حكومة طوارئ عسكرية مؤقتة
د. محمد عبد القادر سبيل
البلاد اليوم في حالة فوضى اقتصادية وأمنية والشعب بات مهدداً بغول الغلاء اكثر من اي وقت مضى.
الحكومة الحالية عاجزة عن احتواء الموقف المتدهور يومياً. لذلك نقترح ان يصار إلى تعيين حكومة طوارئ عسكرية لمدة عام واحد فقط من أجل استتباب الأمن الإقتصادي والاستقرار الاجتماعي منعاً للمزيد من الانفلات العام.
المانديت العاجل :
أولاً إعلان حالة الطوارئ العامة من أجل السيطرة على الاوضاع والتدخل بموجبه واعلان التعبئة العامة لمواجهة الخطر الوشيك القادم من اثيوبيا بالتنسيق مع المليشيا.
ثانيا تغيير طاقم ادارة الاقتصاد بالكامل بما يشمل وزير المالية ووزير التجارة ومحافظ بنك السودان والمستشارين بعد أن اثبتوا فشلاً تاريخياً في ادارة دفة الاقتصاد.
ثالثاُ انشاء محاكم للطوارئ والعدالة الناجزة لمواجهة التهريب والسوق الأسود والتفلتات الامنية والفساد بأشكاله، دون الخضوع لسلبيات تطاول المحاكم.
رابعا: إنشاء مؤسسة حكومية ١٠٠% للتجارة السيادية تتولى تصدير السلع النقدية الخمس واستيراد السلع الاستراتيجية الخمس. من اجل السيطرة على سعر الصرف وكبح جماح الغلاء وضمان الأمن الغذائي.
خامسا تحقيق استقرار الامداد الكهربائي.
سادسا وقف انتشار الحميات والأوبئة الفتاكة .
وبعد،،
إن العام 2027 هو عام الخطر والحسم معاً، ليس ازاء الحرب فحسب وإنما حيال اثبات وجود السودان ذاته، ككيان سياسي ذي سيادة وهيبة.
الأمر ليس لعباً أو رجماً بالغيب. فالواقع شاهد وانتم تشاهدون.
فإذا ظلت الحكومة تتمهل وتتلكأ بخصوص التدهور الاقتصادي والنظام الاثيوبي يواصل حشوده على الحدود الشرقية، وبنك السودان يواصل خصخصة كل سلطاته ليبقى عاطلا عن العمل فستصل البلاد لا محالة الى نقطة الخروج عن السيطرة والانغلاق التام.
تلك هي النقطة التي تحتل فيها اثيوبيا سد الروصيرص وفي الوقت ذاته لا يكفي دخل الفرد لشراء وجبة واحدة تقيم الأود في اليوم. فكيف سيدافع عن وطنه؟
نتوقع ان تتحقق هذه اللحظة قريبا خلال شهور وحينئذ تصبح قطعة الخبز زنة ٧٠ جراما ألف جنيه بينما تحتاج الاسرة الصغيرة الى عشرة ألاف جنيه لتوفير عشر أرغفة صغيرة وربع كيلو عدس.
في ظل التدهور المستمر الراهن وبنم السودان يرفض تماما اختكار تصدير الذهب فإن هذه النقطة سنصلها حتماً حينما يبلغ سعر الدولار 15 ألف جنيه.
نقرع حرس الانذار بقوة وندعو الى اعلان الطوارى وحكومة طوارئ برئاسة البرهان نفسه حتى يتحمل مسؤوليته بالكامل.
لأن الحكومة الراهنة لا تريد حل الازمة من جذورها رغم ان ذلك متاح امامها وجرى تنبيهها إليه، وذلك لسر تعلمه وتكتمه. وربما لان البرهان نفسه هو من يمنعها من اتخاذ القرارات المهمة الكبرى. لذلك يجب ان يتراس هو حكومة الطوارئ.
إن التشخيص الواضح للمشكلة بدون اي تقعر اكاديمي يتعين في أن الدولار بيد التجار وليس بيد الدولة والتجار طبعاً كعادتهم دائماً لا يرحمون.
أما لماذا لا تملك الدولة الدولار ويملكه التجار ( حوالى 10 مليار دولار سنويا من قيمة الصادرات) فذلك أساساً بسبب الخصخصة واتباع سياسة التحرير الاقتصادي مما ادى الى تفريط الحكومة في صادرات اهم السلع النقدية: الذهب، المنتجات الحيوانية، الحبوب الزيتية، الصمغ العربي والقطن.
هي السلع التي كانت الحكومة في الثمانينات وما قبلها تحتكر تصديرها عبر شركات حكومية متخصصة مثل: الشركة السودانية للمواشي والشركة السودانية للصمغ العربي والشركة السودانية للاقطان الخ.
هكذا اصبح اصحاب شركات التصدير اليوم هم سادة السودان وحكامه الحقيقيون. يقررون سعر الدولار ويتسببون في الغلاء الطاحن وفي شح السلع المهمة كالدقيق والوقود والدواء بحسب مزاجهم والدولة تتفرج. بل حينما تحتاج الدولة الى عملة صعبة لمواجهة التزاماتها في الخارج فإنها تسعى صاغرة الى السوق الأسود وتستجديهم.
وإذا قلت لهم لمَ هذا الهوان وفي وسعكم ان تمتلكوا انتم هذه العشرة مليارات من الدولارات من خلال احتكار تصدير هاتيك السلع النقدية الخمس وفي مقدمتها الذهب؟ قالوا كلاما هشاً خلاصته التهرب من المسؤولية متعللين بضعف كوادر الحكومة وفساد موظفيها والعقوبات المصرفية وكلها مبررات واهية.
الثابت هو ان نفوذ تجار الصادر كبير والحكومة في ذاتها متواطئة معهم وربما بعض رموزها لديهم مصلحة في هذا الصادر.. هذا ما يمكن استنتاجه والله أعلم.
هكذا فإن الارادة السياسية تجاه انتهاج طريق الحل الواضح كالشمس غير متوفرة حتى الآن. كلهم ينتظرون نقطة الانسداد المشار اليها ولحظة الانهيار المرعبة لكي يأخذوا بهذا الطريق متاخرين حيث لا ينفع الندم.
سينارو التقاعس عن حسم قضية الصادرات يطابق تماما سيناريو غض الطرف عن تفاقم تضخم الدعم السريع حتى لحظة الانفجار فكان ثمن الحل مكلفاً جدا ومانزال قيد نزيفه.
قادتنا ينتظرون حتى تخرج الامور عن السيطرة ثم يتحركون بعد فوات الوقت.
عموما ليكن الامر واضحاً. الحكومة حتى الآن تتزاور ذات اليمين وذات الشمال عن هذا الحل البسيط والمتمثل في انشاء شركة حكومية ١٠٠% للتجارة السيادية تتولى احتكار تصدير خمس فئات من السلع النقدية في مقدمتها الذهب وفي مقابلها تحتكر استيراد خمس سلع استراتيجية هي: الوقود والقمح والادوية ومدخلات الانتاج والمستوردات الحكومية.
هكذا يحدث التحول الجذري في واقع الاقتصاد وتنفرج حياة الشعب في اقصر مدة. لأن الدولار سيكون بيد الدولة وهي التي ستحدد سعره والوقود والقمح والادوية بيد الدولة وهي التي ستحدد اسعارها.
واما عشرات السلع الاخرى فسوف تترك للتجار، استيراداً وتصديرا. فهل هذه الوصفة معقدة او مكلفة لكي نتهرب منها ونبحث عن حلول تخديرية مؤقتة؟ كيف تضيع الحكومة ١٠ مليار دولار هي ثروة هذا الشعب المضحى به دائما وثمرة موارده تتركها هدرا لأربعين تاجرا يعبثون بحياة ٤٠ مليون انسان خوفاً ومهادنة؟.
في نظرنا فإن السانحة الاخيرة المتاحة الآن هي جمع الارادة السياسية وعقد العزم وتشكيل حكومة عسكرية تعلن حالة الطوارئ الاقتصادية لمدة عام واحد بغرض الحسم. ثم تحلها لتتشكل بعدها حكومة مدنية.
سيتيح قانون الطوارئ في ظل الحكومة الطوارئ المؤقتة حشد الطاقات لمواحهة الخطر القادم من جهة اثيوبيا وحسم التفلتات الامنية المستشرية بسبب الاوضاع الاستثتائية فضلاُ عن حسم عمليات التهريب التي يتوقع ان تتزايد بعد انتزاع السلع النقدية من يد الرأسمالية الطفيلية التي لها عشرات الحيل للالتفاف على القوانين.
لم يبق امامكم سوى هذا العام ويقع الانهيار الاقتصادي حيث يبلغ معدل التضخم المفرط لحظتها ثلاثة ارقام ويصبح العيش مستحيلا. ولات ساعة مندم.
إني لكم ناصح أمين.
د. محمد عبد القادر سبيل
خبير إداري ومحلل اقتصادي.
