرتها
